فلاش .. حسين عبد الرحيم

حسين عبد الرحيم

 

كنت أبحث عن ظله، ظلها، فوق أوراق الشجر في فيلم قديم.. كانت تخطو بثبات نحو الكاميرا وهي لا تدرك، بل لا تعي مفهوم الزمن، ولا دلالة الصورة.. حتى وهي تغني وتنظر لمركب وحيد بلا مبالاة.

تتذكر الآن، والعقود تترى من ماضٍ لم يبق منه غير وشيش شريط الصوت وصورة مهتزة للبطل «الجان»، الأرعن.

كان المخرج قد أقنعها بأن هذه الخلفية لا تعدو إلا صورًا مصمتة، بالية، لا معنى لها إلا استكمال «الفول جراوند» وظهورها بفتون، وقد امتلأ الكادر بنصف جسدها الأعلى كبطلة رومانتيكية وحيدة بلا منازع، وتحديدًا صدرها البض المخنوق أسفل فستانها السواريه الذائب في نثار لؤلؤ يتوهج مع فلاش كاميرا المصور الفوتوغرافي الغبي، رغم نهار الدنيا داخل الفيلم.

لم تكن تدرك أن هذه البقعة البيضاء من نجمة شاحبة ارتسمت على شراع المركب الوحيد هي ما سيبقى في الكادر طويلاً رغم سيولة الزمن والفارق الرهيب بين ما كانت عليه وما أصبحت في.. خمسة عقود وهي تغني لجماهير تعشق هذا الصدر الطافح على شاشات التليفزيون وفوق المسرح.. تأخذها نشوة الرغد في العيش وتجليات الشهرة، وهي التي كانت ستحتفل في اليوم الأخير للتصوير بعيد ميلادها الثالث والعشرين، صارت تتحرك وحدها في فضاءات الفيلا بالساعات لتعود لنفس الفيلم القديم، وتدير ماكينة العرض في غرفة معتمة، وهي تتأمل صدرها، صورها القديمة مع المخرج والمؤلف ومدير التصوير الذي مات بالأمس، داخل قماط شتوي، أمام المدفأة، كانت عيناها تبحثان عن أشياء كثيرة خمدت وانزوت ولم يبقَ إلا ذكريات التصوير والفيلم الوحيد، في نسخة قديمة.

ويتوالى عرض السيرة من خلالها، وهي تودع الرحلة في تلك الليلة الأخيرة، أوقفت العرض وبدا لها المركب البعيد وقد قفز فيه شخص كان يعشقها بجنون في زمن فائت، تحاول التذكر وقت أن سقطت دمعة وحيدة مالحة تنزلق لصدرها الذي تهدل وقت أن أنصتت بفزع لصوت ستائر تتمزق، رغم تأكدها من إغلاق كافة النوافذ والشرفات.

شاهد أيضاً

رضى كنزاوي

هبوط اضطراري .. رضى كنزاوي

  معنوياتي منهارة كالاتحاد السوفيتي قلبي بارد كأكياس الرمال عند الخنادق الحربية حزني طويل كعارضات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية