عن العالم الجواني للفنان علي عاشور .. د. أمل نصر

من لوحات علي عاشور

 

أسعدني أن أكتب النص المصاحب لأحدث معارض المصور الكبير علي عاشور، وبناء على توصيته أطرح النص الآن لأنه، كما ذكر، يعتبره من أدبيات التشكيل التي يمكن قراءتها مستقلة لذاتها.. وبناء على رغبته أطرح النص الآن وأسعد بمشاركتكم محبة هذا الفنان الرائع.

 

دعوة خاصة لمن يجيدون الإنصات

من يجيد الإنصات وحده هو من يستطيع أن يدلف إلى عالم علي عاشور الجواني، عليك أن تخطو إلى أعماله هادئًا متخففًا من أثقالك، متواضعًا كأنك ياباني في طريقه إلى طقس غرفة الشاي.. هي أعمال لا تبوح من النظرة الأولى، عليك أن تصمت وتتأمل قليلاً لكي تكتشف مفرداتها المغلفة بغلالات شفافة، بعضها يجيد الاختفاء، وبعضها يكشف عن نفسه بحذر، وبعضها يتصدر لكي ينال نور المشهد، والكشف يكون بقدر المحبة والتماهي في هذه البنية السحرية الهادئة خفيضة الصوت.

 

من لوحات علي عاشور

 

إن كنت ممن يمرون مرورًا عابرًا على الأعمال الفنية؛ عسى أن يستوقفك لون صارخ أو ضوء باهر، فلن ترى أعمال عاشور.. لن ترى بلورته السحرية الشفيفة الملونة.. لن تكشف لك عن خيالاتها الشجية أو نسائها المحتميات بالظل أو المتسربلات بأرديتهن الطيفية، ولن ترى اللوحة المضاءة بأضواء حالمة متحركة تكشف برفق عن شخوصه الساكنة. فلابد أن تمعن النظر وتخلص في الرؤية لكي تمنحك اللوحة هباتها.

 

من لوحات علي عاشور

 

في لوحاته يستطيع عاشور أن يعيد اكتشاف ذاكرته، وأن يفتح غرف الحب الموصدة، ويزيح التراب العالق بها، فيكشف عما يحب كيفما يحب: حبيب يتذكر لمعة عينيه، ورداء يحبه، ومقعد لطالما استقبل تعبه، وأصدقاء رافقوه في الحياة، نوافذ حارات الإسكندرية ووجوه بناتها، شخوص خارجة لتوها من الأساطير، خطوط رعدية ملونة تمرق بلا رقيب فوق وقار اللوحة الهادئة، ضوء «لمبة الجاز» الحانية يحركه هواء مالح، وألوان صهدية ساخنة يغمر بها أحبته.. أنفاس دافئة تؤنس الوحشة، وههمهمات من حواديت البحر القديمة تسامره في الليالي الباردة.. إنه يكشف أشياءً ويترك أشياءً للظل في لعبة يراوغ بها الذاكرة وتراوغه، يرسم تاريخ الأمكنة كما تكتبه العاطفة، يُبقي من يحب ويترك الآخرين تحت ستائر الغبار.

 

من لوحات علي عاشور

 

مسطحات علي عاشور تعرف رذاذ البحر الذي ينقر الوجوه فتزداد الحواس حدة وألقًا، وزخات مطر الإسكندرية وصدأ مراكب الأنفوشي ورطوبة الإسكندرية التي لا تترك شيئًا مصقولاً بلا ذاكرة، وملوحة الجو الذي يأكل الجدران ويترك فوقها خيالات وحكايات لمن يرى، حوائط كوم الدكة القديمة، مقاهي المنشية القديمة، شبابيك البيوت التي فقدت زجاجها واستبدلته بـ«كولاج» من الكراتين الملونة وأغطية الصفائح القديمة، ظلال الغسيل المنشور فق الأسطح، الأبواب العالية في الحواري الشعبية التي يزينها الحديد المشغول الزخرف، تتسرب منه أشعة الشمس فتلقى بظله على قطط الشوارع التي تستدفىء بمداخل البيوت، ملمس الرمال وسطحها المضىء تحت مياه البحر الشفافة، صوت هدير ورائحة اليود، البياض المتقشر في منازل الصيادين الخشبية بالمكس، الناموسية البيضاء والأعمدة العالية للسرير النحاسي الذي كنا نلهو صغارًا تحت سطحه العالي، وجوه ذات طابع روماني أشبه بوجوه تماثيل الرومان في متحف الإسكندرية اليوناني الروماني، مربعات ومستطيلات كبيرة بيضاء متربة أو رمادية تنظم تدفق الأشكال وتحفظ لكل منها خندقه الخاص تذكرنا بقوالب الحجر «الأنتري» في رصيف البحر القديم، وبالبلاطات الكبيرة التي ما زالت تغطي شوارع مينا البصل وسوق الجمعة.. غلالات شفافة تنزع عن الشخوص طبيعتهم الطينية فنراهم كأطياف سائرة تدلف وتعود من باب الحلم دون جهد يذكر، خط يمرق في خاطر اللوحة، أفق صحراء برج العرب الأصفر ورقرقات مياه البحر ولمعان ضوء الشمس فوقها، نوافذ مفتوحة على البحر البعيد وهمهمات الجدران التي أكلها الزمن وملح البحر.

 

من لوحات علي عاشور

 

ولعلى عاشور مزاج لوني حانٍ وخميرة لون غامضة مشبعة بالعاطفة تحمل في بعض أطرافها أطيافًا من نور ملون. لا نجد لديه لونًا مسطحًا صريحًا مصمتًا، بل طبقات شفافة متراكبة تمهل الذاكرة لكي تطرح حمولاتها، تعرف فرشاته كيف تتريث فوق سطح اللوحة ترتكن في موضع لتترك مزيدًا من اللون، وترتفع في موضع آخر لتغيبه لبعض الوقت، تمتزج بما يجاورها حينًا وتهجره حينًا، هيئات ملونة تتحول في هدوء من كتلة إلى مسطح لتذوب في بنية عضوية رائقة. ثم ما يلبث الخط أن يدخل شقوقه مثل أوردة ملونة، أو خربشات تخدش صمت اللوحة، أو كتابات يونانية قديمة تحاول أن تلحق بمكان لها في هذا العالم الصموت، رسوم من صور فوتوغرافية قديمة ترجع إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي بدت كأنها إشارة لخوف من إفلات الأحباب وغيابهم من صفحة حياتنا، تطل الصور في أطرها لكي تغدق بحنين وراف ومحبة لتلك الفترة ورائحتها السكندرية، زيارة للماضي كلما سنحت الفرصة وهي في الحقيقة زيارة لجزء فُقد من العمر، بشر يصطفون كأنهم يتهيأون لالتقاط صورة فوتوغرافية لتثبيت لحظة زمنية ما ربما تساعدهم يومًا أن يحتفظوا بلمة الأحباب، قبل أن ينفرط عقدهم بالغياب، ربما تحمل لهم الصور يومًا عبق رائحة الأحباب لتُطمئن الروح ولو قليلاً. إنه يرسم الغياب، فالحنين وحده هو الذي يشعرنا بأننا امتلكنا يومًا قلوبًا جميلة، ونفحات من محبة خالصة، وأماكن حملت جدرانها أنفاسنا.

 

من لوحات علي عاشور

 

لوحات عاشور يجب أن تراها بقلبك، وتنصت لهمهمات أصحابها لكي تستشعر الحنين الشجي العالق بتلابيب القلب الذي يورثه لنا الزمن عندما تباعد الأيام بيننا وبين الأمكنة والأشخاص والأشياء التي نحبها، لكن هبة الفن تأتي عندما نستطيع أن نستضيف كل ما نحب في اللوحة، ونستطيع أن نناديهم ونسامرهم ونستحثهم أن يبقوا معنا ولو لبعض الوقت.

 

من لوحات علي عاشور

 

إن هناك شيئًا ما دفينًا في أعمال عاشور يتسق مع طبيعته الجوانية.. شىء ينتقل إلينا ويبقى في القلب، يهديه لنا مُحب الفن الذي منحه عمره وخاض طريقه الوعر من دون سند يتكىء عليه، وربما هذا ما منحه حرية أكثر ونزاهة أكثر وزهدًا أكثر. لقد أعفي من التسلق ومحبة الظهور، وتملق ذوي النفوذ، ومزاحمة أنصاف الموهوبين، فهو يقود قاربه وحده ويرى شواطىء الوصول بجلاء تام.. لقد استغنى فجاءته كل الأشياء ومنحته اللوحة فقط كل ما يريد وأكثر.

***

علي عاشور:

ـ من مواليد الإسكندرية 1946.

ـ عضو بنقابة الفنانين التشكيليين وبأتيلييه الإسكندرية للفنانين والكتاب.

ـ درس الفن على يد الأساتذة: كامل مصطفى ـ حامد عويس ـ سيف وانلي.

ـ يشارك في الحركة التشكيلية منذ 1971.

ـ أقام العديد من المعارض الخاصة بالقاهرة والإسكندرية.

ـ شارك في المعارض العامة والجماعية.

ـ شارك في بينالي الإسكندرية الـ 22 عام 2003.

ـ شارك في الحركة المسرحية بمشاريع سينوغرافية لعدة مسرحيات.

ـ أنتج المركز القومي للسينما فيلمًا عنه عام 2004 إخراج عماد أرنست.

مقتنيات:

ـ وزارة الثقافة ـ متحف الفن الحديث ـ دار الأوبرا.

مقتنيات خاصة:

ـ فرنسا، أمريكا، المكسيك، النرويج، البرازيل، البرتغال، الكويت، السعودية، أسبانيا، ألمانيا.

معرضه الحالي مستمر حتى يوم 6 فبراير 2020 في Motion Art Gallery 26 أ شارع المنتزه ـ الزمالك ـ الدور الثالث.

التصوير بعدسة: سعد الأزهري.

ـ

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

شاهد أيضاً

رحاب السماحي

صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

  لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية