في شقة عم نجيب.. أشباح روايات محفوظ وإشكالية الماضى المستمر.. علي داود

شقة عم نجيب

“أنا المقسوم والموعود بالسفر

أبحر أو أطير فى وحدتى

أمثل كل الشخصيات

ثم أعود لا أحد

أنا الحقيقى والخيالى

الظاهر والخفى

هل لي من فرصة؟

لأتحرر من ظلالى

من يعطنى قناع

يحظى بالتصفيق والتصديق

على ما آل إليه مآلى

ليتنى أرى الدنيا كما يراها العاديون

أو وجه فتاة شعبية كما الأرض

حبلى بالخصوبة والتجدد”.

بهذه الكلمات، التى يحتويها البامفلت، قدم الدكتور سامح مهران عرضه “شقة عم نجيب”، معبراً عن همومه التى جسدتها شخصيات مسرحيته، وهى مستمدة من روايات نجيب محفوظ، التى تتميز بالواقعية الرمزية، فما أن نستدعى اسم إحدى شخصيات رواياته، حتى تتجسد أمامنا كل ما تحمله من دلالات أخلاقية، وفكرية، وسلوكية، إيجابية أو سلبية.. معبرة عن نمط أو فئة من المجتمع المصرى.. كأنها شخصية حية من لحم ودم، لا تختفى من حياتنا أبداً، ولا تشيخ أو تموت.. بل تتجدد وتنتشر كأن شخصيات محفوظ صارت قدوة أو رمزاً لهم. بل صارت شخصياته مضرباً للأمثال، كأن تقول إحداهن للأخرى “دا عامل فيها سى السيد”، وفى موضع آخر قد تقول لها: “مالك عاملة زى أمينة كده”، تقصدان بالطبع شخصيتى “سى السيد وأمينة” فى ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة.. أو كأن يقول شخص لآخر: (فلان دا محجوب عبد الدايم.. مستعد يبيع شرفه عشان يوصل).. وقد لا يحتاج أن يضيف أى عبارة أخرى للاسم، فيفهم الطرف الآخر ما يقصده تماماً، قاصداً بالطبع شخصية (محجوب عبد الدايم فى رواية القاهرة 30).

وهكذا هى شخصيات نجيب محفوظ، صارت أسماؤها تعيش بيننا فى كل العصور.. لذلك استدعاها الكاتب ليحكى لنا رؤيته للمجتمع المصرى الآن.. وكأن مائة عام غير كافية كى تتطور الشخصية المصرية وتتغير، بينما تطور خلالها العالم وتغير عشرات المرات، نفس الانقسامات والازدواجية، التى رصدها محفوظ فى رواياته فى النصف الأول من القرن العشرين، ما زالت تصلح للطرح فى النصف الأول من القرن الواحد والعشرين.

تبدأ القصة بشاب وفتاة (سعدية وعباس) قد عقدا قرانهما ويبحثان عن شقة للزواج، نفس الرحلة التى رصدها نجيب محفوظ فى روايته “الحب فوق هضبة الهرم”، وفجأة يقرآن إعلاناً فى قرطاس كانا يأكلان منه الترمس على الكورنيش، والإعلان عن شقة على النيل فى العجوزة بإيجار رمزى، يشكان فى الأمر لكنهما يقرران خوض التجربة، فما البديل؟!

يقابلان صاحب الشقة الذى ينتمى إلى عائلة أرستقراطية تمتد جذورها إلى العهد الملكى.. ناقم على ثورة يوليو وما آل إليه المجتمع بعد الثورة.. وعندما يوافقان على العيش معه فى الشقة، يفاجآن أنها مليئة بالأشباح التى تخرج من الدولاب.. هى أشباح شخصيات نجيب محفوظ التى تعيش معنا حتى الآن.. سيد عبد الجواد الشهير بسى السيد، وزوجته أمينة، وعشيقته زبيدة من “الثلاثية”، ومحجوب عبد الدايم، وعلى طه من “القاهرة 30″، وريرى زوجة عيسى الدباغ من رواية “السمان والخريف”.. وفى النهاية نكتشف أن شخصية صاحب الشقة هو أيضاً شبح الإقطاعى من رواية “ميرامار”.

ويدور الصراع بين أشباح الشخصيات الماضوية وشخصيتى الواقع (سعدية وعباس)، ينجذب عباس سريعاً إلى عالم سى السيد، ويقع تحت تأثير زبيدة العالمة، عشيقة سى السيد، والتى تصبح عشيقة عباس أيضاً، ويتمنى أن تصبح سعدية مثل أمينة، لا تعرف سوى طاعة زوجها وراحته.. لكنها ترفض وتقاوم.. فيدخل عباس مع الأشباح داخل دولاب الماضى، وتبقى سعدية وحدها تقاوم ضغوط الماضى والتراث والعادات والتقاليد فى أن تصبح الزوجة مطيعة خانعة أمينة فى عصمة زوجها سى السيد الآمر الناهى، رغم اختلاف الزمن، ففى الماضى كانت الزوجة لا تفقه شيئًا خارج منزلها، وإذا خرجت تاهت، والزوج يتكفل بكل شيء، أما الآن فالزوجة شريكة فى تحمل مسئوليات أعباء الحياة، بل وأحياناً تتحمل أكثر من الرجل أعباء المعيشة المادية، ومع ذلك يظل حلم الرجل أن يصبح سى السيد، الآمر الناهى فى منزله، وعاشق النزوات بين أحضان الراقصات والعاهرات.. ازدواجية الرجل الشرقى، التى تؤدى إلى ازدواجية الأسرة التى هى نواة المجتمع، وبالتالى انقسام المجتمع ذاته ما بين الظاهر والباطن.. وما بين الأخلاق والفضيلة والانحلال والاستغراق فى النزوات.

ولا تتوقف مقاومة سعدية عند ضغوط زوجها عباس أن تصبح صورة من أمينة، بل تقاوم أيضاً إغراء محجوب عبد الدايم، الذى يغريها أن تساير أمورها؛ فتحقق رغباتها، وتُفتح أمامها الأبواب المغلقة.. وأيضاً ضغوط الباشا، صاحب الشقة، الذى يحاول أن يغويها، وهو الناقم على ثورة يوليو التى ساوته بعامة الشعب، الذي تنتمى إليه سعدية، فى تناقض آخر لشخصيته، هذا التناقض الملازم لكل شخصيات الشقة.

وتظهر بين هذه الشخصيات شخصية ذو الرأسين، الذى يتسلق على حبل مُدلى من سقف المسرح، والذى يعبر عن الصراع والانقسام بصورة واضحة وجلية، وتبدو وكأنها لسان حال المؤلف، فهو الواضح فى رمزيته برأس على كتفه مهزومة، تمثل الضمير، الأخلاق، القيم، بينما رأس أخرى تمثل الانتهازية الواقعية، وسط مجتمع يميزه الانقسام الواضح ما بين الظاهر والباطن، وقد عبر عن ذلك الصراع فى أكثر من جملة مباشرة فى حواره مع سعدية، منها عبارة (أنه الصراع بين الحرية والضرورة)، وقد بذل الممثل مجهوداً كبيراً للتعبير عن ذلك الصراع، سواء باستخدامه الأكروباتى للحبل المُدلى من سقف المسرح معبراً عن حالة التأرجح والتذبذب ما بين الروحين، أو استخدامه لنبرتى صوت، إحداهما تمثل الروح الطيبة التى يصاحبها الانكسار والانهزام، والأخرى تمثل قوة وشراسة التشبث بالواقع بقيمه الانتهازية السائدة.

يُستثنى من تلك الازدواجية، وذلك التناقض، شخصيتا على طه وريرى، فهما يمثلان النموذج النقى الثورى، الباحث عن الحق والعدل والجمال، المقاوم للظلم والقبح والوصولية والانحلال، وكل القيم السلبية التى تمثلها الشخصيات الأخرى، لكن النتيجة كانت تكاثر الشخصيات الأخرى عليهم، فكانت لهم الغلبة فى تثبيت شخصية على طه إلى الحائط، فيصبح مشلولاً لا حول له ولا قوة.. وشخصية ريرى التى تدخل إلى الثلاجة، فتتجمد بما تحمله من قيم ومُثل، فتسود الحياة قيمهم وأخلاقهم، دون شخصيات أخرى؛ تؤنب عليهم ضمائرهم وتشعرهم بنقائصهم.. ورغم ذلك يحثان بأعلى صوتيهما، كصوت الضمير الحى، سعدية أن تقاوم ولا تستسلم، بينما هى تمسك برأسها كامرأة وحيدة تتألم فى هذه الحياة، عليها أن تقاوم كل هذه الضغوط كى تتقدم إلى الأمام.. ضغوط الماضى وتراثه المثقل فى نظرته الدونية للمرأة، كسيدة خادمة فى المنزل لزوجها “أمينة”، أو كامرأة مُشتهاة جسداً لا روح فيها “زبيدة”.. فأين هى ككيان مستقل يبحث عن الوجود وسط كل هذا العفن من ضغوط الماضى واحتياجات الحاضر وضبابية المستقبل؟! وتخرج فى النهاية من باب الشقة هاربة وحيدة مُرهقة، تحاول النجاة بنفسها ومستقبلها.

ونهاية المسرحية تدفع المشاهد للتعاطف مع سعدية، التى تمثل “المرأة المصرية المعاصرة”، والوقوف بجانبها لمقاومة كل هذه الضغوطات.. وهى أيضاً دعوة لكل منا أن يقاوم مثلها؛ فينتصر لقيمه وأخلاقه حتى نتخلص من هذا الانقسام الممتد من الماضى المستمر.. ونتطلع إلى مستقبل، أكثر قوة ووضوحاً، فانقسام الفرد ومن ثم الأسرة هو انقسام وتشتت للمجتمع ككل فى نهاية المطاف.

والمستقبل هنا تمثله المرأة المصرية “سعدية”، التى إن استطاعت أن تقاوم وتتحرر فستأخذ معها المجتمع بأسره إلى الأمام، قبل أن يدخل الدولاب المليئ بأشباح الماضى فلا يخرج منه أبداً، كما فعل “عباس”، فنظل ندور فى دوائر مفرغة فى صراعات وضغوطات ماضوية مستمرة، بينما تتقدم مجتمعات وشعوب العالم بخطى سريعة نحو المستقبل.

وإذا أتينا للعرض المسرحى.. نجد أن مخرج العرض الفنان القدير جلال عثمان، ومن خلال رؤية الدكتور سامح مهران كمؤلف، ورؤية تشكيلية لفنانة الديكور نهاد السيد، جعلوا الجمهور جزءًا لا يتجزأ من العرض المسرحى.. فكراسى المشاهدين وسط قاعة مسرح الغد المستطيلة.. بينما مساحات التمثيل تشمل حوائط المسرح الأربعة.. فأصبح الجمهور داخل شقة عم نجيب.. يحيطه ديكور الشقة بأبطالها.. وكى يستطيع المشاهد أن يتابع كل هذه المناطق التمثيلية فقد استعانوا بكراسى متحركة ودوارة، بحيث يتحرك الجمهور مع حركة الممثلين.. وبذلك تنتفى فكرة الفروق الطبقية بين الجمهور، فلم يعد هناك صف أول وثان وأخير.. فالصف الأول فى مشهد تمثيلى قد يصبح الصف الأخير فى مشهد تمثيلى آخر، لذلك نجد أن إدارة المسرح وحدت ثمن التذكرة على غير عادة تذاكر المسرح التى تنقسم لفئتين أو ثلاث تبعاً لقربها من خشبة المسرح، ورغم أن الجمهور أصبح جزءاً من العرض، ولكن ظل الاحتفاظ بالحائط الوهمى، فالجمهور مشارك سلبى فى العرض، ولا يتفاعل مع الأحداث بأى شكل من الأشكال.. فكأننا جميعاً داخل شقة عم نجيب محاطين بأشباح الماضى.. بتناقضاتها وازدواجيتها.

وقد غلب على ديكور شقة عم نجيب اللونين الأبيض والأسود وما بينهما من مساحات رمادية.. دليل آخر بصرى على ذلك التناقض والازدواجية وما بينهما من مساحات رمادية تتراوح فيها النفس البشرية، التى تحمل بداخلها الخير والشر، الحب والكره، العدل والظلم.. كل شيء ونقيضه..

وأما الإعداد الموسيقى فقد ساعد على ترسيخ نفس الرسالة من خلال توظيف بعض المقاطع المشهورة لبعض الأغنيات مثل أغنية “آه لو لعبت يا زهر” وغيرها فى توظيف جيد، وكذلك بعض المقاطع الموسيقية التى صاحبت بعض الشخصيات والمواقف.. فخبرة الدكتورة ياسمين فراج فى النقد الموسيقى جعلتها تخطو بثقة نحو أول تجربة إعداد موسيقى، لمسرحية ثرية بالصراعات والمشاعر والدلالات مثل مسرحية “شقة عم نجيب”.

المسرحية انتهى عرض موسمها الأول على مسرح الغد الشهر الماضى، وقد لاقت نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيراً، ومن المتوقع إعادة عرضها الفترة القادمة، فهى تجربة مسرحية مختلفة وجديرة بالمشاهدة، وخوض تجربة معايشة شخصيات “شقة عم نجيب”.

مسرحية “شقة عم نجيب”:

تأليف: د. سامح مهران

إخراج : جلال عثمان

إنتاج : فرقة الغد المسرحية – البيت الفنى للمسرح

مدير الفرقة : الفنان القدير سامح مجاهد

موسم : 2017/2018

تمثيل: هبة توفيق – خضر زنون – شريف عواد – ريهام حسن – سلمى رضوان – محمد عبد الرحيم – أحمد نبيل – مروة يحيى

إعداد وتأليف موسيقى: د. ياسمين فراج

رؤية تشكيلية: نهاد السيد

* باحث وناقد مسرحى – المركز القومى للمسرح.

شاهد أيضاً

سعيد أبو بكر.. «شيبوب» خطيب ماجدة وزوج ليلى فوزي

سعيد أبو بكر فنان كوميدي من طراز فريد، لكن لا يمكن إغفال كونه تراجيديًا بدرجة …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية