كتبت هذا قبل رحيلي .. أسامة الدناصوري

أسامة الدناصوري

اسمي الدناصوري

آلوه

ـ ـمساء الخير

من فضلك فلان موجود؟

ـ لا واللهى يا فندم مين حضرتك؟

ـ أسامة الدناصوري

ـ مين يافندم؟

ـ أسامة الديناصوري

ـ هابلغه حاضر

ـ شكرًا.

هذا ما يحدث عادة عندما يرد عليّ أحد يسمع اسمي لأول مرة. ودائمًا ما أضطر لإلصاق هذه الياء الدخيلة بنوني الوحيدة. لم أكن أدري إلى أي حد كان لقبي غريبًا على الأسماع، مما يستدعي أن أكرره مرة أخرى، وأحيانًا مرتين، مبطئًا من نطقي له، ومرخيًا الحبل قليلاً للألف الوسطى. خصوصًا إذا كنت أمليه على موظف ما يجلس خلف شباك.

بل إننى أحيانًا كنت أجدني مضطرًا لأخذ القلم من الموظف وكتابة اسمي في ورقة جانبية.

وربما كنت أكتفي بالإشارة إليه بعد أن ينتهي من كتابته:

ـ أرجوك حط ألف هنا (الدناااصورى).

أو:

ـ من فضلك (صوري) بالصاد مش بالسين.

وغالبًا ما كان يحدث أن يسمع أحدهم اسمي على أنه: أسامة الدمنهورى مثلاً.

كل هذا ما كان ليحدث قبل أن أذهب إلى الجامعة وأترك قريتي (محلة مالك) التي كانت عائلتي (الدناصرة) تشغل نصف بيوتها. ولم يكن هناك الكثير من الأسماء التي تفوق اسم الدناصوري ألفةً لدى أسماع أبناء محلة مالك، بل وأبناء مركز دسوق قاطبة.

عندما التحقت بكلية (العلوم) والتي اخترتها بشكل عبثي، وكتبتها في دفتر الرغبات بدلاً من كلية (دار العلوم)، والتي تراجعت عن كتابتها في آخر لحظة، مصغيًا إلى صوت غامض هتف بي: انجُ بحبك للشعر والأدب من مصير كهذا. وأظننى قد فعلت شيئًا حسنًا.

وأثناء وقوفي في الردهة منتظرًا سماع اسمي لتسلم بطاقتي الجامعية، والاستمارة التي يتوجب على كل منا ملؤها لتحديد القسم الذي يرغب في الانضمام إليه من الأقسام الثلاثة:

(جيولوجيا، بيولوجي، علوم طبيعية)، صاح الموظف:

ـ أسامة الديناصوري.

فالتوت أعناق كثيرة لترى صاحب الاسم وهو يتسلم بطاقته من الموظف، الذي كان هناك يلوح ظل ابتسامة على وجهه.

لا أنكر أني أحسست بطيف من السحر مسّني، وأنا أرى هذه الصلة العجيبة التي نشأت في غمضة عين بيني وبين كائن عملاق وأسطوري كالديناصور. ولذلك لم أتردد وأنا أختار قسم الجيولوجيا لمعرفتي أنه يضم داخله علم الحفرياتPaleantology  والذي تحتل فيه الديناصورات مكانًا بارزًا يتناسب مع أحجامها الهائلة.

أصبح الناس ينطقون اسمي: (الديناصوري) فلا أستوقفهم لتصحيحه، باختصار استمرأت الأمر وعشت عليه ردحًا من الزمان.

وكانت سعادتي تكتمل عندما يسألني أحدهم عن سر تسميتي بهذا الاسم الغريب، فأجيب مستفيضًا:

إن السبب يكمن في أن أحد أجدادي الأوائل اضطر إلى منازلة ديناصور هائج، كان يغير على القرية كل ليلة ويخطف أحد أبنائها، ليفاجأ الجميع بعظامه فقط في الصباح.

كان الناس وقتها يعيشون في رعب دائم، كما كانوا لا يستطيعون النوم وهم يسمعون الخوار اللاهث للزاحف العملاق.

مما اضطر جدي للخروج إليه ذات ليلة ممتشقًا رمحه الطويل ذا الرأس الحجري المدبب.

وهكذا استحق جدي، الذي عاد محمولاً على الأعناق وإن كان يقال إنه ظل محمولاً على الأعناق بقية حياته، استحق عن جدارة لقب قاتل الديناصورات، واختصارًا: الديناصوري.

وعندما كان يستظرف أحدهم قائلاً: ولكن العلم يخبرنا أن الديناصورات انقرضت من ستين مليون سنة، كنت أجيبه:

ـ أعرف ذلك، ولكن ما لا تعرفه أنت أن أسرتي العريقة تمتد جذورها إلى حقب الحياة الوسطىMisosoic  وبالتحديد: إلى العصر الطباشيري Jurasic Age أيام كانت الديناصورات تبرطع هنا وهناك كالمعيز والكلاب الضالة.

كانت خرافتي هذه تعجب الجميع، رغم شيوع الشواهد العلمية التي تكاد تجزم أن عمر الإنسان في أكثر التقديرات تفاؤلاً لا يكاد يتخطى بأى حال حاجز المليون سنة.

كما كانت تسكرني برضى دفعت ثمنًا له عامًا كاملاً من عمري، إذ أنني اكتشفت بعد عدة أيام من بدء الدراسة مدى صعوبة الاستمرار في هذا القسم، ومدى انفصالي عنه، فأوليت له ظهري وانصرفت تمامًا إلى بذل كل ما أملكه من وقت وجهد في نشاطات تتعلق بالشعر والحفلات وخلافه. وبالطبع رسبت في كل المواد، وكان تقديرى العام: (ض ج) أي لمن لا يعرف: ضعيف جدًا.

بمرور الوقت اكتشفت أن (الديناصوري) ليس أسهل وقعًا على آذان السامعين من (الدناصوري) فقط ولكنه أكثر جاذبية أيضًا.

كان للأول على الأقل معنى، عندما تتفكك في الذهن علاقة النسب ويتضح جليًا المنسوب إليه بحجمه الهائل.

أنا ـ أقول هذا لمن لم يعرفني بعد ـ شاعر، تُنشر قصائدي بين الحين والحين في بعض الصحف المتخصصة. أحرص دائمًا على كتابة اسمي في ذيل القصيدة كما هو (أسامة الدناصوري) ولكنني دائما ما أجد (الديناصوري) منشورًا بدلاً منه.

لكن أكثر ما كان يحبطني هو تلك النظرة الواسعة التي تنطوى على المفاجأة مع بعض من فشل التوقع مصحوبين بابتسامة ماكرة تنبىء عن كم لا بأس به من المرح في عين محدثي، الذي قرأ اسمي من قبل، وهو يراني للمرة الأولى قائلا:

ـ لقد كنت أتصورك ـ في الحقيقة ـ أضخم من هذا بكثير.

ذات يوم من تلك الأيام، التي خلقها الله لتنجلي فيها الحقائق، كنت صاعدًا لملاقاة صديقي حسن في أخبار الأدب. وعند مكتب الأمن سألوني عن اسمي ليبلغوا حسنًا بقدومي:

ـ أسامة الدناصوري.

ـ الدناصوري؟ يا أهلاً وسهلاً.. يا سيد، تعالى فيه هنا واحد قريبك.

وجاء سيد، كان رجلاً طويلاً عريضًا أسمر اللون في العقد الخامس من عمره.

نظر في بطاقتي وقرأ الاسم كاملاً: (أسامة بهي الدين عبد العزيز الدناصوري).

ـ الأستاذ منين؟

ـ من دسوق، محلة مالك.

ـ آآه أهلاً وسهلاً، محسوبك (سيد عبد الرحمن الدناصوري) من دناصور.

ـ منين؟

ـ دناصور، منوفية، بلدك، المفروض تشرفنا وتتعرف على أهلك وأرض أجدادك.

* أسامة الدناصوري (1960 ـ 2007).

شاهد أيضاً

شيماء الصباغ

جواب في الشنطة .. شيماء الصباغ

مش عارفة.. هيَّ صحيح مش أكتر من شنطة بس لما ضاعت كان فيه مشكلة إزاي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية