قصة عالمين .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

ابتدأ عالمك الأول من البيت الملحق بالمسجد. هناك كان يظهر هذا العالم بهيًا، وتبدو الأشياء فيه مرتبة بعناية، وخاضعة لصرامة لطيفة. لم تكن قادرًا على تخيل عالم آخر يمكنه أن يكون مختلفًا عما وجدته أولاً. كان البيت بطابقين، مطلي بصباغة حمراء، وخلفه توجد حديقة صغيرة، لاصق جداره جدار المسجد الوحيد في الفيلاج.

والدك كان إمام المسجد، بدت عليه حكمة سنين عاشها، وأخرى قرأ عنها، أو توصل إليها من خلال تأملاته. البيت كان مسجدًا آخر، كل شيء كان فيه نبع من قداسة مصنوعة؛ الأثاث كان بسيطًا لكن لا فوضى فيه، المكتبة التي كانت تحوي كتبًا دينية ظهرت كعلامات مضيئة في عالمك هذا، ووجه أمك كان من الوجوه التي كتبت عليها آيات الله.

هنا بدا أن العالم خاضع لسلسة مترابطة لا انفصام فيها، فكما يوجد الفعل يوجد الجزاء، وكما يكون السبب تكون النتيجة.

تذكر أن والدك حين كان يجمع بينك وبين أختيك في غرفة المكتبة كان يضع حاجزًا لا مرئيًا بينك وبينهما. كبرت وأنت تعرف أن الحواجز في عالمك هذا تقام بين الأفضل والأكثر فضلاً. الدروس التي كنت تتلقاها على يد والدك كانت تذهب بك بعيدًا إلى أعماق الفضائل، إلى قصص أولئك الأبطال الذين اصطفاهم الله، وإلى الرحمة التي توجد في قلب الحجر والبشر معًا .

كنت ترى عالمك هذا على هذا الشكل :

حديقة غناء مليئة بطيور مسالمة، وبشر حكماء، ما يقع فيها مترابط، فالوردة حمراء لأنها من ألوان الله، والماء شاف لأنه من يديه، والناس طيبون إلى حدود بعيدة…

كان من المفروض أن تنتمي إلى هذا العالم الدافئ، أن تصير مثل والدك، أو مثل أعمامك الذين صاروا وعاظًا، ومربين، وأساتذة، وأطباء. خلقت لتكون ابن هذا العالم لكن في سنتك الثانية عشرة حدث تفصيل بسيط كان من المفروض أن يمر دون أي ثأتير، لكنه قبع هناك في لاوعيك ووعيك معًا وأبدا .

كنت تلعب قرب الحديقة التي تحيط بالمسجد، فإذا بمجموعة من الشباب ظهروا وهم يركضون من سيارة الدرك الملكي. كانت هناك مباراة كرة قدم للهواة. لم يكن الملعب البسيط يبتعد عن المسجد إلا قليلا. ظهرت موجة من الشغب بسبب أمر لا شك أن أحدًا لم يعد يذكره، وحين اشتد الشغب تم استدعاء رجال الدرك. وقفت هناك في عالمك البهي كأرنب في حقل من الجزر،هانئ، غير خائف مما تراه أبدًا. بدأ رجال الدرك يقبضون على كل من وصلوا إليهم بما فيهم أنت، رغم أنك كنت صغيرًا بما يكفي لعدم رؤيتك؛ لكن من يهتم في مثل هذه اللحظات في التدقيق في الملامح؟ قضيت حوالي نصف ساعة فقط في المخفر وأخرجت لأنهم عرفوا أنك ابن إمام المسجد الوحيد .

في هذه النصف ساعة ظهر لك العالم الآخر .

بعدها لن تكون دروس والدك عن الخير الذي يوجد في الأشياء والكائنات مغرية. بدأت تشعر بتعب وأنت تنصت له. كنت تخاف العقاب الرباني الذي ستتلقاه حين لا تنصت لدروس الرحمة بكل قلبك، لكنك فعلاً كنت غير قادر على الإنصات. لم تفهم كيف سيتم الجمع بين عالم توضع فيه الزهرة في مكانها وبين عالم يمكنها أن توضع في أي مكان غير مكانها.. بدا أن غموضًا ما يلف ما تتلقاه من والدك، وأن الرائحة العطرة التي تنبعث من عالمك الأول ليست هي الرائحة الوحيدة التي يمكن للإنسان أن يتشممها في العالم.

الأمر تعلق بما رأيته في سنتك تلك، وفي مدة لا تتجاوز النصف ساعة فقط. تهدم عالمك الأول بالكامل خلال دقائق، وما كنت تقول إن الرحمة تجعله ينمو، ويكبر، اكتشفت أن القسوة هي من يمكنها أن تفعل ذلك. لم تقل لأحد كم عدد الصفعات التي كنت تتلقى.. كم الشتائم التي سمعت.. وعدد الوجوه المليئة بالفوضى التي كنت ترى.. كنت ملاكًا سقط في أرض يحكمها العفاريت .

لم تنس الأمر؛ لكنك لم تتحدث عنه أبدًا وتركته في منطقة مليئة بالضباب الكثيف داخلك. كانت النتيجة أنك بدأت تشعر أنك في الحدود بين عالمين:

عالم رسمه قلم فقيه وعالم رسمته عصى دركي.

عدت إلى جو البيت الذي هو بوابة عالمك الأول، وشعرت أن كل شيء فيه تعامل مع ما وقع لك كأنه حدث وقع على الماء يمكن نسيانه بسهولة، لكنك كنت تعرف أنه لم يقع على الماء، وإنما وقع على الأديم .

بعدها سيزور والدك أحد معارفه. تذكر أن والدك لم يحب هذه الزيارة، وبدا برما من الضيف، لكن أصول العالم الذي يعيش فيه والدك تعتمد على الفضائل، ومن بينها الكرم. لم يكن ليطرد قريبه رغم أنه ظهر في أسوأ حالات الكره التي ظهرت عليه يومًا. تساءلت إن كان والدك يكره هذا الكره كله؟ وما الذي يمكن أن يجعله يكره هكذا؟ ألم يكن الكره مطرودًا من عالم والدك…

بعد العشاء سمعتهما يتحدثان عن طفولتهما، وهالك أن تكتشف أن الضيف عمك. كان والدك يحدثك عن الحقيقة دائمًا، وأنها شمس عالمك هذا؛ لكن لم لم يكن صادقًا هو نفسه! قال عمك بعد أن اختلى بوالدك في المكتبة :

ـ أنا أكثر رأفة منكم جميعًا، أنتم إخوتي تظنون أنكم أفضل مني لمجرد أني اخترت طريقًا آخر، أنا رغم ما تسمونه انحرافي أسأل عنكم، أحبكم، بل أشفق عليكم، وأعيش معاناتي لوحدي .

أجاب والدك بنفس صوته الهادئ والرتيب :

ـ أنت من اخترت طريقك، وهي طريق لم تخلق لنا، لقد عشت نفس وضعنا وشروطنا لذا كان من المفروض أن تمشي الطريق الذي مشيناه لا طريقك هذا .

بدأ عمك يضحك ثم قال :

ـ ليست هناك نفس الشروط، الشروط مختلفة دائمًا، وإن عشت شرطي النفسي الذي لم تعيشوه، لو عشتموه كنتم لتكوني مثلي .

نمت وتركتهما يتمان الحديث، في الصباح كان عمك قد غادر، شعرت بحزن غريب من أجل هذا الغريب الذي هو عمك، فقد كان مختلفًا عن أعمامك الباقين، كان أكثر تبسمًا، ويبدو صبيًا، والحكمة التي كانت تظهر على وجهه كانت حكمة متمردة عكس التي كانت تظهر على والدك. لو لم يغب عمك كنت ستسأله عن الشرط النفسي الذي عاشه.

بعدها لم تعد تصدق دروس والدك، وكانت خطبه الرنانة مجرد حركات تحدث دون سبب واضح. فكرت أن من يخفي حقيقة ضيفه عن أبنائه لن يكون جديرًا بالحديث عن العالم البهي الرحيم، لكن حبك له ازداد فلم يعد ملاكًا يخشى كما كنت ترى، بل صار إنسانًا يحب وهذا أفضل .

بعد هاتين الحادثتين صرت أميل إلى الخلط بين العالمين، لكنك عمليًا لا تعرف العالم الثاني، أنت اكتفيت بسماع مآثر العالم الأول من والدك، أما الثاني فقد كانت تصلك منه وشوشات لا غير. سمعت عن سرقات، وقتل، واغتصاب، عن سكر طافح يرمي السكارى إلى عالم مرنح، عن مكائد لا تنتهي، وعن دوامات غير محدودة من غريزة السيطرة والتملك… ما كان يصلك غامضًا يبدو كأنه سديم بعيد لا شكل له، لذا فكرت أن تخطو خطوتك الأولى في هذا العالم .

كانت غريزتك الجنسية تتشكل في غياب وعيك التام، كنت تشعر أن وحشًا يربى داخلك، يقوم بتنميل أطرافك، وأجهزتك الجنسية، كنت تكتفي بالعادة السرية، وبعدها تشعر بندم شديد، تكفر عنه بالبكاء. سمعت عن النساء اللواتي يسكنّ الجانب الآخر من الفيلاج، واللواتي كن يعلمن دروسًا أخرى مختلفة عما يقدمه والدك. فكرت، وسنك أربعة عشرة سنة، أن تتعلم منهن، لكن دروسهن لم تكن مجانية كما دروس والدك، بل كانت مؤدى عنها، لذا سرقت والدك. يداك كانتا ترتعدان وأنت تخرج النقود من محفظة والدك، بل جسدك كله كان يرتعد، لكنك في نفس الوقت كنت تتذكر كلام أقرانك عن المتعة التي شعروا بها وهن في أحضان تلك النساء. دفعت كل ما سرقته إلى أول سيدة نمت معها، تتذكرها جيدًا، لأنها مسكتك بعنف وقذفتك إلى العالم الثاني.

هل عرف والدك بأمر السرقة؟

تؤمن الآن بأنه علم بها، وعرف ما فعلت، لكن انسجامًا مع عالمه صمت ولم يقل شيئًا. كان الفيلاج صغيرًا، وأي حديث في البيت عن سرقة، سيعرفه الجميع، ولم يكن مقبولاً أبدًا أن يقال إن ابن إمام المسجد سرق؛ هذا تحديدًا ما دفع والدك للصمت، كان ينظر إليك لا غير، وتوقف عن دروسه التي كان يقدمها لك كل مساء، بات صمته عقابًا، لكنك كنت تهرب من العقاب إلى حضن نساء أخريات .

بعدها ستسمع عن الحب وستعرف أن ما كنت تقوم به ليس حبًا.

عالمك الأول كان مليئًا بالحب لكنه ليس مثل هذا الذي شعرت به مع فتاة تسكن أطراف الفيلاج. أحببت والدك ووالدتك وأخواتك والله وإخوانك الذين يتعرضون للموت في بلدان أخرى… لكن كل هذا لم يكن يشبه ما تشعر به وأنت تنظر إلى شفتي تلك الفتاة أو تسمع كلامها. كنت تتعقبها كالظل، ترسل إليها رسائل كثيرة، وتلاقيها في البيادر الظليلة. معها شعرت أن حدود العالمين غير. واضحة، وأن العالمين ليسا منفصلان عن بعض بالضرورة، بل هما شبيهان بقطعتي عجين متداخلتين .

ستصير بالحب أكثر جرأة وستسرق سرقتك الأولى .

كنت في العشرين وصار ما تعيشه عبارة عن شجرة ظليلة ثمارها بمذاق الحب. أنت هي وهي أنت. لم تكن قادرًا على التحكم في حالتك النفسية، لذا حين سمعت أنها مصابة بالتواء شديد في الرحم وبعض الأمعاء وأنها تحتاج إلى إجراء عملية، ولا تملك مبلغها، قمت بسرقة جاركم الموظف في الجماعة.

هنا ستكون بالفعل قد تركت وراءك العالم البهي الذي حاول والدك جعلك تنتمي إليه. سيقبض عليك وستموت حبيبتك. ستعرف أن القسوة مثلها مثل الرحمة عشوائية بشكل كبير، ولا منطق لها كما كان والدك يحاول إقناعك.

في تلك السن لم تكن عندك أفكار إنما مشاعر لا غير.

المشاعر بعدها ستحدد لك ترسانة أفكارك التي ستؤمن بها .

وأنت في السجن تذكرت زيارة عمك لوالدك، وتذكرت السؤال الذي كنت تنوي طرحه عليه، وبدأت تتخيل في وحدتك هناك الباردة حديثًا بينك وبين عمك.

قلت لعمك وأنت تتخيله أمامك:

ـ ـما هو ذلك الشرط النفسي الذي جعل أخوتك ينسونك؟

أجاب عمك:

ـ إنه نفس شرطك أنت.

قلت له مستغربًا :

ـ لكنك قلت إننا نعيش شروطًا مختلفة .

أجاب:

ـ نعم.. إننا نعيش شروطًا مختلفة، لكنها رغم كثرتها محدودة، لذا يمكننا أن نعيشها نفسها، يمكن لشرط عاشه شخص في زمن ما أن تعيشه الآن، بل يمكن أن تعيش نفس حياته.

تأملت الباب الذي أغلق عليك وقلت بهمس:

ـ يبدو أني سأعيش عيشة عمي الذي لم أره إلا مرة واحدة، ولن أعيش حياة أعمامي ووالدي الذين كبرت معهم.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية