فاطمة عبد الله تقرأ: نداء الجبل في «نجمة ترقص معي»

الميلودي شغموم

“انسَ الجسد.. وكن روحا نقية.. ارقصْ من هنا إلى العالم الآخر.. لا تتوقف.. لا تحاول الهرب.. حتى لو كنت خائفا أن تموت”.. مقولة لجلال الدين الرومي استحضرتني حين قراءة رواية (نجمة ترقص معي) للكاتب المغربي الميلودي شغموم، ربما لكون الرواية تتمتع بأسلوب سردي متميز، متكون من جديلة من روح بعض المتصوفة وأفكار بعض المتشائمة، متضفرة مع آراء الكاتب في قالب جيد الصنع محكم النسج كإنتاج نحلة ماهرة أحسنت فرز الرحيق لإنتاج عسل مصفى متجانس القوام.

وربما لأن الموضوع الرئيس للرواية يأتي من مشكاة التصوف وأنوار الفكر الفلسفي، فالرواية رحلة بحث عن الجميل والجليل، وعن النور والمدى.. عن العدم الذي يجب أن تغرق فيه من جديد لتلد نجمة ترقص.

الميلودي شغموم تبعا لماسبق، كاتب يتخذ لنفسه قاموسا ذا مدلولات وظيفية خاصة، عن طريق التلاعب بزمن الحكي وتحكمه فيه، فهو يعرض للحدث على سبيل التذكر والاسترجاع، مستخدما الفعل الماضي، وبدلا من أن يستمر في استخدام هذا الفعل للتعبير عن مضي زمن الحدث، نراه يستخدم المضارع المقترن بسين الاستقبال، أو عن طريق تلاعبه بفنية شديدة بعلامة الترقيم، النقطتين فوق بعضهما، ليعيد توظيفها بصور مختلفة حتى لا يقتصر استخدامها على التفسير فقط، بل تصبح تعبيرا عن المونتاج المتوازي للحدث كقوله: (كانت معرفتي بالزاهية عن طريق العنبري، في هذه الفترة سيتعرف على بيت الحاجة طامو، وعلى الزاهية، سيعشق الزاهية، إلى حد أنه لم يعد يجد متعة الجنس مع غيرها من النساء المحترفات أو غير المحترفات: أم العنبرى تزوجت سبع مرات، وبعد سابع زوج هربت إلى مكان لم يعرفه أحد).

كذلك يُحكم “الميلودي” قبضته على مَلَكة التلقي عند القارئ، فيقوم بـ”مَنْتَجَة” القارئ فيجعله يتقبل أفكارا، ربما يتحفظ على بعضها أو الكثير منها، لكنه، أي القارئ، يتقبلها طواعية طالما هي آتية في النسق المحكم الذي يقدمه الكاتب، او لأنها تتسق والشخصية المعبرة عنها، كذلك وبحرفية شديدة في لحظة يكاد الكاتب يوهم قارءه بأن زمن الحكي قد توقف بتوقف حياة سعيد الشطي الشهير بالمتفرد، ليبدأ زمن العقل، ولتتخذ الكتابة مستوى جديدا في السرد يكاد يشبه المقالة، يتم فيه مناقشة أفكار تحمل طابعا فلسفيا خالصا أو ميلا صوفيا واضحا، يناقش خلاله قضايا تُعنِّى الإنسان كقضايا الجبر والاختيار والحرية والارادة والنور والعدم، حتى ليكاد القارئ في هذه اللحظة يقول إن الرواية أصلا ما كانت إلا مجرد إطار اتخذه الكاتب وسيلة لعرض هذه المناقشات، ورغم هذه النقلة النوعية من سرد قصصي لمقال أدبي، إلا أن الميلودى شغموم ماهر فى أسبقية إعداد القارئ، وجعله يتقبل الجذب إلى ذلك النسج الجديد، متذوقا بشهية العسل الجديد من رحيق مختلف، فالكاتب سبق وجعل القارئ يأتلف، وهو معتقد أنه يقرأ سردا روائيا، جعله يأتلف مع شكل سردي مغاير حين أورد كلاما عن طبائع الحيوان ليخلص منه إلى تحذيرات يجيد “الميلودي” توظيفها وتضفيرها في الأحداث، ثم تتجلى مهارة عملية “منتجة” القارئ حين يعود به الكاتب من جديد لمنطقة السرد القصصي، مقدما له مفاجآت فنية تتعلق بنجمة الشطي وعلاقتها بالزاهية، وبأخيها سعيد الشطى. محدثا بذلك منطقة وهج جديد في الأحداث.

لا يتوقف الصراع في الرواية على حد الصراع بين الشخوص ومناقشة أقدارهم وأفكارهم، بل يورد الكاتب كثيرا من الثنائيات الضدية التي تعمق في أسلوب ساخر، في بعض مواضعه، تعمق الإحساس بالكوميديا السوداء لحياة هؤلاء الشخوص، أو لحياة الإنسان عامة، فالزاهية تتملك المال والرجال بجمالها، وأخت سعيد تتسول المال بعاهاتها الثلاث، والشطي كان يكره الدنيا لكنه يتهافت عليها، والعنبري يكره النساء لكنه يجري خلفهن يتنفسهن أكثر مما يتنفس الهواء.

لعل من أهم ما يميز رواية (نجمة ترقص معي) أن ينتقد الكاتب على لسان الراوي أحمد الفوطي، أستاذ الفلسفة، ينتقد كثيرا من أساليب غير تربوية في تنشئة الأبناء: (هل كان والد الشطي هو المسئول عن حاله حتى يرسم على راس ولده خريطة العالم كله بواسطة العصا!!)، كما ينتقد دور الساسة في إحداث فجوات اجتماعية واقتصادية بين الموظف في البنك ومديره، إضافة لانتقاد الأخلاق وطرق التفكير السائدة التي تجعل الناس يقتاتون من خطابات قديمة، ويكتفون بفتاوى من رجال لم يُعملوا العقل في النصوص بل لم يقرأوها أصلا، هادفا من هذا الانتقاد دفع الإنسان إلى الاحتراز وإعمال العقل لنمتلك البداية الصحيحة (البداية فقط أن تتحرر من عاداتك، من تعودك أن تفعل كل يوم نفس الشئ سلوكا وتفكيرا وشعورا).

أدعوك عزيزي المتلقي لقراءة (باب الأقاصي) بتأنٍ، لتتمتع بمساجلة راقية، حتى لو أبديت تحفظاتك.. أدعوك لمشاركة شخوص الرواية مأزقهم الإنسانى وتأرجحهم بين السؤال ورجاء الإجابة، لتدرك من أين يأتي الصوت المرتبك بين الغابة والجبل، بين النور والعدم، بين الطيران والغرق، بين المفاهيم والصور، ولتتساءل معهم: هل هو كذلك أمْ أنه صوت يرتبك في قلوب أقسى القساة وعتاة التائهين أمام الأدب واللطف والمحبة، أو لتدرك حقيقة قول سعيد الفيلق: إذا لم تختر موتك فإنك لن تستطيع اختيار حياتك، وإذا لم تعرف كيف تموت فإنك لن تعرف كيف تعيش.

في (باب الأقاصي) الجامع المانع والدر الخالص لمناقشة منطقية يريد بها الميلودي شغموم إحداث رجة تبدو عنيفة للعقول، لكنها رحيمة نبيلة في هدفها.. فهو يدعو إلى استعمال العقل قبل الإيمان وعدم الاكتفاء بملخصات أـشخاص لم يقرأوا النصوص الدينية ولم يتمعنوا فيها، فيقول على لسان سعيد الفيلق: (أدعوكم جميعا إلى التفكير في ألّا تجعلوا من هذا الربيع خريفا قبل الأوان: إن الجفاف يتهددنا على الدوام).

النجمة التي ترقص قد تجدها في داخلك.. الكاتب يقول ان إحدى شخصيات هذه الرواية تقول إن البشر جميعا يحملون، على الأقل في طرف من اللسان أو العين، زهرة نور تشبه نجمة ترقص.. تضئ وتعطُرُ فلتبحث عن النور والمد بداخلك امتثالاً لأمر الرب بـ”اقرأ”.. لتقرأ النور الذي يربط الدواة والورق بواسطة القلم.

شكرًا للكاتب الرائع الميلودي شغموم على تلك الرحلة الممتعة بين الغابة والجبل.. رحلة الأقاصي.. وشكرًا لكم شركاءً في اكتشاف النور والتمتع بنجمة ترقص معنا.

شاهد أيضاً

الذئاب على الأبواب رواية جديرة بالمطالعة .. حميد الربيعي

  أحرص دائمًا على التواصل مع الأستاذ أحمد خلف، سواء بالزيارات الشخصية أو متابعة أخبار …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية