قصاصات نيئة.. محمد الخفاجي

محمد الخفاجي

(1)

هل يبقى القلب نيئًا؟

يتساءل الشاعر الذي يحمل في صدره

 امرأة

 وقصائد حارة

 

(2)

في هذه الأيام التي يركضُ عُمركَ خلفها

طريقتان للنجاة:

حُضنُ امرأة تُطعمك حليبَ صدرها

أو

أن تؤآخي بين رقبتك

 والحبل

 

(3)

بكلّ ما أوتيت من البكاء

أقف وحدي بين قبرين، محاولاً فض النزاع

بين ميتين متخاصمين

كلّ منهما يدّعي

أن المساحة الفاصلة لا تكفي

إلا لحبيبةٍ ينتظرها

 

(4)

أحملُ كيساً خلف  ظهري

كنتُ بذلك أتبع نصائح جدي،

جدي الذي تركَ حزنه معلقًا على ظهر أبي

ولم يمهله الموت ولا حتى ضحكة واحدة

 

(5)

وقد علمت

أن ساعي البريد لم يوصِّل رسائل العشّاق

كان يجمعها في الجيب الملاصق لقلبه

ويقرأها وحيدًا قرب النهر

ويبكي

 

(6)

أعجز أن أصفك يا رجل!

كيف لك أن تعيش كل هذا العمر

وأنت تقطع أفظع الطرق الموحشة

وساقاك النحيفتان مثل عمودان يرفعان خيمة

يأتيها الكثير من المعزين،

كيف لك يا رجل

أن تُدخل كل هؤلاء الغرباء الذين يجتمعون

خفية للضحك عليك

وقراءة سورة  الفاتحة بصوت عالٍ

 

(7)

سنوات طويلة مرت وأنا أتبعك يا قريني

كل شخص يبتسم دلّك لطريق

كنتَ تُصدّقه بُغية الحصول على ضحكة واحدة،

وكنتُ أتبعك بكامل إرادتي،

لم تخبرني يومًا

هل كانوا متهمين بالكذب؟

أم كانوا أبرياء مثلي

يبتسمون حزنًا

ويفتّشون عن رفيق يشاركهم

خطيئة المشي

 

(8)

يا حسرةً على ما بقي من أيام

حين تقودني لضحكة كاذبة

لستُ أدري ؟!

إلى متى أصدّق نداء ما وراء الأفق

وهذه الهزائم التي تركتها في الخلف

ما زالت تتبعني

وتلكز خاصرتي بأظافرها الطويلة

 

(9)

كل ما أفعله

مجرد حماقة تتبع حماقة..

في آخر المطاف

لا ورد يُنثر على ضريحي

لا حبيبة تأتي بالماء وتبلّل الرخام الحار فوق صدري

لا صديق يقرأ قرب رأسي الفاتحة

ويهديني ثوابها

في آخر المطاف

كل ما عليّ فعله..

أن أحمل معي كل قصائدي السخيفة

إلى مكان بعيد 

 

(10)

حلمتُ ذات مرة

أنّنا نجلس سويّة فوق سرير واحد،

حاولت أن أكون متهورًا داخل الحلم

وأحضنكِ بشغف

لكن المسافة بين جلوسكِ على طرف السرير وجلوسي

كانت أطول من عمري

عدوْتُ مسرعًا نحوكِ

إلّا أنّ الحلم كان أقصر مما بقي من أيامي

 

(11)

آهٍ أيتها الأيام

لا تحاسبيني مثل طفلٍ لا يملك شيئًا سوى أن يثطلق صراخه وسط سكون تام

لا تحاسبيني مثل شجرة دخلت في شِجار مع الريح

وفقدت جميع أغصانها

لا تحاسبيني مثل سقف تركه أهله خوفًا من الحرب

وتُسقطيني

آهٍ أيتها الأيام الجحود

ولا شيء آخر

 

(12)

كأنَّ يدًا من بعيد

تمسح الغبش عن عين الرؤيا

وتنظرني

كأنّ صوتًا رطبًا

أنهكه البرد

يمسح على أضلعي

بالغناء

كأنَّ خصلة شعرٍ دكناء

أشد حزنصا من أيامي، عبرت السهول هربًا

وداعبتْ حزن صدري

كأنّ أمرًا ما، فعلاً ما، يدًا ما

رجّتني وصفعتني

وكأنّني كنتُ أحلم

 

(13)

مُذ كنتُ جائعًا

وأنا ألوّن اسمكِ بألوان الفواكه 

حرفصا حرفًا

مُذ كنتُ عطشًا

وأنا أُطعم رسائلي المالحة للبحر

رسالةً رسالة

مُذ كنتُ كسيحًا

وأنا أزحف خلف وقتكِ الهارب

لحظةً لحظة

مُذ تجاوزتني الأيام مسافة طويلة

وأنا أمدّ يدي متسولاً

صرخة صرخة

مُذ

ويا حسرة على عينيّ اللتين أصابهما الرمد

كيف لا تزفران حمرتهما !

 

(14)

بلا جدوى

نحاول السير فرادى في وضح النهار

إلّا أن..

ظلاً أمَدهُ طويل

يتبعنا،

يبذر حزنَ قدميه فوق أثر خطواتنا البطيئة

وينمو

تاركًا رأسه يرقُبنا على بُعد مسافة كافية

وفي آخر النهار يدنو منا

يتلبُّسنا بكامل ردائه السميك..

ردائه الذي لايسمح بمرور

صرخة واحدة

 

(15)

ملامحكَ التي سُرقت،

شعركَ الرمادي،

صوتكَ المتحسّر على ما فاته من جمل بذيئة،

عيناكَ المتعبتان من مراقبة الضوء المنسل

من  عمق العزلة..

كل هذا

والخريف يعلن براءته من رداءة الهواء

وسوء الطبع

 

(16)

الراحة

ليست سوى..

فكرة حبيسة،

حاولنا مرارًا جرّها خارجًا

لكنها أبت إلّا أن تشبك أصابعها بيدٍ

استعملها الوجع بوفرة 

 

(17)

لا أحد يفهم

كيف يمكن لنفَسٍ طويل

تقترفه رئتاك في لحظة سهو

أن يُسكت أشياء قديمة

تحاول الصحو

كل الذي عليك أن تفهمه الآن

أن تحسب عمرك المتبقي 

وتلك الأشياء المخبَّئة داخل عويلك المحبوس في غرف الصمت 

بعدد عُلب السجائر الرديئة التي تشتريها من رجل عجوز

 

(18)

زراق العالم هنا

يذكّرني برجلٍ انزلقت روحه في بركةٍ كبيرة

انحسر عمرها باللون الأزرق

كلما حاول الخروج

قيّدته الحروف بسؤال مبهم..

دُفن جوابهُ في القاع

 

(19)

لم أُخفِ قصائدي الحزينة عن أعين السارقين

تركتها عُرضة لأياديهم الطويلة..

أحملها على رأسي..

كأنها لعنة أصابتني من وطن مهزوم

وأدور بها في السوق

أحملها

ولا أفعل شيئًا

فقط؛ أتركُ عيني تنظر إلى شرور أياديهم

كيف تصاب بلعنة التقيّؤ

 

(20)

في حفلة شواء

قد يتدحرج رأسك بعيدًا بفعل شظية جاءتك من انفجارٍ

قُرب واجهة محلٍ

كنت تُركن أمنياتك أمام زجاجها،

في هذه اللحظة

لا تخف

سوف يطوف رأسك حول الجثث الملقاة وسط الشارع

وما إن يصل قرب جثة يتصاعد الدخان من صدرها

حتى يأخذ نفسًا طويلاً

ويـُسبل عينيه

 

(21)

البارحة

مشيتُ ساعات طويلة

تركتُني مثل حكاية تنزّ عرقًا فوق شارع أملس

لأجلٍ مُسمى فعلتُ هذا

أغدو إلى نهاية ما يجب، 

باحثًا عن نسمة هواء بارد

تقودها الريح

ويقشعرّ لها جلدي

 

(22)

في وسط المدينة القديمة

المتهالكة جدرانها بالشعارات الوقحة

وعلى مقربة منّي

يرافق خطواتي إرث ثقيل

يقودني لمكانٍ يَعلمهُ

 

(23)

واحزناه

أقطع الأوتار بشراهة نبوءةٍ نشاز،

لم يعد ثمّة فوز مؤكد في قبالة الهديل

أظافر طويلة إسوة بمثيلاتها

تحك جلد آلةٍ جيئت من غابة بعيدة

أصابها عطش شديد

لا لسان لبق يعوّض خسارة وجهٍ مجعّد

ولا كلمات تسرّ السامعين

واأسفاه

وسواس خناس يملأ صدر النافذة

وقرابين لا تُقبل

* شاعر من العراق.

شاهد أيضاً

وديع أزمانو

هذا قلبي .. وديع أزمانو

  لا أبكي ولكنها دماءٌ صعدت إلى عينيّ فابيضَّتِ الرؤيا وتساقطَ مطرٌ كثيفٌ من كتفِ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية