كنت قد اشتقت إلى محسنة .. مايسة زكى

بهية

بهية

حقًا من تلك التى تقول لها أم كلثوم إنها سعدت جدًا بسماع صوته!

هكذا كتب الحوار محفوظ عبد الرحمن فى مسلسله الاستثنائى «أم كلثوم»، فترد بلماحية الواثق: «دى شهادة كبيرة من أجمل صوت فى مصر».

من تلك التى تختارها إنعام محمد على لتؤدى مشهدًا واحدًا، فى مسلسل بهذا الحجم، باعتبارها أم المصريين صفية زغلول، حيث تستقبل أم كلثوم فى بيت الأمة، فتدخل المشهد متأخرةً معتذرةً لأنها كانت فى زيارة «سعد»! تعلق الجملة تعليقًا طفيفًا يتأرجح بين الواقع والخيال، تأخذها ـ ربما ـ كلمة زيارة التى تجوز فى العامية المصرية على الميت والحى، فتلتقط بذلك جوهر المشهد الذى يقدم صفية باعتبارها تعيش ـ ما تزال ـ مع سعد زغلول ومقولاته وتنتظر تحقق أحلامه، هذا الانتظار الذى يبقيها حيةً دافقةً بمخزون تفضى منه على غير توقع، وعلى نحو يأخذ بأم كلثوم كما أدتها صابرين، وكأن أم المصريين ـ هذا الرمز النائى المبجل ـ لم تتبادل الحوار مع أحد من المصريين (!) بهذه الثقة والحيوية منذ عهد بعيد، فأدخلت أم كلثوم مؤتنسةً بها ومستبشرة، إلى عالمها الخاص، وخصتها بحديث ذى عمق وشجون، تستوحى ـ ما تزال ـ دخولها المتأخر، وكأنها هى التى جاءت محملةً بالرغبة فى الإفضاء، ويرتعش صوتها بمحبة دافئة، توحى ـ على وحدتها الحيية ـ بامرأة قوية حانية قادرة على أن تمنح أم كلثوم فى معركتها ضد سيدات العائلة المالكة، ساعة حصولها على لقب «صاحبة العصمة»، دَفعةً تشمخ بها للأمام .

هذا بعض من الحساسية الأدائية التى تمتلكها محسنة توفيق التى تستطيع أن تشع فى لحظة ما يخبئه جب مشاعر وإدراك، مدعمةً ـ فى ذاك المشهد ربما ـ بسر الطاقة النضالية عند البسطاء، والرهان على الوعى المستوطن فى قلوب الناس، والذى انطلق بعفوية ليلة تنحى جمال عبد الناصر مع «عصفور» شاهين. تخرج «لأة» بهية الكبيرة عملاقةً على شاشة سينما سفنكس الصيفية، فى ليلة من ليالى عام 1974، وتملأ محسنة/ بهية عينى وجودًا مضطرمًا يموج بالإصرار فى عَدْوها العفى، كأنها فى حماستها الثائرة تكاد تخترق الشاشة نحوى.. وينطلق العصفور!

وربما من وحى المدى، الذى تستطيع أن تأخذنا إليه فى المشهد الواحد، كان فيلمها الأخير «ذيل السمكة» حيث تحول فى مشهدها ذيل الفيلم إلى الجزء الأكثر قيمة وإشباعًا للشهية الفنية، وتصنع هذه المفارقة الممتعة حيث تحلق بكشاف النور ـ عمرو واكد ـ إلى الآفاق الأدائية الأصدق والأرهف فى الفيلم، بينما تمهد بمهارة إلى البيت الذى يلتقى فيه حبيبته السابقة التى يقتفى أثرها ـ ذيلها ـ منذ أن هجرت جواره فى الحى الشعبى الذى يقطنه.

 

ديل السمكة
ديل السمكة

 

فى فيلم «ذيل السمكة» يقدم وحيد حامد بطلاً جديدًا يعمل كشاف نور، يكشف ما وراء الأبواب المغلقة بحثًا عن عدّاده، لكنه فى حقيقة الأمر يبحث عن أمرين، يبحث عن فرصة تكشف قدرته الشعرية المخبوءة، وعن حبيبته التى هجرته بين يوم وليلة بعائلة جلَّها من البنات الفقيرات، وهى المسئولة عنهن.

بهذا الوجه الوضَّاء، الذى ظهر على الشاشة، تستقبل كشاف النور بدفء مصرى وثقة حدسية بواحد من ذيل المجتمع المصرى.. تأتمنه فى وحدتها، وهى السيدة الموسرة رهينة المقعد الحديدى، أن يصنع لهما كوبين من الشاى، تلك العلامة المصرية على المحبة والتباسط وعربون صداقة ومودة. متدثرةً بالشال الأنيق ونصاعة مظهرها، ومظهر البيت، وصور الأبناء والبنات تحيط وحدتها بإطار من العزة الكريمة، وتطلى معاناتها بطلاء من التسامح مع تجاهل الأبناء الخمسة المحدودين بعمرهم وتجربتهم، والذين يعتقدون أن السماوات المفتوحة المطلة من الشاشة الصغيرة كفيلة بدحر الوحدة والبرودة.

فى تكرارها لكلمة «شايف» وهى تقلب القنوات مقاومة أم  مصرية لإدانتهم، وكشف فى ذات الوقت عن شوق دفين لرفقة ابن محب، وفى دعوته للشاى اصطفاءٌ له.

فى خروجهما معًا، متطوعًا، لتبتاع ما تشاء برفقته، فرحة غامرة. فى متتالية من اللقطات الصامتة يتألق صفاء مصرى قديم نفتقده، ينتشى وجهاهما من محبة خالصة. يظن الغافل أنه هو الذى أبهجها بينما هى التى أرشدته بطاقة وجودها، وموقعها فى السيناريو فى ذيل الفيلم إلى المياه الدفيئة، إلى الفرصة والحبيبة، إلى التصالح مع بلد متيبس قاسٍ.

***

وأراها فى فيلم أحمد ماهر القصير «علامات أبريل» الذى هو من أبلغ علامات هذا المجال السينمائى تستخدم إيقاعًا فكاهيًا، وطاقة مزاجية فريدة، لتغطية حقيقة الغيرة والصراع على الاستحواذ على انتباه طالب تعطيه أختها الصغرى درسًا فى واحد من أجمل أدوار سلوى خطاب.

فى ذاك الفيلم مثال نادر لإشباع شوق ممثلة كبيرة لطريق جديد يحققه مخرج شاب يخلق بها، ومعها، مجالاً إيقاعيًا ينعكس فى المونتاج وأحجام اللقطات على نحو غاية فى الدقة والحساسية .

هذه الإطلالات الخاطفة لمحسنة توفيق كانت ـ إن لم تخنى الذاكرة الخائنة بطبعها ـ فى غضون السنوات الخمس الماضية. هكذا تمارس هذه السيدة دربًا من الإغواء الفنى، توحى: ينال الخبيئة مع السنين تلونًا وتبدلاً يزيد القيمة والجاذبية.

***

ولم تكن هذه الإطلالات هى الوسيلة الوحيدة لإثارة شوقنا إليها وافتقادها. ففى عام 2002 أعاد المخرج المسرحى مراد منير تقديم مسرحية «منين أجيب ناس» لنجيب سرور، محتفظًا بعلى الحجار فى دور «حسن» وبذات التشكيلات الحركية والبنية الموسيقية للعمل تمامًا، مع تغيير بدا طفيفًا هو «نعيمة». ورغم أن وفاء صادق هى من أرق وأبهى ممثلاتنا الشابات، إلا أن انصهار محسنة فى النسيج الموسيقى للعمل، فى منتصف الثمانينيات، كان فذًا. ليس ذلك من وحى الافتتان اللحظى وإنما تأكد لى عندما شاهدت المسرحية مسجلة. ففى إعادة العرض حديثًا بدت التشكيلات البصرية من أجساد الممثلين، والتى كانت مبهرة من قبل، كأنها خاوية تكاد تنهار. كانت مستندة فى التصور الإخراجى الثابت إلى لحن أساسى، غير لحن حسن، هو لحن نعيمة، والذى برز فى غيابها كشق عميق فى جدار البناء الموسيقى والتشكيلى للعمل.

جسدت محسنة فى هذه المسرحية ما يصفه مايكل دنيس فى كتابه «تدريب الممثل المسرحى»: «إن تدريبنا لصوت الممثل يعتمد على الغناء حتى يتميز صوته بالقوة والوضوح والإيقاعية الموسيقية. نحن لا نتحدث هنا عن الجمال أو الموسيقية لذاتهما، إنما هدفنا أن نوقظ فى الممثل حساسية موسيقية وشعرية قادرة على الانتقال إلى المسرح عبر خاصية الإيقاعية فى الصوت والتنويعات النغمية المشروطة بالنص، كل هذا يجب أن يبدأ من أعماق الممثل ليجد مداه التعبيرى الأكمل من خلال الصوت»، وفى موقع آخر من الكتاب: «.. حتى لتكاد تكون الخاصية الموسيقية للصوت غريزية…».

هل تصادف وسمعتَها أمًا لمريم العذراء، كما كتبها عبد السلام أمين للبرنامج الثانى، باستيحاء للآيات القرآنية فى خطاب الله للبتول، وبأداء صوتى يستلهم لحظتها الفريدة تحت تلك النخلة .

***

وفى هذا العام 2005، قدم مسرح الهناجر مسرحية «الأم شجاعة» لبريخت، وإخراج المخرج الشاب عمرو قابيل، فتذكرت كيف هامت محسنة بتلك الشخصية راغبةً فى الخوض فى عالم بريخت  المسرحى، وتواتر إلى ذهنى لقطات من فيلم «بيت القاصرات»، إنتاج عام 1984، الذى تمردت به على محسنة/ بهية.

 

بيت القاصرات
بيت القاصرات

 

فى رئاستها للإصلاحية كنموذج سلطوى قاسٍ استطاعت أن تُخلى وجهها الذى يفيض عادةً بشحنة انفعالية جارفة، وكذلك صوتها، لتصدِّر وجهًا وصوتًا باردًا متعاليًا على آلام البنات، متشبثًا بلا شئ غير مقعد الرئاسة! أتخيلها وهى متشبثة بعربتها المتجولة تتاجر متنقلة أثناء ما عُرِف بـ «حرب الثلاثين عامًا» فى أوروبا المسيحية فى القرن السابع عشر. تخرج من الحرب بالعربة دون الأبناء الثلاثة. تستطيع أن ترى بعين الخيال صراع غرائز الأمومة، وحب البقاء والنجاة، واكتناز المال، والشره الذى تنتجه الحروب المدمرة فى هذه الشخصية الدرامية الأسطورية «الأم شجاعة». تستطيع هى ـ فى خيالى ـ أن تحوِّل القسوة والتوحش اللذين يتركان آثارهما على الوجه حتى يحجرانه ـ ربما ـ إلى كناية شعرية عن ضغوط الحرب وضروراتها التى تنحر إنسانيتنا طبقةً طبقة.

الذكر بالحضور والذكر بالخيال، والشوق بالحضور الخاطف والشوق بالغياب، وأراها تحرص على حضور فيلم فى مهرجان أو مسرحية أثارت جدلاً، أتوقف، يمنعنى عنها مسافة اشتياق.

 

المرسى والبحار
المرسى والبحار

 

فى مسلسل «المرسى والبحار» أطلت إطلالة طويلة خاطفة! تغيب وتظهر أيضًا. فى ظهورها تُجلى المشهد وتعلى من طاقته، فنترقبها مشوقين كما كانت تترقب ابنها «فارس» فى غياباته، ويستطيع المخرج أن يعتمد عليها فى تصوير لهفة قلب الأم فى الغياب الصغير أو التأخير البسيط، كما يتضح فى رنة الصوت الذى يلف جلجلته بغلالة من حياء، وبرقة العين المتعاجبة الغافلة، وبسطة الجسد التيّاه بالولد. ويستطيع بلقطة واحدة صامتة من حسرتها الملتفة بالسواد، والتى تزند الجسد كله كأنه انكمش، أن يقفز بزمن العمل سنوات مطمئنًا إلى هذه القدرة التعبيرية التى تكثف أزمنة العذاب، وياليت العمل استفاد من هذا الإيجاز البليغ!

تؤطر محسنة هذه اللحظات فى عمر الشخصية، لكن قدرتها الشعرية فى الأداء كانت تترقب هى الأخرى لحظة عودة الابن بعد طول فراق، وبعد رحيل الزوج الرفيق «العربى» الكبير دون تحقق آماله فى ابنه أو حتى رؤيته.

تهدل اليدين اللتين لا تملكان شيئًا، والخطو الوئيد الذى لا يجرجره مثقلا العُمر وحده، وإنما ميراث الخيبة والأمل الذى يكاد يخبو وينطفئ فى أن تراه هى الأخرى. هل انطفأ نور العين أيضًا أم ذُهِل عن القريب وانجذب للبعيد واهتدى بنور البصيرة حتى كلت أو كادت، وثبتت النظرة. عندما دخل.. صمتة طويلة.. هل حقًا؟ هل ترى؟ هل تصدق؟ هل تلمس؟ هل تضم.. حقًا؟! وتضم حضن العمر كله، والعين ما تزال هناك، مسكونة بتاريخ طويل من الشوق والاكتواء بالفراق، يحاول أن يبردها دمع رقيق كاد يجف فى الغور السحيق، حتى أن المسلسل يخرج عن نسقه النثرى الجاف كما ينعكس فى حركة الكاميرا التى تبث فيها إيقاعًا فنيًا ملحوظًا ومغايرًا، والأغنية الوحيدة التى تتجاوب مع شعر الصورة الذى أنشاته محسنة، محرومةً من واحد من أهم أدواتها الفنية وهو صوتها الفريد، حيث الصمت والعجز عن الإفصاح ضرورة فنية فى هذا المشهد.

وعندما يعاود الغياب والرحيل تجسد فى مشهد قصير، كان من الممكن ألا يلتفت إليه أحد، بالصوت وحركة الجسد فى الريح، فى مواجهة البحر، رفرفة قلب الأم للحبيب الذى تكاد تشم رائحته فى الهواء عائدًا، وذلك من رقة شعور وشفافية روح السن المتقدمة والقلب الدليل. يكاد الشوق واليقين يطيرانها ويتجاذبانها، وكأن المشهد رؤيا من رؤى الصوفية. لكن حين يميل قلب الابن لبيع البيت العريق، هذا الابن الذى تخبر ضعفه ورغبته الدائمة فى الهروب والتنصل من تاريخه وأرضه، تقف وقفة بعيدة الأثر. تجلب تاريخ الشخصية العاطفى ـ ما لم نره ـ وتاريخ ملاصقتها للأب «العربى» المناضل، بل التاريخ الشعرى الوطنى ـ بصفته ـ فى كبرياء تغلبه دموع سخية.. هذه المرة. وترتج عليها الكلمات فى لحظة من شدة الانفعال والتدفق والرغبة فى الثبات. (يصعب تمامًا أن تدرك إن كان هذا وليدًا لتخطيطها للمشهد أم عفو الحُرقة اللحظية): يتجسد تعبير التاريخ «الحى» بصبا مشاعرها التى لا تشيخ أبدًا، حقًا إن مشاعرها لصبية.

***

مع محسنة يصبح للأسماء وإطار الحكاية الواهى معنى وقوة مجازية، بل إنها قد ترأب الصدع الفكرى بتناولها للمشهد، وهذا تضليل فنى وغواية أخرى نحذركم منها!

تستخلص ذؤابات درامية وتعنونها شعرًا أدائيًا مقطرًا. ولكي لا تصبح تلك اللحظات معلقة فى فراغ تحاول أن تبنى سياقًا نفسيًا زمنيًا لشخصية واقعية امتدت على الشاشة حوالى نصف القرن، حتى أني استغربتها أول المسلسل. تنتقل فيه من دلال الزوجة إلى فكاهة العجوز التى خبرت الحياة فى مشاهد متباعدة ناتئة. لكن ثمة أثر فريد ليس من الممكن تجاهله فى (المرسى والبحار). إنها تحدث فيه هذا التوتر الجمالى الناشئ من ممثلة تتجاوز بحضورها مألوف الأداء التليفزيونى، تقبض على جمر الموهبة طويلاً لتحلق بخيالها التمثيلى بعيدًا جدًا، بينما تهافت الفكر وخلطه فى منظومة المسلسل يسعى إلى جذبها إلى مجاله.

وما ربحتُ إلا أن «هاج بي الشوق!».

 

العصفور
العصفور

نُشر هذا المقال فى جريدة (الأهالى) بتاريخ 30/11/2005 فى أعقاب مسلسل (المرسى والبحار) الذى تصادف وكان آخر الأعمال المذاعة للفنانة الراحلة محسنة توفيق.

وهكذا أريد للمُغرم أن يبقى ظَمِئًا لمثل هذه الموهبة الفريدة، وإلى الأبد.

شاهد أيضاً

إبراهيم الماس

روائيو الجوائز .. إبراهيم الماس

   رواية «سيّدات القمر» لـ جوخة الحارثي هناك حملةٌ تلبس ثوب الحداثة وتبني نفسها متعكّزة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية