قراءة معاصرة لكتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

المحجبة أكثر عرضة للتحرش من السافرة

يعود كتاب «المرأة الجديدة» لأوائل القرن العشرن؛ ليستكمل به قاسم أمين حروبًا ضروس خاضها منذ ظهور كتابه «تحرير المرأة».

والمتأمل للقضايا التى ناقشها الكتاب ستتملكه الدهشة لمدى التشابه بين ذلك الواقع الذى يبدو بعيدًا وبين واقعنا الراهن، فالبعض يعتقد أن حرية المرأة قضية قديمة تجاوزها الزمن، إلا أننا بتنا نعانى تراجعًا مزريًا يجعل من الثوابت البديهية إشكاليات معاصرة تستعصى على الحل .

يعرض قاسم أمين بانوراما تاريخية لتطور علاقة الرجل بالمرأة عبر العصور، فيقول على لسان المؤرخ هيروديت «علاقة الرجل بالمرأة كانت متروكة للصدفة، فإذا ولدت المرأة ولدًا يجتمع القوم متى وصل سن البلوغ وينسبونه إلى أشبه الناس به»، فالمرأة كانت مستقلة تعول نفسها بنفسها .

ولما ودع الإنسان بداوته واتخذ وطنًا، واشتغل بالزراعة، أوجد نظام البيت، وترتب على دخول المرأة العائلة حرمانها من استقلالها، فكان الرجل يملك زوجته كما يملك الرقيق، فإذا مات انتقلت مع تركته إلى ورثته من أولادها الذكور إلى غيرهم .

فالمرأة عاشت حرة فى العصور الأولى، حيث الإنسانية لم تزل فى مهدها، ثم بعد تشكيل العائلة وقعت فى الاستعباد الحقيقى، ثم لما قامت الإنسانية على طريق المدنية تغيرت صورة هذا الرق، واعتُرف للمرأة بشئ من الحق، ولكن خضعت لاستبداد الرجل الذى قضى عليها بألا تتمتع بالحقوق التى اعترف لها بها .

وعن وضع المرأة قديمًا يقول قاسم أمين «فى اليونان كانت النساء يعشن فى الحجاب التام، وعند الرومان كانت فى حكم القاصر، أما فى مملكة روسيا فمركزها الجغرافى قضى بأن تتأثر بالعادات الشرقية فعاشت نساؤها محجوبات كنساء الشرق، بينما أنكر رجال الدين فى أوروبا ـ عندما كانت خاضعة للكنيسة ـ أن للمرأة روحًا خالدة  كالرجل، وبعد نقاشات طويلة قرروا أن المرأة إنسان ولكنها خلقت لخدمة الرجل».

وبتأثير الحكومات خفت صولة الرجل على المرأة، ولكن حمايتها للمرأة لم تبلغ حد مساواتها بالرجل .

يشير قاسم أمين إلى أن المرأة المحجبة أكثر عرضة لتحرش الرجال من المرأة السافرة، فيقول «وقر فى نفوس الرجال عندنا أن البرقع والحبرة هما عنوان الجهل والضعف، وأن هذه المرأة لا تحس باحترامها لنفسها، وأنها سهلة القياد، فاستخفوا بها وتجاسروا على امتهانها».

ويضيف «إن الرجل قد جرد امرأته من الصفات الإنسانية، وخصها بوظيفة واحدة وهى أن تمتعه بجسدها، فأقرها فى مسكنه شأن المالك الحريص على ملكه، الذى يريد أن يستأثر بجميع مزايا المتاع الذى يملكه، فأراد أن يتبعها بالحجاب حيث سارت .

فالمرأة التى تلزم بستر أطرافها والأعضاء الظاهرة من بدنها، حيث لا تتمكن من المشى ولا الركوب بل لا تتنفس ولا تنظر، إنما يقصد منه أن تمسخ هيئتها وتفقد الشكل الإنسانى الطبيعى فى نظر كل رجل ماعدا سيدها ومولاها .

فالحجاب هو عنوان ذلك الملك القديم، واثر من آثار تلك الأخلاق المتوحشة التى عاشت بها الإنسانية أجيالاً قبل أن تهتدى إلى إدراك أن الذات البشرية لا يجوز أن تكون محلا للملك لمجرد كونها أنثى.

وزعم الرجل أن الله لما خلقه وهبه العقل والفضيلة وحرمها من هذه الهبات، وإنها لضعفها وقلة عقلها وميلها مع الشهوات يلزم أن تعيش تحت سيطرته وتحتجب وتستر وجهها، وذلك هو السر فى ضرب الحجاب، فاعتقاد الرجل أن امرأته إذا منحت حريتها تسئ استعمالها لا يبيح له حرمانها ولو جاز لدفع ضرر محتمل الوقوع لوجب وضع تسعين فى المائة من الرجال تحت قانون الحجاب منعا لهم من الفساد.

يفرق قاسم أمين بين الحجاب والحرية كوسيلتين من وسائل صيانة المرأة فيقول «الوسيلة الأولى تضع المرأة فى وصف الأدوات والأمتعة، والثانية تسوق المرأة فى طريق التقدم العقلى والكمال الأدبى. إن الأسباب التى يبنى عليها كتابنا رأيهم فى الحجر على حرية  النساء هى التى أغرت متأخرى المسلمين بغلق باب الاجتهاد فى التوفيق بين أحكام الدين وحاجات الأمم، مع عدم الخروج عن الأصول العامة» .

ويستشهد برأى العلماء ليدلل على استعداد المرأة للكمال قائلاَ «لا يصح الحكم على طبيعة المرأة ومبلغ استعدادها للكمال الإنسانى إلا بعد أن تملك من حريتها ما يملك الرجل، وبعد أن تشتغل بتثقيف عقلها مدة من الزمن تساوى المدة التى قضاها الرجال فى تربية ملكاتهم العقلية والأدبية، ويضيف يجب أن تربى المرأة وتدخل فى المجتمع الإنسانى وهى ذات كاملة، فتجد أسباب سعادتها وشقائها فى نفسها لا فى غيرها» .

ينتقد قاسم أمين من يربط بين تدنى مكانة المرأة  بالدين الإسلامى فيقول مستشهدًا بكلام الأمير على القاضى «إذا أراد مسلمو الهند أن يرتقوا وجب عليهم أن يعيدوا للمرأة المنزلة الرفيعة التى كانت فى صدر الإسلام».

ويضيف إن نسبة تأخر المسلمين فى المدنية إلى الدين الإسلامى خطأ محض، فالإسلام يخاطب العقل ويحث على العمل والسعى وقد برهن المسلمون أنه عامل من أقوى العوامل للترقى للمدنية.

وعن الزى التى كانت ترتديه نساء الخلفاء يقول «لم يكن يلبسن سوى اليشمك الذى تستر به نساء الأستانة وجوههن، أما البرقع الشامل للوشاح والنقاب والخمار فلم يشع إلا فى أواخر عهد السلاجقة، أما الاحتجاب بالبردة على ما هو شائع الآن عند مسلمى الهند فلم يكن معروفًا فى تللك العصور. لو لم يكن فى الحجاب عيب سوى أنه منافٍ للحرية الإنسانية، وأنه صار بالمرأة إلى حيث يستحيل عليها التمتع بالحقوق التى خولتها لها الشريعة الغراء فى تدبير شئونها المعيشية بكفاءة مساوية؛ لكفى وحده لمقته، ولكن الضرر الأعظم للحجاب هو أنه يحول بين المرأة  واستكمال تربيتها. لذا يلزم إشراك المرأة فى الحياة الطبيعية وأن تقاسمنا آمالنا وأفكارنا وتحضر مجالسنا وتفيدنا على رعاية الحشمة والتأدب فى القول».

ويضيف علينا أن نأخذ أهبتنا لمقاومة سلطة العادات الموروثة إذا خشينا أن تسلبنا إرادتنا واختيارنا، والتخلص من ماضٍ ضار، واعتناق مستقبل نافع والذى أراه أن تمسكنا بالماضى إلى هذا الحد هو ميل يجرنا إلى التدنى والتقهقر، لأننا ضعاف عاجزون عن إنشاء حال خاصة تليق بنا .

ويشير قاسم أمين إلى الإتهامات الظالمة التى توجه لكل من يخالف العادات والأعراف قائلاً «ومن وجد لشعاع الحق لمعانًا فى بصيرته وجد من خوف اللائمة عقيدة فى لسانه، فإذا وجد بينهم مخلص طالب للحق وجهر به كان نصيبه أن يتهم بالتجرد عن الوطنية والعداوة للدين والملة .

وفى خاتمة الكتاب يرصد قاسم أمين حالة الأفكار فى مصر والمتعلقة بالنساء وذلك عام 1900 فيقول «إن النساء قطعن دور الاستعباد ولم يبق بينهن وبين الحرية إلا حجاب رقيق، ويدلل على ذلك مشيرا لبعض المتغيرات التى اعترت المجتمع المصرى حينها  :

* شعور المصريين بالحاجة لتربية بناتهم.   

* تخفيف الحجاب وذهابه شيئًا فشيئا.

تأفف الشباب من التزوج على الطريقة التقليدية، فضلاً عن اهتمام بعض أبناء البلاد وفى مقدمتهم الشيخ محمد عبده بإصلاح المحاكم الشرعية، ويشير قاسم أمين إلى تأييد محمد عبده لاقتراحاته بشأن تعدد الزوجات وتخويل المرأة حق الطلاق، وفى النهاية ينصح المصريين قائلا «إذا كان المصريين يريدون أمة حية راقية فتوجد وسيلة تخرجكم من الحالة السيئة، ألا وهى تحرير نسائكم من قيود الجهل والحجاب».

ترى هل سنتخلص من أسر تلك الأفكار البالية التى تعتبر المرأة مجرد وعاء لشهوة الرجل، ومن ثم يتحرر المجتمع بأكمله؟

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية