غريب .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

قبل عشرين سنة وقع شيء غريب لم يعد يقع الآن، ولا يمكنك أن تجد أحدًا ما يتحدث عنه الآن في المجالس، أو تجده مكتوبًا على صفحات الجرائد.

لا يهم أن تعرف المكان، فقد بدا حينها أن ذلك الشيء الغريب الذي وقع قد وقع في العالم جميعًا، ولم يقع في مكان محدد، أو منطقة جغرافية بعينها. لا أذكر إن كان ذلك الشيء مألوفًا حينها، فقط حين أتذكره الآن أجده غير مألوف، ولا شك أني أحكم عليه بمعايير الحاضر وليس بمعايير الماضي.

كان الأمر يبدو مثل رؤية شخص بسروال ثوب واسع من الأسفل وشعر كثيف وقميص مفتوح إلى الصدر، ففي الوقت الراهن سيكون ثوبًا غير مألوف على الإطلاق، لكنه سابقًا كان مألوفًا جدًا.

قبل معرفة الأمر الغريب عليك أن تعرف أن موجة من ترقب نهاية العالم ظهرت بشدة قبل انتهاء القرن العشرين. حين قلت قبل عشرين سنة قصدت السنة التالية: 1998.. أعرف أنك تعرف الحساب، لكن لا بأس أن أذكرك. كانت هناك جماعات دينية مختلفة تدعو أتباعها المؤمنين كي يستعدوا للمغادرة، ففي نهاية القرن العشرين، وعند ليلته الأخيرة، سيسقط كل شيء وستنتهي الحياة. المسلمون؛ وهذا لأني اعتبر نفسي مسلمًا، هم أيضًا آمنت بعض الطوائف منهم بهذا الأمر، ورغم أنها لم تكن كثيرة، لكنها عكست جانبًا من رغبة البعض بحدوث النهاية سريعًا. الجماعات الأكثر تشددًا كانت قبل عقد من الزمن تترقب النهاية، واشتد نشرها لهذه الفكرة عند بداية النصف الثاني من العقد التاسع.

الأمر كان جنونًا محضًا.

لكن كل شيء به جنون ما .

انتحر بعض الأتباع بشكل جماعي. جماعات يابانية، وأخرى صينية، وتلك الجماعة الغريبة في جنوب إفريقيا التي أنشأها رجل غني جدًا، أنشأت قيامتها الخاصة. أكيد كانت هناك جماعات أخرى لكن قيامتها لم تكن مقنعة أبدًا .

في هذا الجو من الجنون الذي سبق نهاية القرن العشرين وقع الأمر الغريب.

ففي إحدى المدن ..مادمت رأيت الأمر الغريب، أو هذا ما أفترضه، فإن المدينة ستكون مدينة آسفي الواقعة في المغرب، رغم أني لا أنفي أنها وقعت في أي مدينة أخرى، لكن لأنه من الواجب في حكاية قصة أن نذكر اسم مدينة فلتكن آسفي .

في هذه المدينة وقع شيء غريب.. في غابة نسميها غابة العرعار نسبة إلى أشجار العرعار رقيقة الجذوع والمتينة جدًا، وقف أربعة رجال ملتحون.. كانوا أشخاصًا مختلفين، فلم يكن ثوبهم ينتمي لهذه المدينة، ولا إلى تاريخها، كان المفروض بالملتحين أن يرتدوا جلابيب بيض أو عباءات خفيفة، لكن الأمر كان مختلفًا، لقد ارتدوا أثوابًا كانت مزيجًا بين ثلاثة أزمنة، المعروفة، ومزيجًا بين ثلاثة مجالات؛ الدين والإدارة والرياضة. كي أشرح هذا الأمر سأقدم لك لوحة تجمع حذاءً رياضيًا، وعباءة للصلاة، وبذلة ثوب من التي يرتديها الإداريون.. لا شك أن الثوب لوحده كان أمرًا غريبًا، لكن مسألة الثوب، لأنها شخصية جدًا، تهرب من هذه الحكاية .

وقف الأربعة في غابة العرعار واتجهوا صوب عاشقين كانا يجلسان تحت شجرة عرعار .

قبل أن أتم عليّ أن أشرح لك بعض الأشياء عن العشاق.

حتى حدود العقد التاسع من القرن العشرين كان من الصعب أن تجد ثنائيًا عاشقًا في حديقة أو غابة أو مكان خالٍ، وهذا لسببين؛ لأن الحكايات عن تعريض العشاق للعنف كانت تروى كأساطير مخوفة، كان العنف عنف مجرمين فقط، وطماع رغبة جنسية فقط، ولم يكن عنف وعاظ ومتشددين، ثم لأن الحدود الفاصلة بين الإناث والذكور لم يتم التخلص منها .

في الوقت الذي بدأت فكرة نهاية العالم تنتشر بين المتشددين؛ بدأت موجة من التحرر في العلاقات تنتشر بين أولئك الذين لا يهمهم أن ينتهي العالم في أي وقت. لقد بدأ بعض الشباب الجريء قليلاً يقتحم الخلوات خفية عن الأعين كي يسرقوا ما شاؤوا من القبل. بدا أن الأمر عبارة عن هد لحائط الصد العظيم بين الإناث والذكور. كان تلاميذ الثانويات وتلميذاتها بدل إتمام الدرس في القسم يتمونه في أماكن أخرى. لا شك أن هذا الأمر يمكننا اعتباره غريبًا، وهو بالفعل كان غريبًا حينها، فرؤية عشاق في الحدائق كان يشبه رؤية طواويس في حديقة سيئة، لكن رغم ذلك ليس هذا هو الأمر الغريب الذي أتحدث عنه .

ستظن، من خلال قراءتك لما سبق، أني أقصد بالأمر الغريب، هو قيام الرجال الأربعة الملتحون بالاعتداء على العاشقين. ستتوقع أنهم اتجهوا صوب العاشقين، وبدؤوا بالاعتداء عليهما، أو بمصطلحات السلفيين إقامة الحد الشرعي عليهما. سأخبرك أن الأمر ليس كما اعتقدت، رغم أن الاعتداء على عاشقين قبل أحداث 11 سبتمبر من سنة 2001 كان عملاً غريبًا فعلاً، لكنه ليس الأمر الغريب الذي أتحدث عنه هنا، يمكنني أن أتحدث عنه في قصة أخرى .

لقد اتجه الرجال الأربعة جهة العاشقين.. كانت أوراق أشجار العرعار، وأغصانه الرقيقة تتكسر تحت أحذيتهم الرياضية، وكانت ريح خفيفة ترفع عباءاتهم التي كانت كلها بيضاء، وكانت بدلاتهم كلها كحلية أو قريبة من الكحلي. كان الرجال تقريبًا بنفس الطول، وكانت قدودهم تختلف قليلاً، فواحد بدا بدينًا، واثنان هزيلين بشكل واضح، والآخر كان قده متناسقًا كأنه رياضي.

لا شك أن العاشقين حين رأيا الرجال ارتعبا .

في الواقع لم ير العاشقان الرجال الأربعة، بل حتى حين لم يعد يفصل بين الرجال والعاشقين إلا أمتار لم يروهم .

إذا كان العاشقان لم يريا الرجال فلا شك أن الرجال رأوا العاشقين، لكن الرجال مروا دون أن تدل ملامحهم على أنهم فعلاً رأوا العاشقين، مروا بنفس الطريقة التي يمر بها أشخاص أمام الفراغ .

أنت تعرف أن الملامح تتغير، وطريقة المشي، وأشياء كثيرة في المرء، حين يمر من أمام شخص ما، وهذا لم يظهر أبدًا على ملامح الرجال، مما يعني أنهم لم يروا العاشقين.

هذا كل ما في الأمر:

كان هناك عاشقان يسرقان القبل في غابة لم يريا مجموعة من الرجال الملتحين .

وكان هناك أربعة رجال ملتحون في الغابة يسرقون شيئًا ما لم يروا عاشقين.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية