فراق .. نادية شكري

نادية شكري

 

التقطت أذني بقية تفصيلات الحادث، وكيف دخلت العربة «الكارو» بحمولتها من حديد التسليح لتخترق الجانب الأيسر من سيارة صديقتي فتقتل «وفيق» على صدرها.

أخذت مكاني في قطار الصباح التالي.. ماذا يقولون ويفعلون في مثل هذه المواقف؟ لم أذهب من قبل لواجب العزاء سوى مرة واحدة، ولم أنطق وقتها بكلمة واحدة، كنت أرقب المعزين من الرجال يفترشون الفناء الخارجي للبيت الريفي الكبير ذي الأسوار الحديدية الصدئة بفعل الندى، وكان «المنادي» منذ صباح ذلك اليوم، وحتى بعد صلاة العشاء، لا يزال ينادي باسم المتوفي ونسبه وعائلته ومكان العزاء، ويتوافد المعزون من القرى المجاورة، بينما كانت النسوة يتربعن على أرض القاعة الداخلية الكبيرة، وجلست أنا ضمن من جلسن على المقاعد التي اصطفت بجوار الجدران.. أحسست أنهن ارتدين اللون الأسود خصيصًا لأجل صاحب العزاء.

في القطار؛ قبعت أمامي امرأة ضئيلة، ترتفع أقدامها عن الأرض، ذكرتني بخالتي الوحيدة، شعرها الأسود الفحمي اللامع، تذكرت حبها لي، كانت تصنع لي عرائس القماش وتتركني أختار لها الأسماء، مرض «القلب» جعلها أكثر رقة، هشةً كندف الجليد، وقتها كنت في الثانوي، وكانت هي في زيارة لأسرتي، وذهبت أوصلها للقطار وأودعها، صدرها يعلو ويهبط من المرض ومن شدة تأثرها بالوداع.. أحسست للحظة أني لن أراها ثانية، كانت عيناي تحتويانها حينما قالت: ليتنى بقيت حتى أعرف نتيجة الامتحان وأراك تدخلين الجامعة، فأموت مستريحة.. أجبتها بتأثر وكأنني أقسم في قاعة محكمة: سأرسل لك صدقيني بمجرد ظهورها حبيبتي لا تقلقي، بالله عليك فقط اعتني بصحتك.. أوشك القطار على مغادرة الرصيف، تجلس هي شيئا ضئيلاً منكمشًا يلهث صدرها، ويرهقني صعوده وهبوطه، كدت أسأل القطار أن تلين خطواته رأفة ببدنها الضعيف، لكنها ماتت قبل ظهور نتيجتي.

«ملعون أيها الفراق» نطقت بها بصوت مسموع حتى بادر من يجلس بجواري: أفندم؟

هكذا أيضًا صرخ صوتي «عفوًا» وأنا في عرض الطريق أعبر الشارع حيث منزل صديقتي.

كان الباب الخارجي موروبا، المصباح الأصفر الباهت الذي يتدلى من سقف الحجرة المقابلة يزيد المكان عتامة، في حين كانت الغرفة الثانية مظلمة تمامًا.

دفعت الباب برفق وأنا ألتقط أنفاسي بصعوبة.. كانت صديقتي تجلس في نهاية الردهة، في مواجهة الباب، رأسها منكسة تسندها بكفيها المتكئتين على حجرها، جلست أمامها.. نظرت إليَّ في تراخٍ ثم ارتمت في صدري في نشيج معذب، أحسست بقلبها هو من يأخذ العزاء، يقبع منقبضًا وسط مائه ودمائه، تتواتر انقباضاته بين صعود وهبوط، تزأر دقاته المكلومة داخل قفصها الصدري كنمر حبيس، يجأر، تنطلق الطرقات الصارخة من أعماقه إلى أعماقها.. أذوب ألمًا وتأثرًا أمامها.. تهزني اهتزازات رأسها، تدعو للدهشة، للشفقة وللتحدي.

استندت بظهرها للوراء وأنا أسحب مقعدي الخشبي وأضعه قبالتها.. تتبسم في أسى وهي تقول: أحضره من المطار بعد طول غياب فيقتله بغل.. يموت بين أحضاني على صدري، كان أبي وزوجي وحبيبي وصاحبي، بل كان ابنى كان يناديني «ماما».

قلت: العمر كله لو كان دمعة لزرفناها عليه، لكن انظري كيف أصبحت في يومين يا حبيبتي؟

بدأت النسوة في التوافد المسائي.. يفترشن كل ما يمكن أن يتخد مقعدًا، من تمص شفتيها في غير تصديق، وأخرى تحرك رأسها وترمق الجالسات، واحدة تنهمر دموعها يهزها النشيج، ولما سألت قالوا إنها بائعة بالسوق وقد فقدت ولدًا في حادثة مشابهة منذ عقدين، في آخر الغرفة جلست سيدة عجوز تتهامس مع من تجاورها على السجائر في يدي ويد صديقتي .

على الحائط المواجه لمقعدي واجهت عيني لوحة لم ألحظ وجودها مذ قدمت، تحوي فتاة شقراء تمسك بأعلى سروالها الداخلي الصغير من الجانبين يكاد يسقط مع حركة يدها المتجهة إلى الأسفل، غالبت عيني الصورة، وحين ارتفع صوت المقرئ في الخارج، وعلا الصراخ بالداخل، أحسست بالحصار، لقد وضع لهم «وفيق» توقيتًا للصراخ.. وجدتني أجري رغمًا عني ورغم صوت مكبر الصوت، علا صوتي: ملعون أيها الفراق.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية