فرن عم عاطف .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

لم يكن هذا المكان كغيره من الأماكن التي أمر عليها، وأنا ألعب مع صديقاتي في الشارع.. كان مكانًا مخيفًا أتوقف عنده وترتعد فرائصي.. كان ذلك الفرن في مواجهته مقابر، كنت أشعر بقشعريرة غريبه تسري في جسدي حينها. فكنت أعتقد كطفلة ساذجة أن عم عاطف هو أحد زبانية الجحيم، والفرن هو الجحيم ذاته الذي يعذب فيه الله عباده المخطئين، وأنهم سيعودون للحياة بعد قيامتهم من الموت ليلقوا مصيرهم المحتوم، ووقتها كنت أجري حتى لا أتذكر ما سيحدث لهذه الأجساد المقامة التي يكسوها الله لحمًا كي يشويها، حتى خلتني أشتم رائحة الأجساد المحترقة من فرن عم عاطف.

كانت هذه هى صورة الله الذي يتلذذ بعذاب البشر صنيعة يديه، ويتفنن في صنوف الألم الرهيب.. إله يشوي الجلود ويحرق الأجساد ثم يبنيها من جديد لتعاد الكرة إلى الأبد.

ترسخت هذه الصوره المرعبة في ذهني وطفقت أبحث عن إجابة لتساؤلات جسام، لم يحمني منها مرجعية أو وعي جمعي، أو حتى رعب، بل تصاعدت الأسئلة تزامنًا مع مخاوفي اللامتناهية، والتي أخذت في الازدياد كلما كبرت.. فهل الله حقًا يقف خلف الفرن لينتظر أجساد الموتى المقامة حتى يذيبها في النيران الأبدية؟ وهل يوازي مثل هذا العذاب ما اقترفته أيديهم من آثام؟

تذكرت كل هذا وأنا أسير في ذلك الشارع اليوم، والذى أصبح شارع عم عاطف وليس شارع اللحوم الآدمية المشوية، كما كنت أعتقد.. لم يبدُ لي مخيفًا كما كان من قبل، بل بدا لي شارعًا عاديًا ترقد فيه أجساد موتى في هدوء ووداعة تنتظر رحمة الله لا عذابًا سرمديًا.

والفرن تفوح منه رائحة عجين أوشك على النضج، ولكن استغرقني هذا التحول سنوات طوال، جعلتني أزعم أنني أدرك كنه الله الحقيقي، وأنه ليس بهذه الصورة المرعبة والتي طبعتها ذاكرتنا عما كنا نسمعه من تهديدات صادرة عن وعي مشوش مضطرب.. فهو إلهٌ حانٍ محبٌ يشفق على عباده الخطاة كما تشفق الأم على وليدها.

والآن صار شارع فرن عم عاطف أملً جديدًا في المغفرة، وليس سلسلة لعذابات جهنمية.

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

29 سنة .. هكذا عشت .. وائل خورشيد

  أتكاسل حتى يكاد كل شيء ينهار، ثم أثب وثبات طويلة تسبق الجميع، ثم أقف …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية