عَيبُ مَنْ: آويت ذئبًا فأكل ذراعي .. وائل خورشيد

وائل خورشيد

 

آويت ذئبًا فلما اشتد عوده أكل شياهي! نهرته.. وقلت: كيف تأكلهم؟! فقفز وأكل ذراعي. نظر لي ببراءة كأنما لم يفعل شيئًا، قالت لي عيناه «هذا حقي»، فشبع هو وفقدت أنا جزءًا مني.. جزائي!

رأيته صغيرًا، فكرت أن العيش بين الأخيار قد يغير فطرته. كان هزيلاً ضعيفًا، لا يقوى على فعل شيء، حتى الطعام أطعمته بيدي التي أكلها، أبعدته عن اللحوم حتى لا يكون من الضواري، عاش بين الكلاب وفيًا، ثم خرج مع الشياه ذات يوم، وعاد وحيدًا بدونهم!

استمررت في غبائي يا لوسيفر، فكرت أنه يحبني، عملاً بالآية القرآنية الواردة في سورة يوسف: «اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ»، ربما هو يحبني وخشي تعلق قلبي بغيره ففعل ما فعل.

عاد ذات مساء، والدماء تتسرب من بين أسنانه الحادة، وقف أمامي ولم تكن نظرات البراءة في عينيه، ظل يصدر صوتًا غريبًا، حتى قسا قلبي عليه، ورفعت حجرًا وألقيته به، فلم يتحرك، فرفعت آخر، فركض، وقف بعيدًا، ونظر لي، ثم هرب، فعاد ومعه عدد من بني جنسه، يتوعد لي، نسي كل ما كان، وبدأ صفحة جديدة هو يحكم فيها، حتى رحلت عن مكاني.

عيب من؟ هل الذئب مخطئ لأنه تعامل بفطرته، أم أنه خطئي لأنّي ظننت أن من جاءني رضيعًا وعطفت عليه، سيطرح فيه حُسن الظن خيرًا حتى لو لم تكن جبلّته كذلك.

أنت مثلاً يا لوسيفر، لا أمل فيك ولا منك، مهما ربيتك وأفهمتك وعلمتك، لن تتغير، أنا أتفهم أن هذا الأمر ليس بإرادتك، ولكن هكذا يصيغ لك عقلك المريض العالم، وأنت تراه من خلاله بصورة لا نراها، ثم تتحرك وفقًا لذلك، لذا إن حاولت أنا هدايتك، فأنا أهدر وقتي.

الجدال يطول، لو كنت تركته لشعرت بأن إنسانيتي معيبة، ولو عرفت مستقبله، لتركته وأنا مطمئن أن هذا هو الأصلح، ولأنّنا لا نعرف الغيب، فقد تصرفت وفق سذاجتي، حتى انتهيت بلا ذراع.

هكذا الحياة، إذا آويت الذئب لا تفاجأ إذا كنت أنت أول من يُغدر به، صحيح أن من تربى على شيء شاب عليه، لكن من خلق على سجيّة كتلك فسد خلقه أبدًا.

شعرتُ بالأسى، بينما حكم هو مملكتي، وصرت أنا مجذوبًا أسير في الأرض أروي حكايتي لكي يتعلم منها غيري، فلا يأوي أحدهم مثله، لكن لم أستطع، فقد تعودوا أن الحكم للذئب، والعبودية للناسِ.

* من حكايات «نفسي ولوسيفر».

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية