فيزياء وحدة الكمّ .. عادل بلغيث

عادل بلغيث

 

في الصحراء

تعجز عن تصديق أنّ كلّ هذا الليل لك

تحبّ أن تمشي لقلبك، ثم قلبك

حتى تبكي على صخرة ليس لها وجه لتبكي .

 

هذا الطريق القصير بين رجليَّ والقمر

يستوقف لي ظلالا من أحبة

هو ليس كدرب الآلام في القدس القديمة

فالصلبان في داخلي.. تلك

المشارط في الخيال

 

مرة أخرى أخرج كالحلازن

لمجرد هطول المطر

وأحتفل كالبرية بالذئاب،

وبالزيزفون الذي بلغ ثلاثين مترًا من السماء.. ولم يتحرّك

وأفتّت البيض المسلوق في الساحات

كلّما خفتُ أن لا أدخل الجنة

وأسترق السّمع

علّني أصطاد نهيق حمار في الغمام، عائد من غمام قديم

 

أحاول أن أقرأ حواف الجبال.. على الغروب

وأصغي إلى مخارج حروف القيء في السّكارى

علّها رسائل لي

علّني مجنون.. ينبش عن عقله في المكان الصّحيح

والزمان الخطأ

 

بعدها

أشرع في التدرّب على الكون

فأدخل في بطن زورق وأخرج مذعورًا

لأذوق عودتي إلى الحياة

وأوقف التنفس في صدري ثمّ أزفر، لأحاكي صناعة الرياح

أقف للحبيبة.. وأجلس للقصيدة

آكل لأحزن.. وأكتب لأبقى

أدخّن وقتي.. وأعيش سيجارتي

 

أحيانًا

أنظر إلى السماء وهي مجرد معبر بين الجهات

فأقول كيف لي وأنا الصغير أن أعدّ النجوم

كيف لها وهي الكبيرة.. أن لا تعدّ سوى الحمام

 

كل يوم أرى أنّ مواعيد السفر قد صارت أهمّ من البيوت

وأنّ الموت بلا علة.. انتصر على الأمراض

وأنّ الفلاحين قد فشلوا أمام مستثمرة الجنرال

خيبات تتوالى وتضيء في سفوح السّرد،

أينَ تُطلقُ القرية ضفائر من رائحة القهوة

وتفتح لأنوفنا إبطيْ صرختنا الأولى

 

ليس ما يثبت وحدتي

غير اكتظاظي بالشجر المطبوع على ورق الذهن

وجُلاسي الآتين من حقول الباطن

فكل ما يؤلمني صغير/ كبيرٌ

كسلسلة جبلية على عنق الحنين

وقمر يفتّت العيون على جسده

 

وكلّ ما يؤلمني قويّ/ ضعيفٌ

كأصوات القطارات، والرياح والمياه

وقد فشلت في صناعة أبجديتها

ونجحت في صناعة أبجديتي

 

قبل هذا الليل، كنت أنا

لكنني أثناءه، أبحثُ في مكتب عقلي عن اسمي بين الأسماء.

الأحضان بقصاصات مرقمة تتقاطر بين ذراعيّ

وظلال القُبل تمشي بلا شفاه على شفتيّ

كلّ شيء لي.. لكنني لا أقوى على حمل كلّ شيء

تدخل أطيافُ الواثقين بأبعادهم فأبادرهم:

نعم

أنا أعرف الإيمان لكنه كاللبن

لا يظهر فيه الطّعم الأزرق للمرعى

وأعرف الحزن

يأتي من اصطدام بذرتين تتسابقان على السّماء

وأعرف الحلم

يسجن الشّمس في إحدى فقاعاته.. وينعدمانْ

وبالوحدة أحاول تفسير كل شيء

فأرى أنّ العالم يتسع،

من أجل أن يبقى لوحده

والسّديم يصرّ على شكله الجنيني

كي لا يعطينا أبعاد من نعبد

والظلام لا يشبع من هضم الألوان.. كي لا يقوم بعمل آخر

أمّا الضوء، فتسارَعَ كي لا يَعُدّ الموتى ولا الأحياء

وتربّع فوق عروش الكتلة.. وهو بلا كتلة

لا شيء يريد أن ينتهي.. أو يبدأ حتى

 

من أجل ذلك

فكرتُ أنْ أضع كالطريق، رزنامةَ مشيٍ لأنسى حافتيَّ

وأقلّدَ مسامات جلدي وهي تقرأ  مجلدات النسيم ولا تستعرضها عليَّ

وأحاكي متوحّدًا يتبادل الابتسام مع وجهه الخفيّ

ومجنونًا لا يسأم من المؤاخاة بين الدماغ والفراغ

أنا ببساطة ذلك السفليُّ الرافع لكل الأثقال.. من الحديد إلى الشُّرود

 

آهل بي وبما لا أرميه مني

كأنّ عجين العيد في الذاكرة.. هو مرض السّكر

وكأنّ ركود الحلم على الحزن هو ضغط الدم الشرياني

كأن من تودعه، يدسّ أيامه في أيّامك، فيصاب الحاضر بالسّرطان

 

أعي جيدًا.. أن لا مضيعة للريح.. تلك الرمال

فالعواصف تنفيس خارج أعمدة العادة والقادة

وأعي أنّ الأبد.. ساعة تفقد العقل شيئًا فشيئًا

وأنّ المعرفة صانعة للمتاه على الاتجاه 

فعن أي ذخيرة يتحدث القائد.. ومصير الحرب

بيد الرسائل التي يقرؤها الجنود

عن أيّ سعادة يتحدث الفقهاء

والمعاني مصابة بداء التاريخ مهما عاشت

 

هذه الوحدة.. آخرة بيضاء

ففيها عين الله مغرورقة بطيور البحر

ورائحة الخبز المحمّص.. نبيّة

والفقراء على قارعة الطرق.. مجلس علمي

والقطط الشاردة التي قتلتها الشاحنات ملائكةٌ

وأبي عامل المنجم يعالج بخبرته وتمتماته الصوفية الثقب الأسود

وأمّي باسمةً تعدّ لي الكسرة.. لأنني في قلبها مجاهد ما زال لم ينتصر

 

هذه الوحدة روتين صفاء

فيها تتذكر أن تطوي يدك اليمنى في اليسرى

وتكاشف الأزهار أنّها تدوسك كلّ يوم

وتخبر الأسطح الحمراء أن لا شيء ينقصها عن الفردوس

 

وتتمنى لو كان الوطن سنديانة،

فلا علم ولا ألمٌ pygmée

 

هذه الوحدة خلوة الوقت فينا

وهو يفكّر كيف يكون

فيا وقت أعطني الوجود لا أسماله :

هواؤنا مخادع.. لو أظهر ثقله كما أخفاه

لحفرناه

والأرض مخادعة.. لو أظهرت خفّتها كما أخفتها

لدرنا حول الله

 

ضوء النجوم موتُها

البحر منحنا مكانه فاخترعنا الاسطرلاب

وأنسانا زمانه فاخترعنا الغياب

 

الانسان الأعلى

يطلعنا أنّ له أمّا تولد دومًا بعد الحرب

 

القلب يعيش في السّديم

ولا يصيغ لنا معادلة واحدة

 

العقل يشتري الخبز كل صباح

بسيّالة عصبيّة مكلفة

 

أيها الوقت أعطني معنى أن أكون جسمًا إن راقبني الناس

وأن أكون كونًا إن لم يرني أحد

أعطني كتاب حديقتي لا حديقتي لأقلب صفحات الزمن دون انتظار الفصول

أعطني صلابة الأمعاء حين استعصت على النار

واسترخت لصناعة الأوتار

أعطني الصندل الذي لا يستطيع أن يدّخر خطوة واحدة

ولا أن يشطرها إلى جيشيْن

أعطني جلد السمندل

لأتباهى أمام الليل الواسع ذي اللون الواحد

أعطني اعترافًا بالنبوّة حين أنسج قفازات

وأنا لا أملك الثلج ولا الأيادي

أعطني قمرًا على كلّ قصيدة ذكرتُ فيها القمر

أعطني ما تنفقه على التماثيل من زمن لتمرّ عليها

وما تعطيه للكواكب من ضوء كي تبقى فقط خالية

 

كن واضحًا

ففي المهد أخبرتني أنني الكائنات

وفي القبر تخبرني أنني لستُ غيري

 

لا تكن واضحًا

حتى تبقى اللانهاية قائمة قبل أن ننتهي :

في حبة القمح بين فم طائر وفم البندقية

في رفّة الشِّعر بين سطرين، كلاهما لم يكتبا

في العلاقة الحميمة بين القطبين السالب والموجب

في المغناطيس الذي يعدّل مسار الطيور المهاجرة ولم يره طائر واحد

في الموت الذي لا يشترط تنظيم مكتب الحياة ونحن نغادر

في كل هذا البؤس الذي لم يعد مقنعًا بدخول عدن وجناتها

في الدموع التي تدوّنها الملائكة بدل أن تمسحها

في الحقد الذي يأتي من الحب

في العجلة التي علمتنا الفيزياء.. لنعلمها الوحدة والشعر

في حياة النحل بين صنع العسل وفقده

 

في الساعاتي الذي لا يجرؤ على إضافة ثانية واحدة في الزمن

في ميلاد السلام بين فجوات الحروب فقط

في الإبرة الزمنية التي تمارسُ التّجريد في السّديم

 

في مبدأ الارتياب الذي من خلاله نصير احتمالات

لا تدفنها الحقيقة ولا تؤبّدها الأسئلة

 

في الصحراء تعجز عن عدّ رملك ..

وعن إعطاء أسماء لكثبانك

تدوسك الأقدام فلا تجد الألم الكافي لكي تموت

تحركك الرياح فتضحي سماء مؤقتة فقط ليلعنها الجميع

مرادف أنت  للعطش.. لأنّ الماء الذي فيك يكلّفهم أعماقك

ولا يكلّفك غير الصمت ..

فانعم ففي الصحراء كلّ هذا الليل لكْ

* الجزائر.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية