في حضرة الغياب .. صفوت فوزي

صفوت فوزي

 

يا مسافر وحدك…

دقات الساعة تأتي رتيبةً مملةً. متثاقلة تنهض من رقدتها. تزيح الغطاء عن جسدِها. تغادر سريرَها البارد. رائحة الصباح الطرية النديانة تشيع في قلبها الأسى. يهاجمها برد أول الشتوية. يضرب العظام فتسري رعشةٌ خفيفةٌ ينتفضُ لها البدنُ، وتشيع لذةٌ خاطفةٌ في منابت العصب. تبحث بباطن قدمها عن الشبشب. تلمس أرضًا صلبة. برودة البلاط تلحس ما تبقى في جسدها من دفء. واجهتها الحيطان باهتة شائخة. لاحظت اتساع الشرخ في الجدار، والمصباح الذي يتدلى مشنوقًا من السقف. تحدق في المرآة المعلقة على الحائط، تمسح بأصابعها وجه المرآة بحثًا عن وجه جديد تحت الغبار المكدس. الوجه ذاته يطل عليها في كل مرة. وجه يأتي من خلف زمن ثقيل الوطأة، وليالٍ طويلة مؤرِّقة مليئة بالدموع.

في الخارج، حتى من خلف زجاج النافذة الموصد، بدا العالم باردًا.

«يأتيني صوت غنائه خفيضًا أسيانًا، أعلم أنه يأخذ حمامه الدافئ. يخرج منتعشًا ملتحفًا ببشكيرٍ من الشوق والرغبة والخوف، وبقايا أغنية على شفتيه».

قامت. أعدت له شاي الصباح الأحمر تسبح على قمته أوراق النعناع الأخضر الطازج، جريدته المفضلة، إفطار الصباح، كوب الماء، مطفأة سجائره، وجلست تنتظر.

 

وفايتني…

النهارات الطويلة الرازحة، وطعم الملح في عينيّ المفتوحتين. ينصرف آخر المواسين. ينغلق الباب، وفي الفراغ الملتحف بالصمت ينتصب ألف عفريت وعفريت. أسمع صوت أنفاس أصداء موحشة ترددها الجدران الأربعة، أسمع دبيب أقدامي. الهواء الراكد يبعث داخلي إحساسًا بالشيخوخة، يزيد من تجاعيد وجهي وروحي.

من قلب العتمة الضاربة حولي، ينبثق وجهُك الحلو. يرتسم طيفُك أمامي متشكِّلًا في الفراغ. أسمع صوتك قادمًا نحوي فأجري لاستقبالك. أراك في العتمة صاعدًا من جوف السلم. أنصت لوقع أقدامك. أفتح الباب. تداهمني الظلمة والوحشة وأرتال الخوف، وأعجز عن رتق جروح الخيبة.

أعرف في داخلي أن الوحشة لا تطاق، وأن الصمت جاثمٌ، لا ينتهي أبدًا. أهرب نحو غفلة قلقة تأخذني إليك. أصغي لوقع الحنين ينداح في مسارب الروح.

على صدره كنت أغفو، والفجر يلثم شيش النوافذ. اتكاءة رأسي على كتفك ورائحة وجهك المغسول، ومدن الطمأنينة في وجهك الضحوك. العالم يستعيد براءته الأولى يوم أن خلقه الرب، وأنا على ذراعه أنام، وجهه قريب من وجهي ويده الطليقة تربت عليَّ فتسري الطمأنينة في روحي. أحببت كل ما تفعل، كل ما أصبح لك عادة، أحاديثك التي تعيد ترميم كسور الروح والجسد، لهفَتك، غضبك، كسلك، ونزواتك الصغيرة.

كل الأشياء تذكرني بك وعبثًا أحاول أن أقنع نفسي بأنك رحلت وأنك لن تطل عليَّ بعد اليوم لتقول لي: يا صباح الخير ياللي معانا. ملابسك المعلقة في مشاجبها، جواربك المبعثرة في رفوف الخزانة، كتابك المفتوح، فنجانك الفارغ. كل شيء يقول إنك كنت ها هنا فكيف لي أن أعرف أن الموت كان يتربص بك وأنه كان يشرب الشاي في كأسك. وكيف كنت سأعرف أن الوقت المتاح لنا قصيرٌ إلى هذا الحد؟ كم حلم عليَّ أن أحلمه لألتقيك ذات وهم؟

 

ليه تبعد عني؟…

الحنين زائرٌ ليليٌّ لا يبارحني. ينقر شغافَ القلب بأصابع لا تُرَى. يدخل، نفترش الأرض سويًّا، نتسامر، نقلب أوراقنا القديمة والماضي يجلس قرب أقدامنا كقطةٍ أليفةٍ. ينكأ جراحي ذات الحواف الخشنة القانية التي لم تعصب ولم تُليَّن بزيتٍ. وحين يغادرني يُوصَد الباب دوني ويُعِدُّ لي سريرًا من لهب ووسائد من نحيب.

الليل موحش متدثر بالغموض وملتبس، وأنا داخل أتون وحدتي. متربصة بي المخاوف والظنون. وشيش الريح يضرب النوافذ. العزلة تقضم روحي، والخوف يدب بقدمه الثقيلة في الحواري المقفرة، وأنا كلي آذان مشرعة في الظلام تتسمع وقع أقدامه المقتربة. تتناهى إلى سمعي أغنيته الأثيرة: «أمانة عليك يا ليل طوّل، وهات العمر م الأول». تومض الذاكرة وكندف ثلجٍ تتساقط على رأسي الذكريات.

أنا بين ذراعيه الضاويتين الحانيتين، وفى عينيه اللتين كانتا لي متكأً لو مسَّني أرقٌ. يهمس لي وهو يدخلني قدس الأقداس حيث مشرق النور، وقلبي الذي يهتز كعصفور، يلين في يده كرغيف العجين وأنا أصرخ من تحته من الألم الحلو فنغرق في لجة من فرح مالها من قرارٍ.

هابطان من ذرى النشوة والارتواء ينثال صوته عذبًا في مسمعي: من قال إن الجنس خطيئتنا الأزلية؟ إنه توقُنا الأزلي إلى الخلود. تعويذتنا في وجه الفناء والعدم. البذرة التي نلقيها في وجه الموت فتمد جذورها وترفع أعناقها لتطاول السماء. تمنح العالم دفئًا وظلًّا وحياةً.

ينسحب النور مخلفًا عتمةً خفيفةً زادها الضباب كثافةً. رجفة تعتريني. رفيف أجنحة سوداء تحوم في الغرفة. صرختُ. ارتميتُ على صدره الواهن أحتضنه بلهفة العمر القصير. لكنه كان قد مضى مخلفًا وراءه صمتًا ثقيلًا تكاد تلمسه اليد، وسماء بعيدة، نائية، لا تجيب.

وأنا الآن تعتصرني المرارة. أخبئ الحكايات في قلبي. في طيَّات ملابسي كقروش امرأةٍ فقيرةٍ. أحسُّ بنعمة وجودك في قلبي. جسدك القائم من الموت مثل ترنيمة قبطية قديمة يرددها ألف صوت وصوت بألف لحن ولحن، ونور النهار الطالع يمنحك كفارته. يحمل عنك ثقل خطيئتك التي لا إثم فيها بل هي الطهر والبرء معًا.

 

وتهجرني…

كل القطارات تأخذني إليك، ولا وصول. تفيض بقلبي الأسئلة وتفر من روحي الإجابات. تقتلني الوحدة والانطفاء ونداءات الأشواق القديمة. أعرف أنني خبأت جسدك في قلبي نابضًا، عارم الحياة، حتى الآن. وأدرك على نحو واضح أن السنوات الطويلة لم تجفف ماء شعرك من الذاكرة، ولم تبهت صورتك في مرايا الزمن المعتم.

في أنوثة الضوء، كانت المرايا وحدها ترنو إليها. ينبثق طيفُه من عتمة الظلال كنجمة هاربة. تمسح المكان بعينيها. تتأمل الصور العائلية المعلقة على الجدران. تمعن النظر في صورة كبيرة للرجل الغائب. قبلتها قبل أن تعيدها الى مكانها. بتؤدة وأناة تتقدم نحوها. فكت رابطة عنقه. وضعت معطفه جانبًا، تخلع قميصه الأبيض الزاهي. تأملته قليلًا ثم ابتسمت.

قررت أن تقضى الليلة معه.

شاهد أيضاً

إلى متى سأظل أنتظر؟ .. حسن حجازي

  (1) بكل همة رحت أكنس ما علق بذاكرة هاتفي المتذاكي، بكل تهاون أرتق الآن …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية