كائن على قيد الحياة في السجلّ المدني .. محمد الأمين سعيدي

محمد الأمين سعيدي

 

طرقتُ..

مشيتُ على وجلٍ داخل المقبرةْ

وعلى خجلٍ من أحبائيَ النائمين بعيدًا عن الوقتِ

والمدن القذرةْ

سلام على طينكم تغتدي مأكلاً للترابِ

على صمتكم يربك الصخبَ العبثيَّ الذي أتعب الرأسَ بالأمنيات العقيماتِ،

بالفرح الطفلِ يفتل حبلَ الغيابِ

لعل المقابر تمسح دمعةَ أوجاعه الممطرةْ.

 

زرتُ مرقد خاليَ،

أثملتُه بالتلاوة من بعض سورة يوسف والشِّعرِ

زرتُ وجودي المعتق في حفرةٍ..

 

زرتُ جدّتيَ؛

انتفض الجرحُ

فانفلتتْ جثتي..

أشعر الآن أنيَ مفترشٌ كذبةَ العمرِ

 

تبدو المواقيتُ سكرانةً تتمايلُ..

تلهو بأقدارنا المجبرةْ

وترى الناس تشرب من خمرها جرعات التناقصِ..

تسكرُ كي تسبقَ الحَيْنَ

أو تتناسى الصفاء الذي صار يصدأُ

تؤذي ولا تتوضّأ بالمغفرةْ..

 

لا أزال أرى جثتي فوق قبرٍ قديمٍ

أنادي رياح الأحبةِ؛

أين دفنتم حناني عليكم

وكيف سقيتمْ دمي زمزم الحرقِ..

 

كيف تركتم فراشات نبضيَ توغل في النار ذاهلةً..

وانصرفتُمْ خطاكمْ جليدٌ

وخطْوات قلبيَ مستعِرةْ.

 

لا أكاد أحس سوى بخناجر من غصّةٍ

تسلخ الآن جلدي

وفروة رأسي

وبسمتيَ المضجرةْ

 

غير أني بدأتُ أصيخ إلى همساتِ النيامِ

يعيدون نسج خرائط أعمارهمْ

يصرخ الصمتُ..

تأتي الحكايا التي قربتهمْ وحيدينَ من عدمٍ جائعٍ

إنهم يحسبون بأنيَ ميْتٌ

وقد غضبوا كيف أُلقى كما الكلب من غير لحْدٍ..

وكيف وصلتُ إلى كوكب الموت من دون دفنٍ رحيمٍ

فأجهشتُ دمعًا أتى أرضَهم وابلاً من خيول التوجّعِ

 

أبصرتُ أمّيَ حين تقبّلُ نزفي فأبرأ

كيف تشاهدني أفقد الصبحَ

فلنتعانقْ حبيبي،

ونبكي معًا..

طفلُها يمضغ الشوكَ

أو يفقد الوعيَ يصبح «لا شيء»

أو يصبح «الشيءَ»

يسهو…

فيرحل في حيرة مبحِرةْ..

 

قد أفقتُ على هامتي كدماتٌ

وبعض الخدوشْ

للصراحة أبصرتُ حشدا من الميِّتين يسيرون نحوي

أقمْتُ على رعشةٍ من ذهانٍ عصيٍّ يحاولُ ذبحيَ في الحلم..

لكنها أيقظتني النعوشْ…

 

المدى هاجِماتٌ من الرؤيةِ الجارحةْ

والحضور طيور أبابيلَ

لا شيءَ يسندُ هذا الغد الخزفيَّ

لأنّ يدَ الله لا تجبر القلبَ

لا تطعم الجائعين إلى لقمةٍ من بددْ

ولا تطرد الوحش عن مهجة الأمس واليوم والبارحةْ

 

أين غابتْ سحاباتُ ذاك المددْ

والبكاء الجيوشْ

 

هنالك عطلٌ بعقل السماواتِ

حين يحبك هذا الإله الجميلُ يحطّم قلبكَ

يُبكيكَ..

يُلقيك في البئر حيث الهواجسُ والانتحارُ

ويهوي عليكَ بسيفِ لهيب من الابتلاءِ

يحبك جدا فيرمي «بربّك» صوب الشقاءِ

 

تذكرتُ أوديب إذ خانه الضوءُ من غير ذنبٍ

لأنّ الخطأْ

كان حبّره كاتب الآلهةْ..

 

وكذلك من خرفٍ في كتابِ القضاءِ

يذيقُ الفقير من الجوعِ

يمنحُ للأمراء ثريد المساكينِ

يعطي إلى السيئين المباهج والفاكهةْ

 

كل هذا لأنّ الأبدْ

لم يفكّرْ بأكبادنا الكاويةْ

 

لم يهدّئ مواجعنا حين غُصنا إلى ظلمة الهاويةْ

 

قال لي جسدي بعد صاعقة من وهنْ

ذاااااكَ…

ما ذاق طعمَ الألمْ…

 

ولذا؛

حينما عذّبتْكَ زبانية الاكتئابِ

دخلنا إلى نفقٍ أنتَ في حضنهِ،

وكلانا الكفنْ

 

أتذكر؟

كنتَ شقيًّا كربع المقام تغِير عليه بما يشبه الجازَ،

في البيتِ كنتَ تفتّح كل الخزائن في خافيَ الليل،

تنتظر الصبحَ

كي تبصر الخوف في أوجه الأهل،

تضحك:فتَّحتها كي تقصُّون لي عن حكايا العفاريتِ..

تأخذ ضربًا مُحِبًا وحبّة حلوى

وتذهب صوب الدراسةْ

 

وها قد صعدتَ إلى كِبَرٍ قاهرٍ

نسيتَ الطفولةَ في ما مضى

 

خانك الحظ،

مزقك العجز عن فرحٍ

وسكنت الهمومَ وحيدًا

تحاربها بالصواعق تبرق عبر الخلايا

 

بكيتَ على شبح من سوادٍ يعنّف روحكَ

أبصرتَ كيف غدونا على سُرُر الذّل في واقع ضاجعته السياسةْ…

 

يا صديقي الأمين سأرثيك قبلَ هجوم الفناءِ علينا:

كرهتُكُ يا أيها العدميُّ

* الجزائر.

شاهد أيضاً

رضى كنزاوي

هبوط اضطراري .. رضى كنزاوي

  معنوياتي منهارة كالاتحاد السوفيتي قلبي بارد كأكياس الرمال عند الخنادق الحربية حزني طويل كعارضات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية