فينومينولوجيا شقاء الوعي (1ـ 2) .. حسن العاصي

حسن العاصي

 

مأزق المثقف العربي

أزمة المثقفين المنخرطين العرب ليست فقط أزمة علاقتهم بالسلطة السياسية والدينية، بل إنها في عمقها أزمة ضمير وأخلاق والتزام يولّد شقاءً أو ينتج جاهًا. فلا غرابة أن يكون المثقفون إما أهم أدوات الدفاع عن الحريات الأساسية للناس، وترميم المجتمعات التي أعطبتها الأنظمة البوليسية، أو أن يكونوا سلاحًا بالغ الخطورة بيد السلاطين، لتزييف وعي وواقع البشر وذاكرتهم وتاريخهم.

من البؤس والوحشة أن يكون الفرد تعيسًا بسبب وعيه. في المناخات العربية التي ابتليت بكافة أمراض النمو، ولم تنل أية جرعة لقاح حقيقية، رغم وفرة الأطباء، تتعدد الظروف التي تضاعف شقاء المثقفين، شقاء يسببه وعيهم المعرفي، وشقاء آخر ناجم عن الإقصاء والتهميش التي تعتمده السلطة كمنهج للتعاطي مع المثقفين، وشقاء يتولّد عن قيام المثقف بالانكفاء والانعزال عن المجتمع طواعية، أو ربما يكون العزل قسريًا، حيث يدفعه تجاهل الجماهير له ونبذهم لأفكاره ومواقفه على الخلوة وترك الشأن العام، عزلة مميتة قد تتسبب بالانتحار الثقافي، وأحيانًا يُرغم المثقف على الرحيل الفكري.

ليست المعضلة في السفر الثقافي، من خلال انتقال المثقف من أيديولوجيا إلى أخرى، ومن مذهب فلسفي إلى آخر، في مسيرته البحثية لاكتشاف الصواب والحقيقة، ما دام هذا الانتقال له ما يبرره فكريًا، ومبنيًا على إعادة قراءة التجربة وتقييمها. أو إن دُفع للانتقال قسرًا، لكن المصيبة في السفر الطوعي الانتهازي، في الانتقال بهدف تحقيق المنفعة الشخصية. الإشكالية المفجعة في السبات الطويل لضمير بعض المثقفين، الذي لا يصحو من غفوته إلا من خلال مقايضات خالية من المنهجية ومن الأخلاق، والطامة في وجود بعض المثقفين الذين هم أشبه بالمقاولين للأفكار والمواقف والخطابات والشعارات، عبر توظيف ذخيرتهم المعرفية واللغوية، في سوق المشتري فيه من يدفع أكثر.

 

خطاب تغريبي

لا يستوي المثقفون في التعريف والدور والتصنيف، فمنهم المثقف التقليدي أشبه بأجير العمل الوظيفي الثقافي، يكرر القيام بما يجيد فعله. وفيهم المثقف العضوي الذي إما أن يكون ملتصقًا بسلطة، أو مناهضًا يسعى للتغيير. وهناك بعض أشباه المثقفين الذين يتسمون بالانتهازية، فترى أحدهم قد انتحل شخصية المثقف ويتلوّن حسب مقتضيات المناسبة وشروط الولاء، ويتحول في كل مرحلة، يقوم بالتشكل حسب القالب كأنه مادة هلامية، يؤمن بأن لكل مقام مقال.

يعاني المثقف العضوي، المشتبك والمساهم في الصراع لإحداث تغيير حقيقي في واقع الإنسان نحو الأفضل، من مأزق إشكالي يتجلى في مفارقة عجيبة، بين دوره الريادي في مجتمعه، وعدم إظهار التقدير والاحترام له من قبل أفراد هذا المجتمع. يظهر المأزق في حالة الإرباك التي يعاني منها رغم نبل أهدافه ورزانة رأيه وحماسه الطفولي، فالمثقف العضوي الحداثي لم يستطع إدراك عدم جدوى فعاليته وجهوده في المجتمع الذي ينشط فيه. فحين تمارس عليه السلطة السياسية أو الدينية القمع والقهر، وتحاصره وتزج به في السجن، يصاب بالإحباط والقنوط حين يلمس اللامبالاة وعدم الاهتمام من الناس الذين كان يؤمن بهم، خاصة أنه يجهد ويناضل لأجل مصالحهم ومستقبلهم، وقد يقضي السنين خلف القضبان لا يذكره أحد سوى في المناسبات الثورية، وحين يموت يخرج خلفه القلة ممن يعرفون القيمة الحقيقية لجهده وأفكاره ومواقفه، وإن كان محظوظًا يرثيه البعض في ذكرى غيابه ويتأسفون عليه.

ربما هذا المأزق، بظني، يعود في أحد جوانبه إلى المفاهيم المثالية التي يتصورها المثقف عن الغالبية الكبيرة من أفراد المجتمع الذين لا يمتلكون مصادر الوعي الثقافي والمعرفي التي يمتلكها المثقف ذاته، لذلك قد لا يلحظ في غمرة اندفاعه للدفاع عن مصالح الناس أنهم ذوي ثقافة تقليدية اجتماعية، يعتبرون أنها ثقافة آمنة تجنبهم سخط السلطات السياسية والأمنية والدينية.

تبدو هذه المفارقة جلية أكثر ربما مع مثقفي الأحزاب القومية واليسارية الليبرالية، وهو ما يفسر سبب انسحال هؤلاء وفشلهم في الالتحام مع الجماهير. وفي مقابل هذا الفريق من المثقفين هناك طائفة أخرى من المثقفين التقليديين، الذين تمكنوا من التأثير على مواقف البشر وأفكارهم، لأن المثقف التقليدي تربطه بمحيطه الاجتماعي تداخلات اجتماعية وتاريخية ومكونات متوارثة. واتضح أن المثقفين التقليديين الذين يبدون كأنهم جنود قدامى متقاعدون، أكثر تأثيرًا وفاعلية في المجتمع من المثقفين الليبراليين واليساريين، من خلال مقدرتهم على التواصل مع الجماهير، رغم أنهم مثقفون غير متنورين وعايشوا فترات زمنية مغايرة تمامًا عن عصرنا، وخبروا نظمًا اجتماعية وسياسية وعادات وتقاليد ومشاكل تختلف تمامًا عن النظم الحديثة التي يعيشها الإنسان المعاصر، إلا أنهم يمتلكون ثقافة يصل الناس إليها بدون مشقة، ويتسلحون بمرجعيات فكرية وفلسفية يخبرها الناس، ويستخدمون رموزًا مألوفة للعامة، بعكس المثقف التنويري الذي يجعل الناس تنتقل إلى عوالم زاهية يكونون فيها مواطنين أحرارًا يتنعمون برغد الديمقراطية، لكنه بالمقابل يكون غافلاً عما يدور حوله من شقاء وضنك للحياة، وقمع وقهر تمارسه السلطة.

مأزق المثقف اليساري لجوءه إلى الأفكار والأيديولوجيا الغريبة عن مجتمعه، واستعماله المصطلحات التي لا يفقهها الناس، والتي هي بالأساس مفردات مرجعيته الفلسفية التي تشكل مذهبه. بظني أن هذا الاغتراب عن الناس هو الذي جعل من الخطاب الثقافي التنويري العربي عديم الفعالية، وأحدث الأزمة الثقافية الراهنة في نهاية المطاف، والانتقال إلى مرحلة مختلفة سمتها فشل الفكر الحداثي وسطوة الأفكار الظلامية.

معظم المثقفين لا يدركون أنهم يخاطبون جماهير لا تعيش في قلاع الأيديولوجيا، ولا تنام على سرير الفلسفة. إن ما يظهر أنه مسلمات بديهية بالنسبة للمثقفين، ليس هو كذلك بالنسبة لعامة الناس، وإن دعوة بعض المثقفين للجماهير أن ترتقي بأفكارها إلى مستواهم المعرفي، ما هي إلا أوهام مريضة، ودليل لافت على اتساع الفجوة بين الأفكار والمعرفة النظرية للمثقف الليبرالي وبين أفكار مجتمعه، فجوة لا تساعد على تحقيق أي انسجام وتناغم بين الطرفين من جهة، وتعمل على تعميق أزمة المثقف من جهة أخرى. فنجد بعض المثقفين يبتعدون عن مجتمعهم، وبعضهم يشتمه، والبعض الآخر يتعالى عليه. إن التطور الهائل في وسائل الاتصال والثورة المعلوماتية أسهم بصورة سحرية في سهولة الحصول على المعلومة، وجعل العالم متعدد الثقافات ومتنوع الأفكار، وأثرى العقول بالمعرفة، لكنه في ذات الوقت غرّب المثقف عن عالمه المحيط.

 

 شقاء الوعي

من أشهر أبيات الشاعر المتنبي «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم»، هذا البيت ثري بالحكمة، وهو ينطق بالمعنى، ولا يحتاج تفسيرًا.

لقد بدأ الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل مشروعه الفلسفي في نقد نظرية الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط وغيرها من النظريات الفلسفية بوصفها شديدة التقييد، حيث طور ما يدعى بالتفكير الديالكتيكي، أي التفكير الجدلي.

ربط هيغل مفهوم «الوعي الشقي» بإحساس الفرد بالاغتراب عن نفسه ومحيطه، اغتراب يسببه العقل الجدلي التنويري للمثقف العضوي، ومقدرته على الاستبصار.

جان بول سارتر اعتبر أن المثقف هو ذاك الفرد الذي يسعى للقيام بواجبات لم يكلفه بها أحد، إذ أن المثقف العضوي المترابط مع قضايا الناس يشكل الضمير والوجدان المجتمعي، لكنه ضمير يشقى في سعيه الوصول لغاياته.

الأديب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي ذكر إن الإفراط في امتلاك الوعي ما هو إلا علة، علة مرضية حقيقية وتامة. وقال مرة إن العقل هو الذي يقوده، وذلك تمامًا ما تسبب في ضياعه.

إن أفظع ما في القضية، في نظري، هو أن تفهم كل شيء، فيمكن للوعي ببساطة أن يتحول إلى مصدر للتعاسة والشقاء، ومن سخرية الأقدار هنا أن يصبح الجهل نعمة لصاحبه غالبًا. فالإنسان القانع بحياته والراضي عن واقعه لا تقلقه الأسئلة، ولا ينتظر إجابات، ولا يشغله البحث ولا تستنزفه الأفكار، فهو قابل بما يمنح له من حقوق. لكن الإنسان الذي يمتلك ناصية الوعي والمعرفة، فإنه مصاب بالقلق ومتوتر بالأسئلة، يبحث دون كلل عن إجابات ترضيه، متعطش للعلم والتقدم، منسحق تحت وطأة المفارقة التي تأزمه، وهي بين وعيه المعرفي الذي ينشد الأمثل، وبين واقعه الرديء.

فالوعي العميق بحقيقة الأشياء وإدراك أبعادها يتسبب بالعذاب للبشر، بحيث يبدو أن أفظع ما في القضية هو أن تفهم كل شيء. ذلك أن الفرد الواعي يمتلك نظرة شاملة، وبعدًا أعمق للقضايا، وطموحًا يسعى للأفضل، ويمتلك عقلاً متفحصًا ناقداً محللاً، ووعيًا يمكنه من إجراء المقاربات واقتراح البدائل.

الإنسان الواعي، صاحب خاصية النفاذ إلى عمق القضايا وجوهر الظواهر، يمتلك العزيمة وملكة الإقدام للمضي بحثًا عن الحقائق، ولديه الجرأة لمواجهة وتعرية كل ما هو زائف ومبتذل وسطحي.

هذا حال المثقف، حيث أن كثيرًا من المفكرين كانوا يصنفون شرائح المجتمع إلى صنفين «الخواص والعوام»، ومنهم الفيلسوف وعالم الاجتماع ابن خلدون، ووضعوا المثقفين في خانة الخواص، يمتلكون المعرفة ويفتقدون الحظ.

 

جلد الذات الشقية

هل يمكن أن تتحول الثقافة من وظيفتها الفكرية في تطوير العقل إلى مس يصيب المثقفين بنوبات التعاسة؟ وهل يصبح الوعي المعرفي بما يتضمنه من أفكار سامية مصدرًا للشقاء؟

عانى المثقفون العرب دهرًا الرهبة والخشية المستمرة من قمع وقهر السلطتين السياسية والدينية، فظلت أسئلتهم مبتورة، وبحثهم غير مكتمل، وخطاهم متعثرة، وشعاراتهم وعباراتهم مواربة، ودورهم ضبابيًا، وعلاقتهم بالناس ملتبسة، وخطابهم مراوغًا، لذلك لم يكتمل مشروعهم، وأحلامهم تم إجهاضها وبقي وليدهم يعاني من ضعف ووهن في النمو. ولأن معظم المثقفين العرب لم يتمكنوا من توجيه الانتقاد الفعال للسلطة، بسبب السياسات الاستبدادية التي اتبعتها معظم الأنظمة العربية وأدواتها الأمنية بحق المثقفين، وبالتالي لم ينجحوا في مهامهم، ولم يتبلور مشروعهم التقدمي، لجأ معظم المثقفين العرب إلى سياسة نقد الذات وجلدها بقسوة، وتأنيب أنفسهم لهزائم وكوارث العرب التي لا تتوقف، وبالتالي عجزهم عن إجراء أي تغيير حقيقي في مجتمعاتهم. هذه الانتكاسات التي مني بها العرب ما هي في الواقع إلا نتيجة السياسات غير الصائبة والخيارات العشوائية التي أقدمت عليها بعض الأنظمة العربية، التي غيبت بالكامل دور الجماهير في تقرير مصيرها، ولم تتمكن من بناء دولة المؤسسات، لكن وحدهم المثقفين هم الذين نسب إليهم أبوة الهزيمة.

الراهن العربي بخيباته وبؤسه دفع الكثير من المثقفين العرب أن يخطّئوا أنفسهم ويتحملوا مسؤولية الشقاء الذي حل بالأمة، وعانوا من الإحساس بالذنب، ومنهم من انتكس وانكفأ على ذاته من مجتمعه، مما أنتج حالة من الاغتراب والشقاء لدى قطاع واسع من المثقفين الذين سقطوا في جادة توبيخ أفعالهم وتقبيح فشلهم، لكن هذا النقد الذاتي للمثقفين العرب لم يكن علميًا ولا موضوعيًا، بل كان عاطفيًا انفعاليًا غالبًا، بدلاً عن انكبابهم على نقد السلطة وسياساتها، وتحليل مواقفها ومواجهة تسلطها، وتفكيك إشكاليات المجتمع والبحث عن مكمن العلة.

بالرغم من سياسات الإقصاء والتهميش التي تعرض لها زمنًا المثقفون العرب، وما زالوا، من جانب معظم الأنظمة العربية تاريخيًا، ومعاناتهم نتيجة فقدان الحرية والمناخات الديمقراطية، وانتهاك حقوقهم من السلطة، وشعورهم بالاغتراب وسحق روحهم الإبداعية، إلا أن المثقفين العرب يجدون أنفسهم مسؤولين بشكل مباشر عن إنجاز الأهداف الإنسانية السامية التي جاهدوا لتحقيقها في مجتمعهم. ويشعرون بتأنيب الضمير الأخلاقي، فيقومون بتوبيخ حالهم على ما آلت إليه أحوال البلاد والعباد.

لكن في الحقيقة؛ هل المثقفون وحدهم يتحملون مسؤولية هذا الشقاء، وهل يجب أن يسددوا أثمان الخسائر التي لا تتوقف التي مني بها العرب؟ وهم الذين ظلوا منبوذين وخارج مؤسسة صنع القرار، ولم تأخذ يومًا أية سلطة عربية مواقفهم ورؤيتهم على محمل الاحترام، بل كانوا دومًا في موضع الشك الأمني. هنا المثقف يجلد ذاته على هزائم لم يتسبب بها، والمجتمع لا يعفيه من المسؤولية، والسلطة لا تقيم له وزنًا، ويبدو الأمر وكأن المثقفين قد شاركوا في جرائم الإبادة الجماعية في رواندا. هذه المفارقة تمثل الموت البطيء بالنسبة للمثقفين الذين يمارسون بحق أنفسهم رقابة ذاتية صارمة، قد تؤدي إلى الانسلاخ الإرادي عن المجتمع، بحيث لا يستطيع المثقف أن يعبر عن نفسه، ولا يتمكن من إخراج هذه الأفكار بصورة تسهم في تطور مجتمعه، حيث الإشكالية الشقية هنا أن الالتحام مع الناس يثير غضب السلطة، والتقرب من أجهزة السلطة يعني الانسلاخ عن الناس وهمومها وواقعها.

يبدأ المثقفون بالتساؤل عن أسباب هذا الوضع المربك المقلق والمشوش، فهل هم في الجبهة الصحيحة لخوض المواجهة مع أسباب التخلف والإخفاقات والانكسارات التي أصبحت سمة الأمة العربية، وما هي أسباب فشل المشروع الإصلاحي التنويري النهضوي، هل السبب في الرؤية أم في العقل أم في الوسائل، في الاستراتيجيات أم في العجز عن فهم وتحليل الراهن، هل الإشكالية في التوقيت أم في طبيعة الأهداف وتحديدها؟

* كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك.

شاهد أيضاً

حسن العاصي

فينومينولوجيا شقاء الوعي (2 ـ2) .. حسن العاصي

  مثقف مستهلك لا منتج ظل بعض المثقفين العرب ردحًا من الوقت يكابدون مقاربة الكثير …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية