فيلم رعب من فضلك .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

لماذا يفضل البعض مشاهدة أفلام الرعب التى تحبس الأنفاس؟ لماذا يزج البعض بنفسه فى تجربة مخيفة قد تجعله عاجزًا عن الحراك من فرط الرعب وهو يدرك فى الوقت عينه أن ما يجرى ما هو إلا مجرد خدع غير حقيقية؟

لماذا يشعر البعض بالسعادة بعد فيلم رعب شيق وكأنه قد تماهى مع البطل الذى انتصر فى حربه ضد بعض الأشباح أو الملعونين؟

كثيرًا ما يسألنى البعض لماذا تفضلين مشاهدة أفلام الرعب دون غيرها؟ وكنت أسأل نفسي لماذا أستدعى تجربة خوف مروعة جراء قصة مرعبة ألا تكفينى مخاوفى الحقيقية، أم أننى أحاول إغراق ذاتى فى قصة وهمية أغرق معها مخاوفى المتنامية.

تستهوينى حقا أفلام الأشباح والشياطين، وترعبنى وتبهر أنفاسى وتجمدنى عن الحركة، ولكن بالرغم مما يعترينى من رعب مفرط لا أقوى على مقاومة مشاهدتها.. قد يكون لأن بعضها يعتمد على قصص حقيقية مما يجعلها موغلة فى الرعب، كفيلم «أيميلى روز» الذى يعتبره هواة أفلام الرعب أمثالى نموذجًا مثاليًا لفيلم رعب يجمد الدماء فى العروق.

ولكننى سأبتعد قليلاً عن هوايتى التى قد تثير ضجر البعض لأحاول اكتشاف إقبال البعض على قصص الرعب عمومًا، سواء فى السينما أو فى الإذاعة، أو فى أدب الرعب الذى حقق مؤخرا مبيعات كبيرة.

حيث يرى أرسطو أن من يستمتع بقصص الرعب والمسرحيات التى تحوى أحداثًا عنيفة أنها جزء من حاجتهم للتنفيس عن مشاعرهم السلبية، فى حين يؤكد الروائى الأمريكى المتخصص فى أدب الرعب ستيفن كينج أن أفلام الرعب تعمل على نزع فتيل المشاعر السلبية والعدوانية لدى البشر مما يساعد على حفظ التوازن النفسي المجتمعى.. حيث يقول «كلنا لدينا مخاوف ونزعات انتحارية ورغبات جنسية، فأفلام الرعب تحقق شيئًا من هذه الرغبات، وبالتالى تقلل من قدرتها الفيزيائية على التحقق».

عند حديثنا عن أفلام الرعب فإننا نتحدث بديهيًا عن مخاوفنا والأمور التى تسبب لنا حالة من الذعر غير المفهوم.. حيث يرجع عدد من الباحثين هذا إلى جينات المرء والطبيعة التى ينشأ فيها، أو ما يمكن تسميته بالفطرة، أى ما يرثه البشر جينيًا من عادات أسلافهم فتصبح جزءا من تكوينهم الطبيعى.. إذ يقول كاتب العلوم ديفيد كوامن إن أول أشكال الوعى البشرى التى دلت عليها الآثار الأحفورية كانت هواجس الإنسان القديم أن يجد نفسه وقد تحول لوجبة طعام لغيره من الكائنات المفترسة.. كل هذا جعل منه كائنًا خائفًا حذرًا.

قد لا تولد قصص الرعب نتائج مشابهة للتعرض للافتراس والمطاردة من قبل دب فى غابة، ولكنها تحفز تفاعلاً يحاكيها.. ففي مسح أجراه توماس يترتب عام 2010 اكتشف أن أفلام الرعب تعمل على تحفيز مناطق معينة فى الدماغ، مثل القشرة البصرية والمهاد، ويقود هذا التحليل إلى ما يصفه الطبيب النفسي الأمريكى غلين والتز بأنه شد أعصاب متعمد تسببه ثلاثة عوامل رئيسية، هى التوتر الذى يرافق الغموض، وارتباط المشاهد بما يجرى أمامه، وأخيرًا إدراكه أن كل ما يحدث ليس حقيقيًا.

كما تؤكد نظرية الدكتور دولف زيلمان بعنوان «نقل الإثارة» على أن مشاهدة أفلام الرعب تقلل مخاوف الإنسان خصوصًا عندما ينجو الضحية فى نهاية الفيلم.

فيما لاحظ أستاذ علم النفس مارفين زوكرمان ميل الأفراد لنيل الشعور بالإثارة، من خلال عوامل صناعية تحاكى مخاوف الإنسان، مثل الأفعوانيات الخطيرة فى مدن الملاهي.. حيث يعزو كرومان شيوع أفلام الإثارة فى الوقت الحاضر أكثر مما مضى إلى كسر الملل وتخطى بؤرة التعود، وهكذا يستمر سقف الإثارة فى الارتفاع يومًا بعد آخر.

ولكننا لماذا نسعى لتوليد مشاعر الخوف عبر الخيال؟

إحدى الإجابات المتاحة ترى أن مشاهدة فيلم رعب تتيح لنا اختبار تهديد ما دون أن يصيبنا مكروه حقيقى وملموس، فهو يخولنا لخوض مواجهة مستمرة مع مخاوفنا دون عناء البحث عن طريق عودة آمن، أى المشاهدة وفق ظروف بيئية سليمة نسبيًا.

ويذهب البعض إلى أن السينما تتغذى على أكثر مخاوفنا اعتيادية.. ففى دراسة لـ نوبو ماساتاكا المختص بعلم الأعصاب والحيوان؛ وجد أن الأطفال فى عمر الثالثة كانوا أسرع استجابة لصور الثعابين من صور الزهور، وهذا لا يعنى التسبب فى الرعب بل الاستجابة العصبية لخطر الموت.

فقد اعتمدت بعض هذه الأفلام على تحويل ما هو بديهى إلى مصدر خوف، مثل أن تستقى من فكرة الملائكة والشياطين لاختراع مفهوم الأشباح التى تراقبك وتطاردك.

كما حولت الجسم البشرى نفسه إلى مادة للرعب مثل الزومبي «الموتى الأحياء» أو مصاصي الدماء.

وقد لجأت بعض أفلام الرعب إلى تحويل مصادر البهجة إلى مفردات مخيفة مثل تصوير مهرج كمصدر رعب حقيقى، أو تحول دمية تسعد الأطفال إلى قاتل يتغذى عليهم.

وفى النهاية.. هل يصبح الخوف ذلك الشعور السلبى ملاذًا آمنًا ومصدرًا للارتياح فى عالم ملئ بالمفترسين والملعونين؟

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية