عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس والظل». الكاتب صاحب الكتاب الشهير عن «شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة» قدم بأسلوب أخاذ شاعري ذكريات جميلة وسيئة عن كرة القدم.

في البداية اعتبرها مرآة العالم المعاصر، وديانة السوق، فيها يتصارع الخوف والأمان، الجشع والإيثار، القوة والضعف، الحب والكره، ثم البؤس والرغبة في عيش أفضل.

إن أسوأ ما في الكرة الآن هو أن اللاعبين اليوم يلعبونها من أجل الربح، أو لمنع الخصم من الربح، وهذا هو الأسوأ، ولكن يظهر على الدوام بين اللاعبين أناس يجعلون الوهم ممكننا.. يكتب غاليانو.

يحدثنا غاليانو عن الكرة حين كانت لعبة شعبية يمارسها الفقراء، وتظهر لهم كفوانيس أمل تضيء لهم الطريق، وتبدو عبارة عن نجم مشع كبير سينير لهم حياتهم. الكرة في أمريكا اللاتينية سابقا كانت تظهر الصراع، كما يرى غاليانو، بين أولئك الذين لا منجاة لهم غير الركض والتعب، وأولئك المرتاحين الذين يتوفرون على كل شيء دون تعب أو ركض أو عرق؛ لم يكن الأغنياء يلعبونها، بل كان منهم من يعتبرها غير جديرة بمكانتهم، لذا كانوا يلعبون الغولف والتنس ويسوقون السيارات وغيرها.

الملعب كان رقعة تظهر عليها الآمال العريضة لشرائح كثيرة من المجتمعات الأمريكو ـ لاتينية. لم يكن المال والرأسمال قد ابتلع بعد كل شيء في الكرة. لقد كانت مجرد لعبة يُحمل المهرة فيها إلى مصاف الملوك والقساوسة والرهبان. كان اللعب يتم من أجل المتعة الخالصة، وكان اللاعب يعرف أن ربحه الأول والأساسي هو عشق الجماهير له، وتتبع حياته الخاصة كأحد مشاهير الأسر الملكية.

كان من اللاعبين الطبيب والمهندس والمفكر والمغني والكاتب والشاعر  والمناضل اليساري؛ لقد كانت لعبة تمارسها النخبة الفكرية بمعنى من المعاني، أي أن من يجيدونها كانوا يعرفون أن عليهم أن يكونوا نماذجَ للشباب في كل المجالات، لذا فإن اللاعب حين يشتهر يهتم بالسياسة والثقافة والفن ليقول لمعجبيه إنه لا يجيد كرة القدم فقط لوحدها. الملاعب كانت تمتلئ بجماهير راقية تعرف حدود المتعة، ويتحدث غاليانو عن أنه ما كان ليشاهد صدامات بين الجماهير لأي سبب كان.

الكرة متعة وفرجة.. لكن الأمر لم يعد هكذا حتى في أمريكا اللاتنية التي عرفت بلدانها تاريخيا بأنها تهتم بهذه اللعبة. حين ستدخل ماكينة الرأسمالية إلى كرة القدم سيتهدم كل شيء، وسيسبق الربح مسألة المتعة والفرجة. حين بدأ اللاعب يباع بأثمان خيالية، ويعيش حياة بذخ غير متخيلة، فقدت اللعبة أي ارتباط لها بالفقراء والشعوب. لقد تحولت إلى مؤسسة اقتصادية لا تهتم بالرياضة إلا لأنها منجم مليء بالمال، ثم أنها وزعت اهتماماتها وصارت تنتج منتوجات وبضائع وتسوقها بدعوى عشق الرياضة، وبات لها محلات اقتصادية كالمطاعم والفنادق والمؤسسات التعلمية الخاصة ومحلات مختلفة  وغيرها، وكل هذا لم يكن من أجل كرة القدم بل لقد نتج عن عشق الناس لها، وكان حقيقة من أجل الربح المادي.

صارت كرة القدم ديانة السوق حسب تعبير غاليانو، إنها أكثر الديانات ارتباطا بالاقتصاد والفرجة، هي وحدها من تستطيع أن تجعل عيون سكان العالم أجمع مشدودة للقنوات التلفزية التي تنقل المباريات، وهي وحدها من تستطيع أن تجمع مئات الآلاف من الجماهير في رقعة واحدة، وتجعلهم يهتفون في لحظة واحدة، ويرتفعون عن كراسيهم في لحظة واحدة، حين يسجل هدف ما، وهي الوحيدة التي أصبحت قادرة على جمع أموال الرهانات التي يراهنها الناس دون أي ندم من خسارة أموالهم.

لقد تحولت كرة القدم من الشمس إلى الظل، فحين لم تعد للفقراء ولم يعد المساكين قادرين على لعبها تحولت من الشمس إلى الظل .

في السابق؛ من كان يلعب هذه اللعبة كان ابن إسكافي أو بائع خضار أو ابن عامل بناء وعاملة مقهى وابن بائع سجائر بالتقسيط ومنظفة بيوت؛ فلم تكن هناك حواجز أبدًا، وكانت بطولة الأحياء التي ظهرت في الكثير من بلدان العالم تسمح للشرائح الفقيرة بأن تظهر علو كعبها في هذه الرياضة، وبالفعل هذا ما كان، فقد اكتسح أبناء الفقراء هذه اللعبة، وبرز منهم أغلب المشاهير والأساطير التي كان العالم كله يلهج بأسمائهم.

ما إن فكر الاقتصادي ورجل الاستثمار والسياسي في هذا العدد الهائل لعشاق هذه اللعبة حتى سيبدأ تواريها من الشمس إلى الظل. سيكتسح المنطق الرأسمالي اللعبة، وسيتحول اللاعبون بشكل من الأشكال إلى رجال استثمار ونجوم شاشة ونجوم إعلان وأوثان اقتصادية جديدة. ستكون نتيجة هذه الرأسملة للعبة أن الأبواب والقلاع العالية سترفع أمام أبناء الطبقات الفقيرة، وستختفي تماما بطولات الأحياء التي يشارك فيها كل أبناء الأحياء الفقيرة، وستقوم الأندية الرأسمالية الكروية بتشييد معاهدها ومدارسها الخاصة التي تكلف أموالا طائلة من أجل دخولها، ولن يصير هناك أي حديث عن البحث في الأحياء الفقيرة عن الموهوبين في ملاعبة الكرة بخفة.

بات منطق البيع والشراء هو الأساس وتكون المعادلة بسيطة؛ يدفع أب غني ثمن مشاركة ابنه في نادٍ كروي عريق، حين يكون موهوبًا يتبناه النادي، ويستثمر في موهبته، ويسوق له بشكل كبير وجيد، وينتظر ما سيحققه مع النادي من بطولات، ثم حين يظهر نادٍ يقدم فيه أكثر يتم بيعه .

لم تعد البداية في عشق كرة القدم تبتدئ بالموهبة والتنقيب عنها، بل لقد صارت هي منطق الدفع المسبق لمشاركة الأبناء في النوادي.

لقد كنت أعرف شبابًا يلاعبون كرة القدم بشكل رائع. كانوا يلعبون في الشوارع والأزقة والملاعب المتربة والإسمنتية. كانوا بحق مهرة وما كانوا قادرين على الذهاب لنادي أولامبيك آسفي حتى ليسألوا عن شروط الاشتراك في النادي. كانوا يلعبون لأنهم يعشقون الكرة، ومن فكر منهم في المشاركة في النادي وجد بيروقراطية قاتلة لموهبته، ووجد شروط تسجيل غير قادر على أدائها، لذا آب أوبته الأخيرة إلى اللعب في الأحياء إلى أن افتقدت كرة القدم في الأحياء تمامًا: هل سبق وأن شاهدت مباراة تقام في حي ما بالمدينة هذه السنوات؟

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

إنهم يسرقون الروح .. رحاب السماحي

  لا أحاول هنا أن أنحاز لطبقة اجتماعية دون غيرها، بل أبحث فقط وراء تحولات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية