فكرة متطرفة .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

إنها تقفز بداخلي، تتحرك في كل مكان داخل عقلي، ألمحها فوق قطعة صفيح تنزلق مثل هؤلاء الذين يتزحلقون على الجليد، ثم ما إن تذهب للأسفل، وتكاد تخرج من أذني، حتى أجدها سقطت فوق «سوستة» وعادت للأعلى من جديد. وأنت معها يا لوسيفر، أراك مُعلقًا في ذيلها.

هي أفكار تشبه الخيال، ولكنه خيال شديد الحدة، خيال يقترب لحد الواقع، يجعلك تعتقد أنك قادر حقًا على كسر كل القواعد، وفك كل ما يكبلك، من أجلها.. معها تعتقد أن هذا ما ترغب في فعله، تفكر كأنما أنت الشخص الذي في خيالك عنك.. أي تفكير مزدوج، أن تتخيل نفسك كما تريد، ثم تفكر كما يتخيل هذا الخيال، ثم تظن أنه واقع قابل للتحقق، هي سيدة القصر، السيدة الأولى.

أتعرف يا لوسيفر؛ رغم أن موقفي العدائي نوعًا ما نحو الأنثى ليس عدائيًا عنصريًا، وهو ليس محل الحديث عنه الآن، إلا أنني مع ذلك أعتقد أن بعضهن خلقن ليصبحن في مقام رفيع، لا تحتاج أن تتصرف بشكل معين، أو ترتدي زيًا مميزًا، أو تفعل أي شيء مختلف، هي فقط تفعل ما يحلو لها، ليكون طريقًا لغيرها، ليكون منها الطريق نحو الظهور.

هي تعيش حياة ما، هو يعيش حياة أخرى،هما مختلفان تمامًا، هي شخصية ما بمزاج ما بظروف شديدة التعقيد.. هو يعيش حياة عادية، أقصى تطرفها عاديٌ جدًا.. هي أبسط تصرفاتها متطرف جدًا بالنسبة له. لكن هو يراها الأعظم، في خياله الأكثر جموحًا، والذي لا يتناسب مع أي شيء مما عاشه أو يعيشه أو تربى عليه، وكل ما سيقابله.. لو قرر أن يكون خياله.

الأعين العسلية، النظرات، الهدوء، القوام المناسب، الشعر البني، العقل ميزة النساء، الرصانة، الوقار، التجربة، السمو، الكبرياء، كل ما تحتاج أن تتصف به امرأة الخيال. فهل يلام على فكرته المتطرفة يا لوسي؟

على كلٍ، ما فات مثال للفكرة المتطرفة، ومدى جموحها ومدى حقيقتها، والرغبة في خروجها، فكرة لا تصلح له ولا لها ولا لأكثرنا، في هذا المجتمع، مجتمعاتنا، وسط هؤلاء الذين تربينا بينهم، لأن كل ما فيها متطرف.. بالنسبة لهم، هم الذين يخرج من بينهم كل فكر عقيم، ونحن نعيش بينهم ونكبر ونفكر ونكون مثلهم، بحكم العادة والطبع، الذي ينتصر على كل شيء نريده، ليس لأنه حرام أو عيب، ولكن لأنه فقط متطرف، غير مرغوب فيه. فنحن نحرم ما حلل الله على أنفسنا، لأننا متطرفون، ممتلئون بالتناقضات حد التعقيد، الذي لا نستطيع أن نفسره أو نفككه.

* من حكايات «نفسي ولوسيفر».

شاهد أيضاً

حسن العاصي

الحريق الكبير.. المهمشون قادمون (2 ـ 2) .. حسن العاصي

  سوسيولوجيا الاختلاف إن الضغوط التي يلقيها المجتمع على أفراده وسياسات التهميش والإقصاء التي تمارس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية