في انتظار عمال النظافة .. مروة نعيمة

 

 

مروة نعيمة

 

ها أنت  مرمي في غرفتك كمجرد شيء انتهت صلوحيته،  قابع في مستودع الأشياء غير المرغوب فيها، انتظارًا للوقت الذي يسمح لها بالتخلص منك، ومن كل أشيائك العفنة التي لم يكن لها معنى إﻻ بالنسبة لك، نعم حتى الكتب التي تعني لك، وللكثير من الناس، أمورًا  مهمة للغاية فإنها تبدو لها مقرفة، ما دامت هي جزء من حياتك الخاصة، أو قل هي نواة قلبك النابض.

أين فحولتك، رجولتك أيها الرجل المزعوم؟ هي تحارب الآن على هذا الجانب. ﻻ يهمني ما ستقوله عن العواطف العميقة والحب الكبير والعشق الجنوني، هذه أمور أسأت زرعها باختيارك لتربة رملية مالحة ﻻ تصلح سوى لوﻻدة العقارب والأفاعي، هكذا تقول في نفسيتك المخرومة، وأنا الآن ﻻ تهمني كل هذه التأويلات والتحليلات والحسابات الفارغة، ما يهمني في هذه اللحظة هو ما انتهى به  الأمر بك في عش الدبابير  الزوجية:  وحيدًا في الغرفة، يلسعك جسدك المكبوت بسوط الرغبة المغدورة، فقل لكلب حبك المثالي أن يخفف من ويلات جنسك اللاهث الملهوف والمحموم. وامرأتك أو حبيبتك أو ما يحلو لك من الأسماء الرنانة، التي كنت تجترها في ماضيك  بحمى سحر اأفكار الجميلة، في النظرة الجيدة لنصف السماء، دون أن تنتبه  إلى أن ترصيع السماء بالنجوم الوهاجة ﻻ يمكن أن يتحقق في ليلة الشتاء الحالكة الممطرة.

إنها تنام الآن بعدوانية انتقام لن تستطيع فهمها، وﻻ كتبك تقوى على إرشادك إلى الحفر الملعونة التي تجعل امرأة  تنتقم بما يشبه  اﻻنتحار، هل سمعت بهذه الوحشية ما قبل إنسانية التي تنام في عمق كل إنسان مهما بلغت حضارته، وهي على أهبة اﻻستيقاظ واﻻنقضاض بطريقة النسف للذات والآخر، أجل انتحار ﻻ يعقبه الموت النهائي فترتاح، بل هو موت من نوع آخر يعلن بداية سعار جهنم العذاب الأليم.

أعرف بأنك ﻻ تريد الآن أن تتكلم أو تدافع عن نفسك، أنك ببساطة تريد أوﻻً أن تفهم سر هذا اللغز اللعين، وأنت تتساءل: كيف لمسيرة الحرية الفردية التي نمت في قلبك، وهي تسخر من إرث الجماعة المشؤوم، أن تنهزم، وتمزق بهذا الحقد العنيف المتراكم بصمت زرع الألغام في انتظار نسف المعبد المقدس  للاختيار الحر لفن الحياة؟ كل هذا الكلام الفخم الباذخ الذي ﻻ يزال يوجه الشجيرات العصبية لدماغ تفكيرك لن يساعدك في إزالة اللبس. فأنت بذلك تزيد الوضعية تعقيدًا، لأن هذا المنطق وما يتبعه من آليات ﻻ يصلح إطلاقا في ميدان الحب أو الجنس، أو غير ذلك من الأسماء التي تريح خاطرك المكلوم.

تتململ.. أشعر بأني أثقلت عليك، تريد أن أنسحب أم ترغب في أن تقول شيئًا ما.. أعرف، أعرف.. لن تكفيك ساعات اليوم لقول كل ما يضطرب في دواخلك، كما لو كنت بركانًا استعاد فجأة جنونه الرهيب المروع في حرق الأرض بما فيها ومن عليها. لكن أرجوك امنحني قليلاً من الوقت لأضيف بعض الجمل أو التفاهات كما تقول أيها المفكر المزعوم.

أليس مخجلاً أن ينتهي المطاف بمثقف مثلك في تجربته العشقية إلى اﻻستمناء في غرفة معزولة عن شريكة عمره التي تنام بكل هدوء الملائكة، أو الشياطين، في الغرفة المجاورة، دون أن تنتبه إلى هذا السجن اﻻنفرادي للعاشق المزعوم؟ وهل تستطيع حقًا أن تصدق والله يسمع تحاوركما أنها لم تكن تقصد أي سوء في ذلك؟ والأكثر من ذلك؛ ألا ترى أنها تصنعت بخبث ملائكي الدهشة التي اعترتها من كونك حقًا كنت جسدًا حيًا، أو إنسانًا مسجى على سرير ألم الحمى الملعون بكل لغات الأرض والسماء، ممزقًا بمدية أسئلة حصاد العمر التي ﻻ ترحم كل روعة الأفكار والأحلام التي آمنت بها في اختيار حبيبتك قلبك؟

ما أتعسك أيها الرجل الحقير الذي يستحق أن يداس بالأقدام بعد أن يتبول عليه صغار المدينة كلهم. رفعت عقيرتك مند صباك ضد كل موروث من الآباء والأجداد،  وأعلنت بوقاحة، وبكبرياء مغفل أنك ﻻ تؤمن بما جاءت به كتب السماء، وصدقت الحكايات اللئيمة المدسوسة في كتب الأرض. فما الذي يميزك عن أي سلفي أيها الثوري المزعوم؟ ألست أحد عبدة الكتب؟ كان عليك أن تنصت إلى الحياة وتغمس روحك في طمي ووحل الأرض،  لتعرف لحن الفجيعة قبل أن يشق قلبك برق الحب المسكون بعشق الحياة والناس جميعًا.

هيا.. تكلم.. احكِ.. كن جريئًا كما عهدتك دومًا، تكلم بدون حساسيات.. ﻻ أحد بيننا غير قارئ غبي يتلصص على خصوصيات الآخرين، حيث ﻻ يميز بين النص وصاحبه، ويجهل الكثير من الأشياء عن أسرار الكتابة والإبداع،  لذلك تراه يطارد الكلمات ويقص العبارات من هنا إلى هناك بعد أن يمررها على صفيحة نفسيته الممسوسة بحقد الحرية والإنسان.

آه.. أعرف ما تشير إليه بابتسامتك المحببة إلى قلبي، أفهمك بسرعة عشرة العمر، ألست أحد عشاقي الأوفياء بإدمان الخيانة؟ أقصد خيانة جسدك المبعد، والغريب المنفي في مدن الأخلاق والمبادئ  والأفكار الموعودة بحياة أخرى.

تقول في نفسك: إنها تضحك بسخرية مشوبة بالكثير من اﻻستهزاء، وهي تقول: ها أنت سلفي حتى النخاع تؤمن بحياة أخرى أكثر إنسانية للأجيال القادمين بعدك.

بالفعل.. من أعطاك الحق أن تخون حياتك وتضحي بشيء ليس لك وحدك؟ انظر الآن إلى هذا الزبل المخيف من فظاعة اﻻنكسار، والخيبات التي تجثم على صدرك دون رحمة، وتحولك إلى مجرد بقايا محسوبة ضمن الأزبال في انتظار قدوم عمال النظافة؟ بالله عليك كيف سمحت لنفسك بأن تترك حياتك التي لن تتكرر لتحلم بحياة أخرى، حيث العلاقات اﻻجتماعية نقيضة لكل ما هو سائد؟ مجرد هراء تفكيرك، إن لم أقل بصريح اللفظ: خراء. أنا ﻻ أخجل من أن أسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، ﻻ داعي للمخاتلة. هل تعرف الآن بأن هذا هو سر انحدارك اللئيم إلى مستودع الأشياء القديمة المهترئة؟

للأسف.. هكذا يمكن أن تتكلم أي امرأة مثلك مقوسة الظهر، وخنوعة القلب تقبل أن تعيش حياتها في القرن الواحد والعشرين كأَمَة، أو مجرد مومس في عش الدعارة الزوجية على حساب أجمل ما يشكل عمق الإنسان.

هههههه.. هيا استرسل أيها العاشق الأفلاطوني المستنسخ بورق الكربون المدرسي الرديء، واعذرني على هذا الضحك الفجائي، حيث تخيلت الحب المثالي لثوري مزعوم يضطره الكبت الملعون للقذف داخل تبانه ليلاً وهو نائم، أو يتملى سرًا مؤخرة مكتزة ﻻمرأة شدت جنون الرغبات المقموعة لجسده، وهي تسخر من غزل قلبه المحروم من لوعة الشد والجذب، حيث الرعشة هي المبتغى في محراب صلاة الصوفي، رغبةً في التحلل في جبة جسد لذة الموت، أو أن يفعل بنفسه نهارًا ما ﻻ يفعل به الشيطان ليلاً.

أنا ﻻ أسخر منك ولست عديمة الأخلاق، ولكن أستغرب ما تفعله وتفكر فيه أنت والعشرات من المتنورين، أو كما يحلو لكم أن تسموا أنفسكم ثوريون تقدميون، أﻻ تعرفون بأن المرأة ﻻ تحتاج إلى قلب الرجل بقدر ما تحتاج إلى جسد كالوﻻعة يحرقها من رأسها إلى أخمص قدميها في جهنم، يكون فيها وقودها جنونكما، حيث شهوة الموت الملعونة ﻻ تكف عن تغيير جسديكما المحروق بنار المتعة واللذة في حرارة ﻻ تعرف التوقف أو اﻻنتهاء.

قل لي بربك ماذا يفيدك هذا الذي تسميه أجمل ما يشكل عمق الإنسان؟ أعرف بأنك تعني الحب، لست مغفلة إلى هذا الحد، لعلمك إن المرأة في علاقتها بالرجل تعرف كل شيء عن هذا المخلوق الذي قالت عنه كتب الحكايات القديمة هو الذي خلقها من ضلعه الأعوج، ما من ذرة أو ورقة تسقط في كون هذا المخلوق البئيس المتكبر مثلك، الذي يعتقد نفسه إلهًا، إﻻ وهي في علم المرأة الطيبة مثلي.

يا لك من مغفل.. ما فائدة أن تعذب جسدك وروحك بلوثة الكبت الملعون وأنت تلبس زورًا أو إخلاصًا قناع الأفكار الجميلة في عشق المرأة والوفاء، أو الإخلاص لامرأة واحدة، إﻻ إذا كانت إلهة كما قلت لك تشفي غليلك وتزيد من عمرك بلا حساب؟

هيا تكلّم من فضلك أيها الرجل العنيد، وقل كلامًا ينبض له هذا العضو الطابو في جسدي الذي يوزع الدم بإتقان، أما القلب فهو مجرد شاهد عيان في غيبوبة الموت. نعم هذا العضو الذي يسميه الفقهاء بإجلال واحترام: الفرج، وأنت تعرف أن كل الجناسات الجميلة تجتمع في هذا الجنس  اﻻسمي للشيء المقصود فرجًا حبًا أو كرهًا، وحتى شتمًا.. الله يلعن الفرج الذي خلفك، مثالاً لا حصرًا.

***

أكاد أسلّم بكل ما تقولين،  ليس لأني لا أعرف هذه الأشياء، وأتفق معك في كل ما طرحتيه،  لكن ما أختلف فيه معك، هو أنك ﻻ تطرحين هذه القضايا بقناعة نابعة من تفكير صادق، كرؤية للرجل والمجتمع والعالم، وكنمط وجودي في الحياة.. هذا الرفع للحد والمحدودية، ليست حتى مسألة برغماتية، بل هي في الأساس خبث انتهازي، لأنك تعرفين وضعي الصعب في سلوك للاختيارات التي تناقشينها، وأنا رجل في عقده السادس، ولي ثلاثة أوﻻد وأربع بنات، ومرتاح في كرامتي وحريتي واستقلالي الذاتي، وليس من حقي أن أعترض أو أقف في وجه امرأة اختارت هذا الوقت الذي تراه مناسبًا لتصفية ما تراكم في أعماق نفسيتها من أثقال الكراهية، دون أن تمتلك الجرأة يومًا ما في أن تخبر درب الحوار والتسامح، ليس معي أو مع الآخرين الذين تكرههم وتحقد عليهم بما فيه الكفاية، بل أن تتسامح مع نفسها وتصالح ذاتها، وهي تكنس دواخلها من نسيج الكراهية المزدوج: في حق الآخرين، وفي حق حياتها التي لن تتكرر مع هذه الصيرورة التي تغتصب عمرنا كل لحظة.

ما ذنبي أيتها المرأة إذا كنت مرارًا وتكرارًا بادرت للتواصل من أجل فتح مسالك الفرح والحب والأمل، لكنك فضّلت للأسف أن تنظري دائمًا إلى نصف الكأس الفارغ، أن ما تشكل في أعماقك بفعل تأويلاتك الخاصة لنوايا الآخرين شوّش كثيرًا حساباتك، بل أكثر من ذلك وجّه تفكيرك وجهة الأحكام الذاتية، حيث يتربع ببساطة نفق العداء والكراهية للآخر. وبسبب هذه الزاوية الضيقة التي حشرت فيها نفسك كان من الصعب أن تري المياه العذبة الجميلة التي كانت تجري تحت الجسر، وذلك الفرح الكبير للأطفال وهم يمرحون ويلعبون على ضفة نهر الحياة. صحيح أن الكثير من الطين والوحل كان عالقًا في أقدامنا، لكن كانت أعماقنا تمسح عرق الجبين بقلب الحب ونبضه.

***

كلما حاولت أن أحاصر هذا الرجل الوقح في زاوية ما سرعان ما يتشوش تفكيري، وتهتز الذاكرة بمطرقة الواقع الأليم الذي ﻻ يمكن رفعه بجرة قلم الكتابة، وهذه الكتابة ليست منافقة فقط إلى الحد الذي أتصور، فكلما تحايلت عليها كانت تجرني إلى أسئلة تعمدت إقصاءها من ذاكرتي.

هكذا إذن حتى ما في داخلي يشتغل ضدي، ينفلت من منطقة ما مجهولة في دواخلي، يحاول الخروج عاريًا فيفاجئني فاضحًا سريرتي، فأضطر لخلق حالة من التعتيم، وذلك بإطفاء بعض المصابيح، لأن نور الحقيقة وهّاج وأنا ﻻ أقوى على تحمل رعب اﻻنهيار، خاصة وأن شيئًا ما صلب ومتعصب عنيد ومشاكس يناصر مظلوميتي مع هذا الرجل الذي يحاول بكل ما يملك من منطق الكلام التلاعب بعقلي، ليظهر أمامكم على أنه حقًا عاشق أصيل  لم تخلفه ﻻ قصور الأمويين وﻻ العباسيين، وأنه جاء من وحل الأرض يبحث فيّ عن الإنسان.

أنا ﻻ أصدق إطلاقا كل هذه الأساطير. لأنه كما تعلمون تعمد تركي وحيدةً، وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، لسنوات معزولة عن الناس، ﻻ يمنحني ولو إطلالة سريعة بغرفتي، وﻻ حتى أدنى اهتمام، في الوقت الذي كانت فيه وحوش الغابة تمزق أحشائي وهي تخرج من كهوف كثيرة كنت أجهلها في جسدي العفيف البريء.

أما عن أنوثتي في الزينة والملبس فكان ذلك آخر ما يفكر فيه، أو بتعبير أدق كان ذلك من المستحيل التفكير فيه، وكأن ذلك من المحرمات أو الممنوعات. فماذا يتبقى إذن ﻻمرأة سلبت من جسدها الحي غير أن تتحول إلى بركان يهيئ زلزال ارتطام الصفائح العميقة للنفس. لتقوى حرارة حقد النيران الملتهبة على حرق كل هذا الماضي الرهيب، لتستوي اللغة أو تشطح بي.. لست من جنس الملائكة، وﻻ شيطانة كما تقول كتب الرجال، لي نقائصي ومناطق ظلي كسائر الناس، لكنني لن أسمح له بالتعامل معي كمجرد ملابس بالية مستعملة في سوق الخردة.

ﻻ أخفي عليكم أنني حاولت دفعه لوكر الدعارة حتى يسخر منه الصغير والكبير، التقي والفاجر. كنت أحلم باليوم الذي أراه فيه خائبًا منكسرًا وهو حسير. حاصرته بما يكفي من الخدع الرهيبة، مرة بالتعامل الأخوي معه في عش الدعارة الزوجية كما قال، حيث كنت أخدمه في جميع طلباته دون أن أمنحه أبسط اﻻلتفاتات العاطفية. كنت صلدة كصخرة صماء وأنا أغتال في نفسي الأحاسيس والمشاعر التي تعتز بها كل أنثى على وجه الأرض، وحتى في اللحظات النادرة التي أمنحه نفسي بدوافع غامضة، كنت أتعمد أن أجعله في وضعية من يغتصبني، أو بتعبير أدق كما لو كنت مجرد جثة هامدة.

هكذا كنت أدفع ببرودة دم مديتي الحادة في قلبه الدافئ، وأنا أستلذ عذابه حين أراه ينزف أعماقه البعيدة الغور، كما لو كنت أجهز بتمرس عدواني على نواته المحصنة في الأعماق، لأني كنت أعرف نقطة ضعفه في بحثه عن شيء آخر في وجدان القلب، وليس الجنس فقط، أي ما يسميه ما يشكل عمق الإنسان من أحاسيس وعواطف، وما شابه ذلك من خرافة غزلياته الكاذبة.

بكل صدق كان يحلو لي أن أمزقه إربًا إربا، لسبب واحد وجيه وبسيط هو أنني كنت أريد أن أرى حدوده القصوى في التحمل، كما لو كنت جلادًا وكان هو الضحية. فعلت كل هذا لأكتشف حقيقة دعواه في حبه الكبير لي. ما كنت لأصدق صراحة أن مجتمعًا مثل هذا المجتمع القذر يمكن أن يلد عاشقًا. لكن بعد كل حفلة تعذيب كانت صفائحي ترتطم وتزداد اشتعاﻻً، وأنا ﻻ أكف عن التحول إلى لهيب سعار جنوني يصرخ بعويل امرأة مست في عناد كبرياءها اللئيم، ومع ذلك راهنت على الزمن حتى ينهار وينكسر.

ورغم هذه الخياﻻت العرجاء والأفكار الوسواسية التي تجتاحني فتعكر صفائي الذهني وتجعلني أخلط الأشياء، حيث أعترف رغمًا عني بالأشياء التي لم أقترفها وﻻ جالت في خاطري، فإنه فنان في ساحة الوغى، حيث يسقط العشرات من الرؤوس، دون الحديث عن السبايا، فيتركني وحيدة منهارة وسط هذه الحرائق التي خلفها في جوفي الحي.

اللعنة.. اللعنة آﻻف المرات على الكتابة التي تقوّلني ما لا أرغب إطلاقًا في قوله، تنصب لي فخاخًا وتبسط عوالم عميقة القعر وشديدة العتمة، إلى درجة أستغرب هذا التورط في كتابة ﻻ تشبهني، وأنا مجرد امرأة معذبة بالشك والحيرة، وتعيسة بسيطة متواضعة إلى أبعد الحدود، وصبورة إلى حد الرق والعبودية. وهذا الرجل المسكون بويلات جنونه الشهواني الشبق يمسح بي الأرض كما يحلو له، وﻻ يمنحني لحظة تشعرني بالوجود الآدمي، أما الوجود الإنساني فهو من العجائب السبع لحكايات الأساطير.

آه.. لو أمكنني أن أقص عليكم قليلاً من الصراط الجهنمي الذي وجدت فيه نفسي منذ عرفت هذا الملعون الذي لم يمنحني أدنى اهتمام، ولو بقبلة دافئة من حين لآخر على شفتي، لينبض قلبي بين فخدي، ويأخد توزيع الدورة الدموية مجراه الطبيعي في نشأة مستأنفة للأنثى القابعة في داخلي.

أكاد ﻻ أصدق الآن قدومه المنكسر، هكذا سأراه يومًا، وأنا واثقة من استسلامه، ولذلك سأظل أنتظر اليوم الذي سينفجر فيه، قدرت ذلك بعد إحكامي الحصار، أعرف بأنه عنيد، كما أن أخلاقه وأفكاره الرعناء التي يعتز بتمثلها، أو ممارستها، كما يقول، لن تسمح له بخيانتي، وهذا صحيح على حد علمي رغم الشكوك التي تنتابني في خياناته المستورة بعشرات الحيل والخدع التي ينثرها مجتمع الذكورة على الرصيف بالمجان للرجال حصريًا.

على أي أشهد بشدة وقوة الخناق الجسدي الذي طوقته به، خاصة وأنا أعلم أنه رهيف الإحساس والعواطف، ﻻ يستطيع ملامسة امرأة ﻻ تبادله الرغبة في المتعة أو اللذة، وربما هذا ما جعله وفيًا مخلصًا بالفطرة، وليس نتيجة الأفكار التي يتشدق بها بفخر واعتزاز، كأنها تمنحه تميزًا من دون سائر الناس. لكن هل يسمح الجسد لمن هو على هذه الشاكلة من الوعي من اﻻنفراد بنفسه في غرفته وممارسة اﻻستمناء، وهو رجل في الستين؟ وهل يجوز له حقًا مشاهدة الأفلام الإباحية؟ ألا تعتبر هذه خيانة من نوع آخر؟ ولماذا ﻻ يجد حرجًا في هذا وهو يعترف بذلك تفاديًا للسقوط، كما يبرر فعلته الشنعاء هذا الغراب النجس وهو يدمر خططي، ويسحقني دون رحمة؟ أليس من الأحسن أن يبحث عن امرأة: زوجة شرعية أو حبيبة عابرة لمتع الليل، أو مومسا، عاهرة محترمة؟ ولم يتصرف بهذا الشكل؟ هل أصدق احترامه الكبير لأبنائه وبناته كما قال بعظمة لسانه، خاصة وأنه ﻻ يريد أن يعلموا شيئًا قليلاً من فشل علاقته العاطفية بأم الأوﻻد، في الوقت الذي يحاول الظهور بمظهر القدوة المثالي في كل ما يتعلق بأسرته، ولو على حساب حياته الخاصة؟

لكن بالمقابل؛ لماذا تسكنني الرغبة في اﻻنتقام من هذا الرجل الذي يشعرني بأنه بهدلني بالتجاهل والنسيان، وأنا أرغب في أن أكون كل شيء في حياته؟ ولم ﻻ أستطيع بجرأة عالية أن أقول له ﻻ أحبك دون لف أو دوران، ومن حقي ألا أشعر بأي ميل عاطفي تجاه هذا الرجل؟ ومتى كان الحب عنوة؟  صحيح أنني صرحت له بكل هذا في الماضي البعيد، لكن ﻻ أعرف أية قوى عمياء رمت بي مرة أخرى في طريقه، وصحيح أيضا أنه كان صادقًا في اختياراته، ومصرًا على السير في الدروب الوعرة التي رسمتها بصيرته دون أن يقترب إلى ما كان جاهزًا من دورب وسخة ومملوءة حد الزحام بالكثير من الناس.

لكن ما شأني أنا بكل هذا الرعب من الذكريات التي توترني وتجعلني أفقد السيطرة على نفسي في كل لحظة، وكأني أبحث في كل ما يحدث عن مبررات للنفور منه، وأحيانًا ﻻ أرغب حتى في تبادل النظرات معه، كما لو كان مجرد غريب مقرف، وعفن تفوح منه رائحة كريهة كأنه لم يعرف الماء منذ وﻻدته. بئس الرجل الموسخ هذا الذي يمزقني في حياتي. ولماذا الكتابة تشتغل على ضد من إرادتي وتنتصر لصالح هذا الرجل البئيس؟

عشرات الأسئلة تحاصرني دون أن أصل إلى أجوبة مقنعة عن شر هذا الصمت الذي رافق تجربتي العمرية مع هذا البغل. كم أحسده على علو صوته ليس فقط أثناء غضبه، بل بشكل أساسي.. حين يفكر في مشاكلنا وسوء تفاهمنا يكون هادئًا رزينا ومنطقيًا إلى أبعد الحدود، لكنه كان عاجزًا على جعلي أعترف له يومًا بأنني كنت مخطئة. إطلاقًا، وواثقة من نفسي بأنه لم ولن يسمع مني ذلك اﻻعتراف الجميل الذي يتقنه الأقوياء للتغلب على هشاشتهم، وحاﻻت الضعف التي تفاجئهم بغبشها الليلي فتعمي البصر والبصيرة.

منحته كعدو لي كل الدروب والممرات المضيئة ليفلت ليس فقط بجلده، بل أيضًا بجسده، كما لو كنت أسهل هروبه مني، حرضته بما فيه الكفاية على اﻻبتعاد والتيه والضلال، لكن كلما خلقت الهوة وهدمت الجسور ونسفت كل الروابط، التي يمكن أن تكون نجمة أمله المضيئة، إﻻ وكان يزداد شراسة في مد الجسور، وإعادة وصل ما انقطع كطفل يستجدي أمه ضد هذا الهجر المدبر اللعين، لم يكن يؤلمه أﻻ يكف عن التظلم والشكوى من هذا الجفاء والتصحر الإنساني، وكان يسألني:

ـ لماذا لم تحاولي ولو مرة واحدة أن تطرحي على نفسك هذا السؤال الواضح الصريح: لماذا لم أفترض براءة هذا الرجل من كل وساوسي؟ ولماذا قمت بمحاكمته غيابيًا بناءً على تأويلاتي الذاتية وأحكامي النفسية العميقة؟ وحتى لو أخطأ ألا يخطئ الناس؟ ألا يتسامحون؟ أﻻ يمكن لهذا الرجل، الذي يشبه البجعة التي عادت إلى فراخها خاوية الوفاض ﻻ تحمل ذرة قوت تطعم به صغارها فقدمت لهم صدرها يشقونه ويحفرون فيه دون شفقة وﻻ رحمة، أن يكون بريئًا وفيًا مخلصًا إنسانًا ولو مرة واحدة في علاقته معي؟

هذه أسئلته ولست معنية بها. ﻻ.. ثم ﻻ.. لست مذنبة إلى هذا الحد، حضوره القوي في عذاباتي التي يجهلها يشوش تفكيري ويمنعني من قول الحقيقة كاملة. قد يكون رجلاً طيبًا متخلقًا صادقًا في كل ما يقول ويفعله لكنني ﻻ أحبه، أو ربما كنت عاجزة عن التواصل مع نفسي لأرى طريقي في هذا الحب اللئيم، ما انطبع في دواخلي من نفور تجاه هذا الرجل يحول بيني وبينه لتبادل تمرير السائل النفسي العاطفي المخصب للعشق والحب الجميل، هي الأمور ربما هكذا، ﻻ تُشرح، وﻻ تناقش. ليستمر في حبه لي كما يشاء، ولي الحق في أن أختار عيشي كما أريد. وﻻ تهمني بعد كل هذا كل حججه وبراهينه التي ﻻ تقهر، ففي الحب ﻻ مجال لكل هذه الحسابات الذكورية المألوفة في عشق وحب الرجال.

* لبنان.

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية