كتاب الحب والحرمان .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

كتاب «الحب والحرمان» كان سببًا مباشرًا ليتحول صديقي إلى دف يضرب. حكى لي أن أمه حين كانت تصيح في وجهه.. وسير تحفظ المسخوط.. كان يتناول كتاب الحب والحرمان.

أمه كانت لا تجيد القراءة. كان يهمها أن يحمل ابنها كتابًا ويقرأ لا غير. يدخل السرير ويبدأ بقراءة قصص الحب، ومشاهد الغرام، والنحول الذي يصيب العشاق، وما تحبه النساء في الرجال، وما يحبه الرجال في النساء، ويترك مراجعة أخوات كان وإن وكاد، والنعت والمنعوت، وجداول الضرب، والخاصيات الرياضية.

تعد الأم الشاي، أو تقلب المسمن، أو تقوم بتنقية الشعير من قطع القش والعيدان الصغيرة، في نفس الوقت الذي تراقب وحيدها بعين صقر. هذا الابن الوحيد كان يعرف موعد أوبة أبيه. قبل أن يعود الأب يكون قد بدل كتاب الحب والحرمان بكتاب المطالعة أو النشاط العلمي أو الرياضيات، أو ليفر كما كنا ننطقها.

كتاب الحب والحرمان كان كتابًا غامضًا، صعب الفهم، لكن الصور، والمنمنمات التي عليه كانت تثير زميلي، وكانت كلمات دارجة ـ أو ظنناها دارجة ـ تزيد من إثارته. لم يكن يتوقع أن يجد تلك الكلمات التي اعتبرناها عيبًا، وضُربنا من أجل قولها مرارًا، مكتوبة في كتاب ما. كانت كلمة زب، وطبون من بين الكلمات التي لم نكن نتخيل أنه يمكن أن تكون كلمات عربية قحة. لهذا لم يكن يتخلى عن الكتاب. كان يحمله في المحفظة كأنه خطاب ملكي شريف. يُظهر لنا منه بعض الصفحات ويغلقه سريعًا، وهذا ما كان يفعله هو نفسه حين كان يحصل على مجلات البورنو المصورة؛ لقد تحسن حاله من فضاضة الصورة إلى دهشة الكلمة. وهو ملقى على السرير يمثل دور من يراجع دروسه إذا بأبيه يدخل. لم يكن الموعد موعد عودة الأب، لكن الأب عاد؛ من يجرؤ أن يقول للآباء مواعيد عودتكم ليست دقيقة؟ ارتبك، وأراد أن يغير الكتاب بكتب المقرر الدراسي، لكن الوقت فات ولم يعد هناك أي وقت لفعل شيء.

الأم البسيطة والجميلة لم تفهم ما الذي وقع ليجعل زوجها يثور ويبدأ بضرب الابن. أزال الأب رباط سرواله وبدأ ينهال على الابن ضربًا.. هاذي هي المراجعة.. الكلب، الحب والحرمان، حنا خاصنا الحب والحرمان، بقا لينا غ الحب والحرمان .

صديقي بعد هذا العمر، وبعدما مات والده ما زال يكرر عبارة والده كأنه بات يؤمن بها أكثر من والده.

شاهد أيضاً

سهام محمد

وأرجع أقول ما لقيتلوش ديل .. سهام محمد

  ـ «جميلٌ، يغرِّدُ منطلقًا من غصنٍ لغصنِ، وصبيٌّ بنَبْلةٍ يُوقعَه!» يقولُ متعجبًا ـ «عَيْبٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية