كيف تصبح إنسانًا .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

«كيف تصبح إنسانًا» كتاب شيق للدكتور شريف عرفه بأسلوب رشيق سلس يحوى رحلة الوعى الإنسانى عبر علم النفس التطورى منذ عصر رجل الكهف وحتى الآن.

فما معنى أن نكون بشرًا.. البعض يقول إن الإنسانية هى العودة لفطرتنا، فيما يرى البعض الآخر أنها تعنى مقاومة فكرتنا البدائية لنكون أكثر تحضرًا، حيث يذهب أصحاب الرأى الأول إلى أن الإنسان حيوان ويؤيد سيجموند فرويد فى كتابه «الطبيعة وسخطها» هذا الرأى قائلاً إن الإنسان بداخله رغبات بدائية راسخة متمثلة فى العنف والجنس، لكن الحضارة الحديثة فرضت عليه كبت هذه الرغبات كى يتمكن من العيش فى سلام مع البشر.

فى حين يتجه أصحاب الرأى الثانى إلى إنسانية الإنسان، حيث يؤكد علم النفس الإيجابى أن السعادة ليست مجرد إشباع غرائز، فهناك مكونات أخرى لها، مثل الرضا عن النفس ووجود معنى يعيش الإنسان لأجله، وكذلك الرغبة فى الارتقاء والنمو والسعى نحو أهداف ومُثل عليا، الأمر الذى قد يصل إلى حد التضحية بالنفس.. وقد بحث العلماء فى المعانى المشتركة لمعنى الإنسانية فى الحضارات المختلفة فوجدوا أنها تنطوى على صفات الحب والذكاء الاجتماعى والطيبة والكرم والتعاطف.

فيما يؤكد أصحاب الرأى الثالث أن الإنسان هو ما يقرر أن يكون.. فقد قال فرويد إن الهو بداخلنا يسعى لإشباع الغرائز والأنا تحاول كبح جماحها بعقلانية لخلق توازن مع القيم المثالية المتمثلة فى الأنا الأعلى، فمحصلة تفاعل هذه القوى بداخلنا هى التى تحدد مستوى إنسانيتنا، لذا يحاول الإنسان فى رحلته الحياتية أن يرتقى ويتطور، وهذا التطور هو ما جعلنا ما نحن عليه.

وعن عيوب العقل، والتى قد تقف حائلاً دون تطوره، يقول الكاتب إن معظم الناس يرفضون التغيير والخروج من منطقة الراحة لممارسة شيء لم يعتادوه، ويطمئنون لفعل أشياء يعرفون نتيجتها مسبقًا، حيث يعود التصلب الذهنى إلى رجل الكهف الذى كانت حياته مليئة بالأخطار من حيوانات مفترسة ونباتات سامة، وقد استطاع أن يعيش فى بيئة خطرة عن طريق الحذر، فإذا وجد طريقًا آمنًا سيسلكه كل مرة.

ومن عيوب العقل أيضًا وجود ثقافة القطيع.. فنحن كائنات اجتماعية لذلك تتجلى لدينا هذه الثقافة فى كثير من سلوكياتنا بدرجات متفاوتة.. فللمجتمع سطوة على الفرد لا يمكن إنكارها، إلا أن شدتها تختلف من مجتمع لآخر.. فالبلاد الغربية تعتبر مجتمعات فردية حيث تكون الأولوية لقيمة الفرد وحريته واستقلاله، وتحقيق الأهداف الشخصية، وعدم التدخل فى شئون الغير احترامًا لخصوصية كل فرد.

بينما البلاد العربية هى مجتمعات جماعية تمجد الفناء من أجل المجموعة، واعتبار الأهداف الشخصية نوعًا من الأنانية، لذلك قد يميل الإنسان فى هذه المجتمعات لمسايرة المجموعة، وتجنب الإفصاح عن آرائه الصادمة لمن حوله كى يحظى بالقبول الاجتماعى.

ويستطرد الكاتب قائلاً إنه لكى يكون للإنسان ذهن متفتح فإنه يحتاج لنبذ المعتقدات القديمة والتفكير فى الأدلة التى تعارض معتقداته، فضلاً عن التحلى بفضيلة الشك، فالشخص الحكيم لا يأخذ حكمته من الرأى الدارج بل من الانفتاح على كل الأدلة والأفكار، وتعديل معتقداته طبقًا للأدلة الجديدة.

وينتقل الكاتب لمكون آخر لإنسانينا وهو الدين.. فهناك نظريات عديدة لتفسير أسباب لجوء الإنسان للدين منها غريزة الحضور، ومن هنا جاء استعداده الفطرى للإيمان بالغيبيات، كالملائكة والشياطين التى ترانا وتراقبنا ولا نراها.. فضلاً عن تعويض النقص، حيث عجز الإنسان القديم عن تفسير الظواهر الكونية فاستخدم الغيبيات لسد فجوات معرفية فى فهمه للحياة، حيث يقول فرويد فى كتابه «مستقبل وهم» إن الدين أكبر اضطراب نفسي عرفته البشرية، وأن الهدف منه هو الشعور بالأمان فى مواجهة الحياة وفكرة الموت، فالطفل يريد أن يتعلق بأب يهابه ويحترمه، وحين يكبر يلجأ للإيمان بسلطة أبوية أكبر لتحقق له نفس الدور، لذلك تصف المسيحية الإله بأنه أب.

ويضيف الكاتب قائلاً إن الدين يريح الإنسان ويساعده فى التعامل مع صعاب الحياة والصدمات النفسية والأمراض، فهو يعينه فى فهم معاناته ويعطيه طريقة واضحة للتعامل معها، فالدين يعطى معنى للحياة كما يجعل الإنسان أكثر تفاؤلاً ويمنحه شعورًا بالتحكم فى الأشياء الخارجة عن سيطرته.

ويرى الكاتب أن هناك علاقة بين الإنسانية والجمال، فقد ظهر اهتمام البشر بالفنون والتزيين مع ظهور الإنسان العاقل، أى منذ 50 ألف عام.. فقد لوحظ أن تصميمه لأدواته الحجرية تحمل قدرًا من الجمال، فما الذى جعله يهدر وقته وطاقته بتزيين أدواته؟

ويجيب علماء النفس التطورى بقولهم إن الإحساس بالجمال عند البشر غريزة بدائية تساعده على البقاء، فمثلاً الناس يحبون التصميمات الانسيابية أكثر من التصميمات المشبعة، شكل الزوايا والحواف يذكر الإنسان بأشياء خطرة فى الطبيعية كالمخالب والأنياب والأشواك.

ويقول كانط إن تقدير الجمال ليس وسيلة لتحقيق شئ، بل هو غاية نهائيه فى حد ذاته.

وفى دراسة أجريت على ما يقرب من خمسين ألف مشارك ممن يهتمون بحضور الفعاليات الثقافية، كزيارة المتاحف وحضور الحفلات الموسيقية، وجدوا أنهم يتمتعون بصحة بدنية أفضل، وتقل لديهم نسب الاكتئاب والقلق، فضلاً عن تخفيف الشعور بالألم، كما يساعد الجمال على تحقيق الأهداف والارتقاء الروحى، حيث أن هناك علاقة واضحة بين تقدير الجمال والمشاعر الروحية، تجعل الإنسان يزداد سموًا وزهدًا فى الماديات.

ويشير الكاتب إلى أن الحضارة الفرعونية هي أول حضارة عرفت معنى الضمير، كما تظهر وصاياهم الأخلاقية، كأقوال الحكيم الفرعونى أمنموبى «إذا وجدت فقيرًا عليه دين كبير فقسمه إلى ثلاثة أقسام، سامحه فى اثنين وأبق على واحد، وعندما تنام وتصحو ستجد هذا خبرًا جيدًا، فالخبز مع قلب سعيد أفضل من الثروه مع كآبة».

ويذكر الكاتب أن هناك مراحل أخلاقية تمثل درجات ترقى لسلم الإنسانية، تبدأ بمرحلة الخضوع حيث يعتبر الطفل أو الشخص أن الأخلاق مجرد قانون مفروض عليه من قوة خارجية عليه طاعتها، كى لا يتعرض للعقاب، والمرحلة الثانية هى أخلاق الأنانية، وفيها يدرك الفرد أن القوانين ليست صارمة وهناك استثناءات، فيكون مقياسه هو مصلحته الشخصية، والمرحلة الثالثة هى مرحلة العلاقات الإنسانية التى يدرك فيها فكرة العرف والتقاليد، وأن إلتزامه الأخلاقي يتجاوز ذاته ليشمل الاهتمام بالأسرة والأصدقاء، وفى هذه المرحلة يبدأ ظهور الضمير الأخلاقى، والمرحلة الرابعة هى مرحلة المجتمع، حيث يدرك الأبعاد الأخلاقية لتصرفاته، والمرحلة الخامسة يتجاوز فيها الإنسان الأعراف والتقاليد المتعارف عليها فى مجتمعه، ويولى أهمية لحقوق كل إنسان، فلا تكون قيم المجتمع هى مصدره الوحيد فى معرفة ما هو أخلاقى، والمرحلة السادسة هى أخلاق من المبادئ العامة، وفيها يؤمن الإنسان بالأخلاق بشكل مجرد، ويرى أن القيم الإنسانية تعلو وتسمو فوق أعراف المجتمع، لذا يرفض القانون أو العرف إذا تعارض مع القيم والأخلاق المجردة كالعدل والحرية والمساواة والحق فى الحياة.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

رسائل من العالم الآخر (7 ـ 9) .. رحاب السماحي

  فى صباح أحد الأيام ذهبت لورانس لاختبار مهم، وقررت أن تسلك طريقًا مختصرًا تتفادى …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية