فينومينولوجيا شقاء الوعي (2 ـ2) .. حسن العاصي

حسن العاصي

 

مثقف مستهلك لا منتج

ظل بعض المثقفين العرب ردحًا من الوقت يكابدون مقاربة الكثير من القضايا بمفاهيم أيديولوجية عمدت إلى بتر أطراف الواقع العربي كي تلائم مقاس سرير الأفكار الأيديولوجية التي آمن بها المثقفون، وغاب عنهم أن واقع المجتمعات تتداخل فيه الكثير من العناصر والعوامل الشائكة المتعددة المتداخلة، ولا يمكن بحال أن يتم تحديده بالأيديولوجيا. والبعض منهم سقط في اعتبار الموروث، أو جزءًا منه، معيارًا أساسيًا لمقاربة الراهن العربي، دون الاعتبار للاختلافات المرتبطة بالسيرورة التاريخية، وتغير عاملي الزمان والمكان، مما يجعل من إعادة إحياء الماضي كما كان أمرًا طوباويًا.

من جانب آخر؛ نلاحظ تأثر بعض المثقفين الكبير بالنظرة التحليلية لغالبية المستشرقين الغربيين، هذا التأثر دفع المثقفين للنقل وإجراءات المقاربات بمنظور غربي دون تفكيكه، وبأدوات غربية من دون إدراك المصالح الغربية خلفها.

لذلك تحول غالبية المثقفين العرب إلى مستهلكين للأفكار والنظريات، وليسوا منتجين لها، حيث كانوا منبهرين أمام الفلسفة الغربية وثقافتها. وأكبر الأخطاء التي لم يتوقف أمامها المثقفين العرب منذ عقود، أنهم ـ أو معظمهم ـ رغبوا بشدة في الحصول على إجابات جاهزة من تراثنا وتاريخنا، أو من التجربة الغربية، أجوبة لأسئلة الراهن وإشكالياته وانسداداته، بينما أغفلوا ـ عمدًا أو جهلاً ـ أن عليهم ابتداع أجوبتهم الخاصة، وإجراء مقارباتهم من عمق التجربة في الواقع المعاش، ومراعاة النظرة الشمولية في السياق التاريخي. إن الكثير من المثقفين لم يدركوا أهمية أدوارهم التاريخية، في أن يكونوا مثقفين عضويين ملتحمين مع الواقع، وينغمسون مع هيئات المجتمع غير الرسمية المتعددة في مواجهة السلطة واستبدادها، بل أن بعضهم راهن على أن الموقع السياسي كفيل بتحقيق مشاريعه الثقافية عامتها وخاصتها، مما جعل هؤلاء البعض خارج إطار التأثير المجتمعي.

في واحدة من المفارقات التعيسة، وضع معظم المثقفين العرب أنفسهم أمام خيارات ثنائية «التراث والحاضر، العراقة والحداثة، الشيوعية والأصولية، اليمين واليسار، الأسود والأبيض، أنا والآخر… الخ»، وكأن الأفكار والنظريات والتاريخ قوالب جامدة معبأة في صناديق، فإما أن تحمل هذا أو تأخذ ذاك. هذه العبثية فرضت سطوتها على المثقفين والمجتمع، وأفرزت نماذج متعددة فظهر المثقف القائد دون تكليف، المثقف الذي يمور مع حراك المجتمع كيفما كان، المثقف المتعالي على الناس، والمثقف الناقد الذي يمتلك نظرة ورؤية وموقف وملتصق بقضايا الناس، وهو الأكثر شقاء وشعورًا بالخيبة والبؤس، لأنه يرقب الانهيارات والانهزامات والكوارث التي تصيب العرب في أكثر من مفصل، ويجد نفسه مصابًا بالشلل وعاجزًا عن إيقاف هذا الخراب أو مواجهة طوفانه، وعدم مقدرته على الترميم والإصلاح، في ظروف يعاني فيها من الحصار وضنك الحياة، ويكابد من أجل لقمة العيش.

للشقاء الذي يصيب المثقف العربي أكثر من مصدر، فإن أقدم المثقف على طرح الأسئلة الشائكة الصادمة يتم اتهامه من السلطة الدينية بالزندقة، وتتهمه السلطة السياسية بتمزيق الروابط الاجتماعية، حتى المجتمع نفسه يكيل له تهم تهديد السلام والوفاق الوطني. من جهة أخرى إن واكب السياق العام للمواقف تم اتهامه بالنفاق والمساومة وعدم المبدئية، وإن صمت تكال فوق رأسه تهم الانهزامية والانبطاحية وعدم الجذرية.

يقف المثقف العربي اليوم بلا جدار أيديولوجي، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وفشل المشروع القومي، وتشدد المشروع الإسلامي، وغياب المشروع الإصلاحي التنويري. يقف عاريًا من أي حماية، معلقًا في الفراغ، بدون خطاب موضوعي، بدون إطار مجتمعي موضوعي، مذمومًا من السلطة السياسية، وموضع شك من السلطة الدينية، يشعر بالاغتراب عن نفسه ومحيطه، حائرًا مربكًا غير واثق، يواجه مجتمعًا مأزومًا مثقلاً بالخيبات، وسلطة منهزمة تسعى إما لتوظيفه أو تهميشه أو سجنه أو تصفيته.

 

نهاية منفرجة

من المثير أن تتحول رفاهية الوعي المعرفي إلى فعل مضني ومكابدة للضنك والشقاء، وقد تتحول إلى دافع للاغتراب وسبب للعزلة والانكفاء ثم المنفى التعيس. فامتلاك الوعي في المجتمعات المتطورة يتم تحويله إلى طاقة بناءة تنتج الفعل الثقافي والإبداعي، وتسهم في التطور الاجتماعي، بينما يصبح الوعي في البلدان النامية سببًا للقلق والتوتر ويؤدي إلى الضيق والمشقة، وقد يتحول إلى ذريعة للاعتقال ومسوغ للموت في بعض الحالات.

في المشهد العربي لم يعد كافيًا تغيير بعض السياسات المتبعة من بعض الدول، ولا حتى تغيير بعض الأنظمة القهرية، أصبح لزامًا تبديل العقول وتغيير الأفكار، وخلق وعي مختلف لدى شرائح المجتمع، وهي مسؤولية المثقفين، القيام بتفكيك منظومة المفاهيم والأفكار التي ترسخت في أذهان الناس وأعرافها وثقافتها، وربما تتسبب هذه المهمة لهم بشقاء إضافي، لأن سعي المثقفين لإحداث تغيير جدي في حياة البشر قد يبعدهم عن مواكبة الراهن لانشغالهم في مهام ذات محاصيل استراتيجية، وخاصة إن كان الراهن محتقنًا بالأحداث.

حين تعتمد السلطة السياسية القوة والقهر لإدارة الشأن العام للناس، تبدأ شرائح المجتمع بالتفتت، وتأخذ الجماعات بالانسلاخ عن النظام والعودة إلى أصولها الثقافية كرد فعل تحسسي حمائي بمواجهة تنازل الدولة السياسية عن دورها الطبيعي في رعاية الجميع. ولأن السلطة انحرفت عن تأدية دورها الثقافي والمعرفي، تصبح الثقافة في هكذا ظروف شيئًا يشبه الترف، وتظل أفكارًا ونظريات لا تلامس الواقع، ويصبح المثقف أداة فائضة عن الحاجة المجتمعية لا أهمية لوجوده، ذلك أن قوة السلطة لم تعد تحتاج إلى مبررات أخلاقية وثقافية، ولا إلى مسوغات اجتماعية كي تحقق شرعيتها، لأنها استعاضت عن المثقف ودوره بوسائل أخرى، مثل الاستبداد والقمع والأجهزة الأمنية والترويع الفكري. وبهذه الصورة تكون الثقافة الممسوسة في الجحيم العربي قد رسبت، والمثقف الشقي سقط وفشل.

*  كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

شاهد أيضاً

حسن العاصي

فينومينولوجيا شقاء الوعي (1ـ 2) .. حسن العاصي

  مأزق المثقف العربي أزمة المثقفين المنخرطين العرب ليست فقط أزمة علاقتهم بالسلطة السياسية والدينية، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية