عن الأيام الأولى الرائعة داخل الجحيم .. مصطفى السيد سمير

مصطفى السيد سمير

 

ربما لهذا السبب لا يعود أحد من الموتى ليخبر الآخرين عما رأى، فلن يصدقني أحد إذا أخبرته أن هذا هو الجحيم: تلك المساحة الهائلة من الصفاء التي تخطو عليها قدمك كأنها تطير، الجبل عن يمينك والماء عن يسارك، البنايات بعيدة وخفيفة، مجرد تعرجات في خط الأفق، ملاك الورد يزين من أجلك شعر الشجر، وملاك الريح يجردك من السأم وتوتر العضلات حتى تصبح خطوتك أكثر خفة، وملاك الرمل يعانق قدمك بين حين وآخر ويملؤك بالحنين للطيران فوق الساحة حيث ملاك الإسفلت، تلك الساحة التي يتوسطها ملاك جميل، بل هو أجمل الملائكة، لا يفعل شيئًا سوى حلق شعر رأسك ووجهك بالكامل حتى تصبح رأسك أشبه بفقاعة الحديث الفارغة في القصص المصورة، ثم إذا انتهى يصفكم جميعًا بأطوالكم المتشابهة وملامحكم المطموسة وملابسكم المتشابكة كأنكم بحر من المرايا، هكذا فقط.

 

ما قبل الخط الأحمر:

العالم يواصل الاحتشاد في داخلي: فرشاة شعر مستطيلة غزيرة الألوان تداعبني في صمت، تستلقي على رف الحلاق الذي انتزع شعري كاملاً دفئًا دفئًا، وتتمدد كأنها تحتوي العالم، إشارة مرور إلكترونية حمراء تعد حتى الثلاثين، ثم تتحول إلى اللون الأخضر لتعد ثلاثين أخرى، بنتان تتبادلان الضحك بصوت عالٍ وهما تتأملان شيئًا ما على شاشة موبايل إحداهما.

لمست أعلى رأسي الذي أصبح متشابهًا وبلا رائحة. كم دفئًا سيمر قبل أن أرى من جديد مثل تلك الكائنات المفعمة بالبهجة وعدم الانضباط.

ويسألونني من ربك، فأروي عن مرة ذهبت فيها إلى مسجد قريتنا ليلاً. قفزت من النافذة وعانيت رائحة الحصير المخزن منذ أعوام في الخلف لكي لا يراني خادم المسجد، طمست الآيات المنقوشة على الحوائط ورسمت ثلاث قِبلات جديدة في الجهات الأربع، كتبت فوق كل منها: أينما تولوا فثم وجه الله. ورغم أن الناس منذ تلك الليلة لم يتجهوا إلى أي قبلة أخرى إلا أن أحدًا لم يجسر على محو ما فعلت، كل ما تغير أن عدد المصلين في قريتنا قد ازداد، وأن الناس صاروا يدعونني باسم «مصطفى».

ويسألونني ما دينك، فأروي عن أول صلاة مغرب جمعتنا ونحن في أرض الطابور العسكري غير قادرين على المغادرة، لم يكن سوى الصمت، صمت في السماء وفي الشجر وفي حركة الملابس، سجدنا فغمرنا الصمت تمامًا فيما عدا رنين خفيض لعملات معدنية تسقط من جيوب قمصاننا على الإسفلت الخشن البارد. أخذني ذلك الصوت، صوت مؤنس مبهج كطفل يركض عبر حواسك مستندًا بيديه الملطختين بالألوان على أبوابك. كان يخفت ويتباعد في سجدة حتى أكاد أنساه، وكان يتسارع وينهمر في سجدة أخرى كأن جيوبنا تحوي أنهارًا من المعدن. راق لي أن أربط هذا المعدل بدرجة الخشوع في كل سجدة. وماذا يكون الخشوع غير معدن يسقط من داخلك فيحدث صوتًا خفيضًا يذهب الوحشة.

ويسألونني من نبيك، فأغمض عيني وأقسم:

سأكون سعيدًا هناك بدرجة لا تصدق، سأكون صديقًا للرمل وللإسفلت الساخن وللشاي البارد، سأحب بعنف كأنني في مدرسة ثانوية مشتركة، سأخرج الفوضى العارمة التي أحملها بداخلي كصاعقة لتتحول نوافذ العنابر ذات اللون الموحد إلى قبعات أطفال بكرانيش منفلتة، وتتحول الساحة الهائلة التي يغطيها الرمل وآثار الأقدام إلى ظلين يتعانقان.

يختلط صوتي بالضحك حين أذكر أن من علمني هذا القسم كان فرشاة شعر مستطيلة تستلقي بصمت فوق رف.

 

ما بعد الخط الأحمر:

أثناء المارش العسكري كانت أرض الطابور تتسع وتترامى كموجة بلا نهاية، وكنت الوحيد الذي يرفع رأسه عاليًا فأرى رؤوسهم جميعًا وهم يتفقدون مواضع خطواتهم، حتى أن الصول وضعني في المقدمة كدليل للسرية. وقتها اتسعت ابتسامتي مثل أرض الطابور وقد نجحت حيلتي. ينظر إلي الضباط الذين يعبرون الساحة ويبتسمون مشجعين، يشير إلي أحدهم كي أعدل وضع البيريه فوق رأسي لكنني لا ألتفت، أجدني منشغلاً تمامًا في شيء آخر: كنت أتفحص مؤخراتهم بعمق، تلك المستقيمة كالسونكي، الصلبة كالأوامر، محدودة الاهتزاز كالأسرار العسكرية. فكرت أن مؤخرتي لن تؤهلني يومًا لأن أكون ضابطًا. أشرت إلى أحدهم فاتسعت مؤخرته فجأة حتى تحولت إلى باراشوت انفتح في ثانية واحدة وحمله مع تيار الهواء إلى السماء. نظرت إلى الصول إسماعيل الذي يقود الفرقة الموسيقية التي تضبط إيقاع خطونا، لم يرق لي زيّهم الأبيض الموحد ولا طريقتهم المبالغ فيها في النفخ، ولا نشيد اسلمي يا مصر. أشرت إليه فأخرج من جيبه طاقية مستطيلة ونظارة سوداء، ارتداهما وتنحنح ثم أشار إلى الفرقة وبدأ يغني دون أن يغير الإيقاع.

شرفت يا نيكسون بابا.. يا بتاع الووتر جيت

عملولك قيمة وسيما.. سلاطين الفول والزيت

ضحكت وأنا أردد معهم بينما الضباط الكبار فوق المنصة ينتصبون في حالة ذهول ويصرخون عليه في الإذاعة «موسيقى قف!» فيبادلهم الصراخ.

عزموك فقالوا تعالى.. تاكل بونبون وهريسة

قمت انت لأنك مهيف.. صدقت ان احنا فريسة

نظرت إلى قدمي للمرة الأولى فرأيت البيادة تنزل على وجوه الحصى المتشابه المعجون في الإسفلت. تنزل على الإيقاع.

ويسألونني ماذا عملت من خير، فأذكر أنني أحببت بنتًا تشبه سورة الفاتحة، وسكنت مدنًا تشبه الأحاديث ضعيفة الإسناد، وحلمت بأصدقاء يشبهون قصار السور. ويسألونني ماذا عملت من شر، فأذكر أنني كنت آخر من يدخل المسجد على أمل أن أرى الله دون أن أضطر للتكبير والوقوف صامتًا في صف، وأنني لم أتل يوما دعاء السفر لعلّني أتراجع في اللحظة الأخيرة أو يتوب السائق إلى ربه ويكف عن جرح الأماكن. ويسألونني كيف وجدت عقابي، فأرفع رأسي أكثر وأروي:

حين طال الوقوف في طابور الثبات، لمحت بطرف عيني ظلي المستقيم كالوتد. ملأت خدي الأيمن بالهواء فظهر بروز مستدير على جانب الظل، كنت غارقًا في العرق لكنني كررت اللعبة، تأرجح البروز المستدير بين جانبي ظلي الأيمن والأيسر وتباينت أحجام استدارته وسرعات عودته إلى وضعه السابق، ابتسمت فتحول ظلي إلى بروز مستدير متسع.

يهزون رؤوسهم في خيبة أمل، ويعطونني شهادة خدمة (رديئة).

شاهد أيضاً

إلى متى سأظل أنتظر؟ .. حسن حجازي

  (1) بكل همة رحت أكنس ما علق بذاكرة هاتفي المتذاكي، بكل تهاون أرتق الآن …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية