فاطمة عبد الله تكتب: من العتاب ما أعجب

 

فاطمة عبد الله

من دخل القلب فهو آمن بروضٍ يتحرك بين أفنان مودته، ومُأمّنٌ على قلبٍ أسلم قياده للمحبوب، لذلك إذا ما اعترت يد المحبوب رجفة، أو شملها تغيير يضطرب ماء الحب بالفؤاد، ويبدأ زبد العتاب في الظهور.

 

وشعرنا العربي ـ وإن قلت فيه قصائد العتاب ـ إلا أن الموجود منها يعد دررًا فنية، ومرايا مصقولة تعرض دقائق القلوب والنفوس.

وتعد أبيات دعبل الخزاعي في عتاب مسلم بن الوليد من أجمل القطع الموشاة في فن العتاب الأخوي، وأرقى اللوحات الإنسانية صياغة، إذ يقول:

أبا مخلد كنا عقيديْ مودةٍ هوانا وقلبانا جميعًا معًا معا

أحوطك بالغيب الذي أنت صائني وأجزع إشفاقًا من أن تتوجعا

فصيّرتني بعد انتكاثك متهمًا لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا

غششت الهوى حتى تداعت أصوله بنا وابتذلت الوصل حتى تقطّعا

وأنزلت من بين الجوانح والحشا ذخيرة ودٍ طالما قد تمنّعا

فلا تُلحيني ليس لي فيك مطمعٌ تخرّقت حتى لم أجد لك مرقعا

فهبك يمينى استأ كلت فقطعتها وجشّمت قلبي صبره فتخشّعا.

 

لعل حسن اختيار الألفاظ وحسن تنسيقها كان له الأثر الكبير في إظهار وجيعة نفس دعبل، مما تتحمله من تغيّر مسلم بن الوليد (أبا مخلد)، فما أروع ” عقيدي مودة” في استظهار مدى الترابط بين مودتين صارتا عقدة واحدة، من شدة الارتباط بين خيطيْ حرير يمتدان بين قلبيهما، أو قد تكون “عقيدي مودة” إيحاء بأن المحبة بينهما صارت” عقيدة” مشتركة، يؤمن بها قلب وعقل كلٍ منهما، كذلك “ذخيرة ود” يدل على ذائقة مدققة فى انتقاء اللفظ – ليس فقط كونه مشيرًا للمعنى – بل حاملاً للمعنى بكل ما يحيطه من معانٍ أخرى.. فالذخيرة وإن كانت عدة المحارب، أو كانت ما يُدّخر من قوت، فهي أيضًا ما يدخره المرء من صالح عمله لآخرته، كما أنها ما يدخره المرء لوقت الحاجة، وكل هذه المعاني تحتويها حروف خمسة فقط (ذخيرة)، إضافة لكل ما يتعلق بتلك المعاني من أجواء نفسية وفضاءات روحية، أما البلاغة الحقة فتكمن في إضافة “ذخيرة” لـ “ود” ليصير لفظٌ من حرفين هو حوائط عالم يضم قلبيْ “الخزاعي وابن الوليد”، وكأن الشاعر بحسن انتقاء “ود” أراد أن يبين قرب المسافة بينه وبين صديقه، فـ (الواو) بخروجها بانضمام الشفتين إلى الأمام دون اتصالهما، مع وجود فرجة يمر من خلالها الصوت، تماثل قلبيهما القريبين، مع مراعاة أن كلاً منهما في صدر صاحبه، بينما ما يمر من خلالهما هو(الود) بكامل رقته وقواه، على حين يكون مخرج حرف (الدال) من طرف اللسان من جهة ظهره، مع ما يحاذيه من أصول الثنيتين العلويتين، مع عدم ارتفاع أقصى اللسان، دلالة على دقة الشاعر في اختياره حتى للحرف المشبع بالمعنى.. إذ أن (الدال) حرف مستفْلَت مرقَّق، وكأن الشاعر أراد باستخدامه هنا الإيحاء بأن مودتهما رقيقة تستفلت من قلبيهما في سلاسة، وكأنها ماء الفؤاد ورواؤه، فتنساب في رقة الحرير ونعومة الغدير.

 

أيضًا الشاعر سابق عصره في إبداعه آليات للتعبير المكثف، فكما ظهرت براعته في استخدام الكلمة والحرف، نكتشف مهارته في التكثيف والتقطير للفظ من خلال استخدامه لاسم الفاعل (صائني) والمشتق من مادة (صون) بكل ما تفيض به الكلمة من معانٍ مثل:

الحفاظ على صَوْنِ الحقوق ووقايتها، وحفظ الشئ في مكان أمين.. وحفظ الكرامة عمَّا يعيبها أو يشينها، كذلك من معانيها حبْس اللسان عن كل قول فاحش، وحفظ ماء الوجه، وصيانة العِرض ووقايته مما يعيبه، والحفاظ على العهد، وكلها معانٍ إن تجمعت تصنع من فسيفسائها لوحة رائعة لكل الأوجه التي يجب الحفاظ عليها ووقايتها من كل ما يشينها، إضافة إلى ما يصاحبها من نظافة الوعاء الحافظ لها.. القلب.. وتعهّده بالصيانة وما يلزم للاعتناء به، والقيام الدائم على مراعاته، كما لو كان القلب مُهْرًا لابد من القيام على حافره بالعناية والموالاة.

 

كذلك استخدم الشاعر آلية المونتاج المتوازي ليقرّب للقارئ أو السامع حجم ما بين الصديقين ـ دعبل الخزاعي ومسلم بن الوليد ـ من روح مودة مشتركة، وحتى يجعل المتلقي فى النهاية يشارك الشاعر حالاته النفسية المضطربة في الأبيات، ففي الوقت الذي يكون فيه دعبل (يحوط) مودة أبي مخلد مسلم بن الوليد، يكون ابن الوليد (صائنًا) لها في ظهر الغيب لصديقه الخزاعي.

 

نلاحظ من الإشارة البسيطة السابقة أن النص ـ وإن قصر عدد أبياته ـ إلا أنه يتميز بدقة السبك وحسن الصياغة وجودة المضمون، فهناك علاقة واضحة بين النَظْم المتناسق للأبيات وبين الترتيب المنطقي للأحداث، من بيان شدة المودة التي كانت معقودة بين الصديقين، واتحاد قلبيهما، وما ترتب عنها من نتائج كالإحاطة والصيانة، ثم ما ترتب على انتكاث عهد المودة بينهما من ارتباك الشاعر حتى صار يتهم نفسه، وما آل إليه الأمر من غش طرأ من مسلم بن الوليد لعهد المحبة، ما أدى إلى تقطُّع أسبابها، مع ما يحيط تلك الوعكة القلبية من مشاعر موجعة، تجعل (دعبل) في النهاية يصف هذه المودة التي كانت عونًا لقلبه، وسندًا له كأنها (يمينه) التي سرقت بهجة القلب ودِعَته، فكان لابد له من الاستسلام، بإقامة الحد عليها بالقطع، مهما جشّم ذلك قلبه من ألم ووجيعة، ليكون ختام الأبيات جامعًا مانعًا للجو النفسي المحيط بهذا المشهد القائم على فكرة الاسترجاع (الفلاش باك) والمقدَّم للقارئ عبر آلية المونتاج المتوازي، وباستخدام لقطات تتنوع بين العامة ـ عند وصف العلاقة ـ والعدسة المقربة (زووم) عند وصف الحال المعنوى، وليكون ختام الأبيات بمثابة كلمة (النهاية) للقارئ المشارِك حد الرؤية والمعاناة والذوبان:

فهبك يميني استأكلت فقطعتها وجشمت قلبي صبره فتخشّعا

 

وكما قال الإمام عليّ: “اعلم أن لكل ظاهر باطنًا على مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث ظاهره خبث باطنه”. فقد أورد الشاعر فى بداية أبياته “قلبانا معًا معا” ـ عندما كان ظاهر المودة معبرًا عن جمال وصدق وجودها بالقلبين ـ بينما ختم بـ”جشّمت قلبي صبره فتجرّعا” وكأن البداية كانت بقلبين متحدين مودة، وانتهت لقلب متفرد بتجشم الوجيعة.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية