فاطمة عبد الله تكتب: الضوء إيقاع الدراما فى «وداعًا صديقى المهرج»

سهير شكري

كقدم على القمر، ما تكاد تلمسه حتى تتباعد، وما تكاد تتلمس طريقا لصنع جاذبية ما تربطها به، تأتى المراوحة فى العلاقة بين النص وكاتبه.. ما بين شد وجذب.. إطاعة وتطويع.. تداعٍ واستدعاء.. تبادل دور القائد فيما بينهما.. ويظل الرهان على أيهما له أحقية ملك زمام الآخر والتحكم فى مقود الدفة، وبينهما أيضا يتردد موقف المتلقى ما بين متماهٍ أو تابع أو مشارك، وهذا عين ما فعلته الكاتبة سهير شكرى فى روايتها (وداعا صديقى المهرج) الصادرة هذا العام عن سلسلة الإبداع العربى فى ثلاث وتسعين ومائة صفحة، على صغرها تحوى عوالم تمس جوهر الوحدة والوحيد. وتمثل بطلةً روحُها مصلوبةُ على محور الصمت.

واتخذت الكاتبة، فى رحلتها عبر الرواية، متكآت تمدها خفية للقارئ وهى تراهن على فطنته فى التلقى  منها:

 

تنام ووجهها للحائط

تتناول الرواية حكاية هدى التى تعيش بنفس منسحبة فتسلم مقودها لزوجها ليظل متحكما فيها ميتا وحيا- وقصدتُ تقديم ميت على حى- إذ أنها ظلت واقعة تحت وطأة سجنه حتى قبيل ارتفاعها للسماء روحا طليقة، وظلت الكاتبة تمد لقارئها حبل التواصل فتكرر لفظ الجدران فى أكثر من موضع وبعدة طرق وتؤكد أنها” تنام ووجهها للحائط” وأنها تختنق من دخان السجائر فتخرج للشرفة تستجدى الهواء، وأنها حين جلست وبيدها فرشاتها وأمامها بالتة ألوان كانت تنظر إلى سقف الحجرة تارة والى اللوحة تارة أخرى وكان هذه فقط هى مساحة البراح المتاحة لها( جلستُ مخنوقة، محبوسة.. الوحدة تدق بابى بعنف.. ترتعد الجدران.. يتأرجح المصباح الوحيد فى غرفتى.. تتصارع الأخيلة.. تتراقص وتتكاثر أمتطى أحصنة الخوف تتضخم الأخيلة تكثر تحتل كل الأرجاء تبزغ لى من بين الجدران روح الصمت الخبيئة.. تلمع فى العتمة.. لا أفكر فى شئ وكأنى فقدت أى رغبة فى الحياة) تؤكد الكاتبة من خلال بطلتها على أنها مفعول به أو فيه، وعلى أن كل تلك المسافات الضيقة هى الحيز الفاعل.. هذا الفاصل بين السقف واللوحة.. بين وجهها والحائط.. هو براحها الوحيد، لتذيب القارئ  معها فتتماهى الحدود بينه كمتلقٍ وبينها كراويةٍ للحدث متألمة منه، ليأخذ القارئ صف البطلة، وبالتالى تكون الكاتبة قد أحكمت قبضتها عليه ووجّهته إلى ما تريده تماما، فكيف لا يتعاطف قارئ مع امرأة تقول ص10(ذات صباح رأيته ينزع قميص نومى من جوار بيجامته على الشماعة ويلقى به على الأرض) وكيف لا يتأكد لديه أنها الواصفة نفسها بـ (أصبحتُ منسحبة أحيا بشكل آلى… لقد أصبح سجانى وجلادى (وهذا ما يؤكده قولها ص 65( أيقنت أن للمكان سطوته وحضوره داخلنا ولسنا نحن بداخله).

وحين كررت الكاتبة إشارات البطلة وهى تتحدث من خلالها عن تشابه بدايات علاقتها بالمهرج” الذى نعتته بزائرى ومنقذى”  وبدايات علاقتها بالرجل ذى البدلة السوداء وإصرارها على استضافته لأنها تراه أيضا “زائرها ومنقذها”ص102 وأخيرا بـ”مراد بهجت”، كل هذا يوحى بأن الكاتبة قد تستبدل أحدهم بالآخر فى أى لحظة، وكأنها منحت القارئ ضمنيا ما يعظّم لديه روح “الراكب” القابض على دفة النص، حتى لكأنه يستشعر، للحظة، أنه بدّل مكانه، ويمكنه إكمال الحدث الجديد على منوال الحدث القديم.. وهذا فن إدارة الكاتب للقارئ من ناحية وقبض زمام أمر النص من ناحية أخرى.

بينما حين تركت الكاتبة- عمدا أوسهوا- للنص حرية الاسترسال وتقديم التفاسير، تكون بذلك قد منحت نصها سلطة إدارة الكاتب والقارئ معا، (ص129 و136)،حين فسرت لماذا تسمي البطلة المسرح بالمخلِّص، وحينما قدمت شرحا لأبيات صلاح عبد الصبور، وهو تفسير أراه قد أفسد التكثيف، بينما تجلّت سلطة النص كاملة فى الجزء الأخير من الرواية (النهاية). 

 

الضوء إيقاع الدراما

جملة من الجمل المفتاحية للنص، رغم أنها وردت فى ص 163، لكن رهان الكاتبة على فطنة القارئ سيجعله يتذكر أن الراوية/ البطلة بدأت لوحتها الأولى بـ:(تغزو الظلال الفاحمة مواقع الضوء، تنحّيها وتحل محلها ظلال سوداء متدرجة.. يملأ صفحة اللوحة دخان كثيف) ليستخلص إلام تشير الظلال والضوء هنا، ويدرك كيف وظفت الكاتبة سهير شكرى (النور) كمعادل موضوعى لمعنى حياة تفتقدها، فتقول ص26:(طلع الصباح على العالم فى ذلك اليوم إلا أنا لم أرَ النور ولا الشمس طالعة، ولم أرَ زوجى ولا أثاث البيت ورأيت الدنيا كلها قطعة صماء من ظلام…) لأنها أصيبت بعمىً هستيرى احتجاجا على أناس تتمنى ألّا تراهم… فحين (يكون الألم عظيما تخرس الألسنة وتحتجّ الأعضاء).. بينما قدمت فلسفتها الخاصة وبررت كيف يكون الضوء/ النور هو الذى يصنع الدراما- ص 163-(يحتج الضوء على الظلام فتنشأ المطاردة والصراع، ومن هنا يتأكد الحضور الإنسانى ويفصح عنه من خلال هذه الدراما كما أن الضوء يُخلّص الأشكال من رتابة وجمود السكون لأن الضوء يتحرك داخل اللوحة عند نقاط أو مساحات قد تقوم بديلا عن الأصوات العالية والمنخفضة وذلك فى سطوع الضوء أو خفوته وهذا يوحى لنا بالحركة ويؤكده الجانب الدرامى فى اللوحة).

 

الطيور

تارة تكون معادلا موضوعيا لنفس البطلة، خاصة حين تتحدث عن الطيور المنكسرة ص 73، وتارة تكون معادلا لحلم الخلاص فتتمنى أن يكون لها جناحان مثل الطائر فتنطلق حرة، وثالثة تكون مرآة ينعكس عليها نواتج الجشع الإنسانى فتتحطم أجنحتها وتموت، ورابعة تكون إشارة لمقدم الموت/ الرجل ذى البدلة السوداء، وخامسة تكون الطيور إنباءً بما سيؤول إليه حال البطلة(حين تعافت ورفرفت بأجنحتها وطارت فرحة بعد أن كانت أشرفت على الموت) وأخيرة كانت هى المكافأة التى أشار إليها الموت(جُزيتِ بحياة ممتدة لتعاطفك مع الطيور وحرصك الشديد على إنقاذ حياتها) ولعل “النهاية” بطيورها هى التوكيد الحق لذلك.

ولعل أكثر ما أود الإشارة إليه هو:

 

متتالية اللون

التى استخدمتها الكاتبة فى مفتتح كل لوحة من لوحاتها السبع- ولعل رقم 7 فى حد ذاته جدير باستيقافنا لدلالته وموروثه- لكن يظل اللون فاعلا موازيا من ناحية وكاشفا من الناحية الأخرى، ويجدر بنا قراءته جيدا لا قبل اللوحة وإنما بعد قراءة ما جاء فيها، لندرك كيف كانت براعة الكاتبة فى توظيفه: على سبيل المثال لا الحصر اللوحة الأولى: (الظلال الفاحمة تتحرش بالفراغ المختنق)

اللوحة الثانية: ألوان الاكليريك البهيجة الواضحة الملفتة.

اللوحة الثالثة ألوان مائية شفافة رقيقة

اللوحة الرابعة بـألوان فلوماستر فسفورية ملفتة رسمتُ بقعا لونية رائعة مبهجة.

اللوحة الخامسة: “أرسمُ بألوان زيت من الصعب محوها تؤكد أن هذه اللوحة باقية محتفظة بألوانها وراسخة مهما طالها من عوامل طبيعية”

اللوحة السادسة: بألوان الباستيل بدرجات اللون الوردى..

اللوحة السابعة: “بالقلم الرصاص وبالأبيض والأسود لأُسلّط الضوء على الضوء.. الضوء إيقاع الدراما”.

وكأنها صنعت نصا موازيا أو ” نصا مرآة” ينعكس عليه ومن خلال ألوانه ما يحدث لنفس الراوية/ البطلة.

كذلك:

 

المهرج

وكيف وظفته الكاتبة” ليتلبس أدوارا كثيرة منها:الروح المرآة لها”يتلبسنى وأتلبسه”، “مُناظرٌ لزوجها”.. “صديق مصاحب/ رفيق”، و”منقذ” من الوحدة، ومناقش ومشجع.. كما أنها أنسنت هذا المهرج وكانت تجاهه كما كان بيجماليون مع جلاتيا.. فكانت تشفق عليه من الوحدة فتحمله تحت إبطها وهى ذاهبة للسوق، كما كانت تخشى نقاشه لها ومعاتبته حين تفعل شيئا خارج البيت، وتعود متحسبة من نظراته أو تعليقاته..كل ذلك مغلف بروح ساخرة خفيفة الظل، بالإضافة إلى صدق العلاقة بينهما خاصة حين كان يجذبها من يد الرجل ذى البدلة السوداء/ رجل الموت.

كلها متكآت أرسلتها الكاتبة فى رسائل نصية للمتلقى وتركت له أن يجمع مضمون كل رسالة/ متكأ، ليخرج بوظائف كل منها، وليتشارك مع الكاتبة فى نسج الرواية، وهنا أيضا تكون الكاتبة قد صاغت دور “القارئ المشارك” ومنحته هذه المتعة.. ليظل النص قابلا للتأويل، ولتظل فكرة “السلطة” فكرة مراوغة تراود كلا من النص والقارئ معا.

شاهد أيضاً

أمل نصر

روعة أن تكون مجنونا لبعض الوقت .. أمل نصر(1-2)

  امتلك جيرار جاروست شجاعة سرد سيرته الذاتية في أحاديثه ، تلك السيرة الغريبة التي …

تعليق واحد

  1. بالتوفيق والنجاح ان شاء الله

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية