قصيدة الإسكندرية.. أسامة عفيفي

أسامة عفيفي

إسكندريةُ تعرفني

وتعرف ما وراء قلبي

تعرف جيدًا ما تحت جلدي

وخطوط كفي

التي

تتشابك دومًا

في مفترقِ الطرق.ِ.

تعرف أن خطوطي

ترسم لنفسها

خطوطًا

موصولةً بالقلبِ

وتعرف اسم حبيبتي السري

وسر ابتسامتها

ولون شعرها الذهبي

تعرف متي تلاقت

أكفنا لأول مرةٍ

وأين..

وتعرف ما قالته لبعضها أناملنُا

بانصهارها المجنونِ

في رطوبةِ يوليو..

كما تعرف رائحة العرق الذي انساب

من بين نهديها الصبيين

إذ احتواهما صدري المسكون

بآلهة البحر والعواصف

في مقعد الترام العلوي..

تحفظ ما زالت

في ألبوم ذكرياتها الأسطوري

صورةَ كفي إذ تلامس ساقَها خلسةً

في ظلامِ سينما مترو

وتذكر ما تزال رائحةَ شعرها المنسدل على كتفي مشبعًا

باليودِ ونحن على سور كورنيش الشاطبي العتيق

وما زالت تحفظ عن ظهر قلبٍ

قصيدتي التي أنشدتها لعينيها الفيروزيتين

أسفل تمثال فتحي محمود

يظللنا جسدُ حورية البحرِ المنصهرة في صدر الثور الجامح

الذي خلَق من بين شهوتيهما الرعناء

أبناءهما المجانين الرائعين الذين شيدوا عامود السواري والفنار والجامعة والمكتبة..

وشقوا بسواعدهم الفتية الميناء،

وشكلوا ملامح الجزر والمد والرمال ولون البحر الإسكندراني المتيم بحبِ جنيات البحر اللائي يخرجن ليلاً ليسحرن أبناءهما المجانين فيزدادون جنونًا،

فيقفزن من بين أيدهم القوية بين الأمواج

فيقفزون وراءهن ليبتلعهم جميعًا هذا البحر الأرعن الذي لا يكف عن ابتلاعِ العشاق ونحر صخورِ الشواطئ التي لا تعرف غير الشمس والفتنة الطازجة الدائمة الرغبة في الانتشاء

الذي لا ينتهي أبدً…

 

تعرف جيدًا مواقيت اشتعالي

وتعرف أنني كنتُ وما زلتُ

لا أبالي

وتغوص دائمًا في أوصالي

لتمسح بأهدابها ملامح الزمردة السحرية المخبأة بركنِ القلبِ منذ ما قبل الخلق بدهور..

تومئ لي دائمًا أن أتبعها للبحرِ

كي أرقب كل ليلٍ

خروج الجنيات اللائي يضاجعن ضوء القمر فيسحرن فتيان المدينة الحالمين بالمستحيل

فيذوبون جميعًا في ضوء الفنار العتيق

ولا يبقي منهم في الفجر سوى آثارِ اقدامٍ تمحوها الأمواج والرياح..

تعرف أنني مولع بالركض خلف النجوم والسحابات

وجنيات الماء المستحيلات

فتقمع اشتعالي

وتقف بيني وبين جنوني المجنون

وتشير دائمًا إلى زمردة القلبِ

فأعود أفتش فيَّ عن بوصلةٍ أخري

للمجهول…

 

تعرفُ جيدًا ولعي المغامر

وتعرف

كيف يشتعل الفؤادُ

توقًا للمستحيل.

* شاعر وكاتب مصري رحل عام 2017 عن 63 عامًا.

شاهد أيضاً

يوسف إدريس

سورة البقرة.. يوسف إدريس

ما كادت الفاتحة تُقرأ ويسترد يده من يد الرجل، ومبروك! ويتأمل مليًـا البقرة التي حصل …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية