في حديقة النساء: الورود لا تُبارز بالكلمات .. عمرو خان

عمرو خان

 

ليس كل ما تراه العين واضحًا كوضوح الشمس في كبد السماء حقيقي؛ وإلا ما كان للتمثيل والتزييف وجود في واقعنا، فللإبداع وجوه كثيرة، وإتقان الأدوار، سواء خيرًا أو شرًا، مهارة لا تحمل الشك أو الجدل.

كان رحيم أحد المهرة في تمثيل بعض الأدوار، ففي قاعة الاجتماعات الخاصة بالجريدة فيما كان ينتظر مقابلة رئيس تحريرها، شعر بتطفل دره للتعرف إليه، وفي الوقت نفسه كان يستعد للعب دور مختلف لفهم شخصية رئيس تحرير الجريدة خلال مقابلته، ولكن الأقدار لعبت دورًا في تغير الأحداث.

كانت درة تنتظر إجابة رحيم حين حذّرها من الاقتراب من الكتب، ولكن الاتصال الهاتفي الذي استقبله رحيم حال دون أن تحصل على الإجابة.

عاد إلي مقعده في غرفة الاجتماعات وتركها تحدث نفسها، وتحدث مع صديقه عبر الهاتف، وناقشا بعض الأمور الخاصة، وأغلق الهاتف، ثم عاد ليسجل بعض الملاحظات في مدونته الصغيرة.. كانت  ترمقه بنظرات نصفها غيظ والنصف الآخر لهفة لاستكمال حديثهما.

بعد مرور خمسة عشرة دقيقة ضعفت قدرتها علي الانتظار، وضاقت بها غرفة الاجتماعات، فخرجت نحو مكتب السكرتيرة، واختلقت حديثًا جديدًا، وفيما كانت تحدثها الفتاة الحسناء، شرد ذهنها في تدبير حجة لفتح باب الحديث مرة أخرى مع غريب الأطوار هذا.

استأذنت وعادت لمقعدها داخل الغرفة، وبينما كان هو يتفقد حقيبته، أرسلت إليه كلمات غير متوقعة «أعتقد أن الشخص الذي تحدث عن مخاطر الاقتراب من الكتب دون حذر، على قدر كافٍ بآداب الحديث، ويعلم أن من بدأ شيئًا عليه إتمامه».. أدهشته كلماتها، وأرسل إليها ابتسامة انعكست على وجهها، وأظهر بعضًا من الثقة خلال النهوض من المقعد، بينما هي تهيأت لاستقبال ما يقوله.

أربع خطوات تفصل بين مقعده ومقعدها، تقدمها إلى أن وقف أمامها، حدّق في عينيها، فبادلته النظرة، فحوّل نظره عن عينيها بعد أن تأكد أن مصيره عند الاستمرار في النظر إلي هذين العينين الهلاك لا محالة.. «أنتِ إن أقدمتِ على فعل شيء دون أن تعي وتدركي عواقبه، فهذا معناه أنك تعرضين نفسك للمخاطر، كذلك القراءة، فإن لها تأثيرًا بالغ الخطورة على تبديل الأفكار وتغيرها، ولها القدرة على تشكيل الأشخاص وتلونهم وصبغهم بأفكار ومبادئ ومعتقدات لأشخاص آخرين، فإما تجعلك تتحدثين بفكر الآخر، أو تحدث لكِ حراكًا فكريًا لتعيدي إنتاج الأفكار من وجهة نظرك.. إأنها كما تبني العقول قادرة على هدمها، فإن لم تحتاطي في تناول الأفكار فربما تأخذك إلى مناطق أبعد مما تريدين أن تكوني، لذا عليك الحذر».

وتركها رحيم واتجه إلى السكرتيرة، وبابتسامة أعاد سؤاله عن موعد وصول رئيس التحرير، ولما أكدت أن موعد وصوله بعد نصف ساعة، قرر ألا يبقى في الجريدة، وفضل أن يقضي الزمن المتبقي في السير في الشوارع المحيطة.. فعاد إلى الغرفة وحمل حقيبته وتأهب للخروج، وهنا استوقفته درة «إلى أين أنت ذاهب، هل ألغي الموعد؟» سألته.. «لا.. ولكني أفضل أن أخرج للسير.. حتى لا يتمكن مني ملل الانتظار».. صدمتها العبارة، ولكنها تملك حائط صد منيعًا، ولكنه فاجأها  مرة أخرى «هل تودي أن أحضر لك شيئًا عند عودتي»، كان يريد أن يثير حفيظتها في الحديث معه، ولكنها كانت أكثر جرأة، وردت عليه «إذا كان حديثي معك في غرفة مغلقة يصيبك بالملل، فماذا لو أكملنا الحديث خلال السير في الطريق، أو نجلس في مكان عام، ما رأيك؟».. ابتسم إليها ومد يده مع انحناءة مرحبًا بمرافقتها.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية