قراءة سيسيولوجية لـ «شيء من الخوف».. نادر نجم

شيء من الخوف

نعم هو ذا؛ الفيلم المصري الذي أُنتج عام 1969، وخرج للناس عن قصة قصيرة للكاتب ثروت أباظة، بتعديلات أدخلها عبد الرحمن الأبنودي، ليظهر الفيلم بهذه الإسقاطات الواقعية الإبداعية، والإشارات التي تطول الماضي والحاضر وربما المستقبل. ربما تفوقت شخصيات الفيلم لترقى لأن تكون رموزاً بارزة وهذا ما يجعل هذا الفيلم عملاً سينمائيًا حاضراً، حيًا في ذاكرة كل مصري، بل كل إنسان شاهده وانفعل به.

 

ولكن لكون التفكير العاطفي سمة غالبة على العقل الجمعي في مصر؛ ربما تعاطف الناس مع (فؤادة) لأسباب غير التي يرمي إليها دورها البطولي ونضالها الكبير، وبنفس الطريقة تحفزوا ضد (عتريس). ولأن هنالك ألف (عتريس) في كل يوم، لم تتسع الذاكرة لا لـفؤادة أو الشيخ إبراهيم ولا محمود. فإن كان (للدهاشنة) شيء من الخوف. فللناس تسعة وتسعين شيئاً إذاً.

 

يقول زيجمونت باومان في كتابه «الخوف السائل»: يأتي الخوف في أفظع صوره عندما يكون متفرقًا، ومنتشراً، وغامضًا، ومشتتًا، ومتقلبًا، وعائمًا، من دون عنوان واضح، من دون سبب واضح، عندما يستحوذ علينا من دون سبب معقول، عندما نشعر بالخطر الذي نخافه في كل مكان. إن الخوف هو الاسم الذي نسمي به حالة اللا يقين التي نعيشها، وهو الاسم الذي نسمي به جهلنا بالخطر، وبما يجب فعله لمنع ذاك الخطر، وبما يمكن فعله لمنعه وبما لا يمكن فعله، أو بما يمكن فعله لصده إذا لم يكن لنا طاقة بمنعه.

شيء من الخوف

لقد كان (عتريس) كهذا الوصف حرفيًا، وكانت (الدهاشنة) تشعر به ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل! ولكن (فؤادة) كانت على يقين بأنه يجب على أحدهم أن يصرخ بصوت يعصف بضمائر الناس فيوقظها، بينما كان الجميع خاضعًا، يقنع نفسه بأنه أقل وأضعف وأذل من الآخر ليفعل. فتزيد تلقائيًا تبعيتهم للقوى الخارجة عنهم والمسيطرة عليهم كأبسط ما تكون (المازوخية) وينمحي الشعور بـ( أنا أريد) كما يقول إيرك فروم، على الجانب الآخر نجد نزعة للهيمنة والسيطرة والإيذاء واستنزاف الآخر وقضم كل ما يمكن أن يأكل فيه.

 

إلى أن قرر (عتريس) أن ينهي حياة (الدهاشنة) بأن أغلق (الهويس) ويجف الماء ويموت الزرع ولا أحد يحرك ساكنًا؛ عندها كان أول رفض في تاريخ هذه القرية البائسة؛ هذه المشهد العبقري الذي فتحت فيه أيدي فؤادة الأنثوية ذاك الهويس الغليظ لتطلق الحياة مجدداً ويجري الماء للزرع والناس.

شيء من الخوف

يقول كارل ماركس: إن الفقر لا يصنع ثورة، وإنما وعي الفقر هو ما يصنع الثورة. فالطاغية مهمته أن يجعلك فقيراً، وشيخ الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائبًا.

(وكَّلتك يا حافظ) هذه الجملة التي قالها الشاهد الشيخ الذي راح مع حافظ والد فؤادة ليأخذ توكيل الزواج منها؛ فلما رفضت قال (وكلتك يا حافظ هو حد يقدر يقول غير كدا).

(زواج عتريس من فؤادة باطل) هذا الوعي الذي انطلق من الشيخ إبراهيم إلى بيت عتريس، إليه، إلى مسامعه، إلى محمود الذي قتله عتريس كعقاب لأبيه الذي نطق بما يخالف عتريس، سبحانه وتعالى. فكان رفاة محمود هتافًا ملأ أروقة الدهاشنة وحناجرهم (زواج عتريس من فؤادة باطل) هذا الهتاف الذي كان بمثابة التحرر من عبودية عتريس وللأبد. فهي كلمة لا الصادرة للمرة الأولى، والأخيرة، عن العبد، إذعانًا بأنه لن يتلقى مزيداً من الأوامر.

شيء من الخوف

تناولت السينما المصرية هذه الشخصية المتسلطة في غير مرة، ففي عام 1967 كان فيلم (الزوجة الثانية) قصة أحمد رشدي صالح. هذا الطاغية الذي يملك رقاب الناس، وهذا الشيخ الذي يملك الدفاتر والورق. ولكن الذاكرة المصرية تأبى أن تذكر دروس السينما.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية