عربة السيدات .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

يتعالى صوت صافرات الإنذار معلنًا عن اقتراب وصول قطار مترو الأنفاق، وسط همهمات مكتومة لتجمع نسائى فى حالة تأهب قصوى لاستقلال عربة السيدات، وكأنهن فرائس مرتعدة تهرب من صياد لئيم متربص بهن.

الأجساد متلاصقة، وروائح بعض العطور تحاول الإفلات عبثًا من رائحة العرق الخانقة، والضجر موزع بالتساوى على الراكبات. رحلة عذاب مجانية تتكرر كل يوم، تعتقد خلالها المرأة أنها تحمى نفسها من نظرات الرجال الفاسقة، وأيديهم القذرة التى تستبيح حرمة أجسادهن، ولكنى أراه وضعًا مهينًا للمرأة التى غدت وكأنها مسخ دميم مصاب بالجذام يجب عزله عن المجتمع، خشية انتقال مرضه إليه، وحتى لا يؤذيه وجهه الشائه.

لطالما اعتقدت أن وجود عربات مخصصة للنساء هو شكل صارخ لتخلف المجتمع، فمجتمع يخشى على نسائه من رجاله مجتمع غير آدمى، ولا يمثل بيئة آمنة للعيش، وإن كانت تعنى بشكل ضمنى أن الرجل كائن ضعيف الإرادة شهوانى شبق، لا يستطيع السيطرة على نزواته، ولا يرى فى المرأة سوى وعاء جسداني يفرغ فيه شعوره بالدونية والاحتقار، ويسقطه على المرأة أينما كانت وأيًا ما كانت ترتديه.

مجتمع عربة السيدات هو نموذج مصغر لمجتمع هرم وتداعت خلاياه حتى أصبح فى انتظار رصاصة الرحمة.

هناك عربة مخصصة للسيدات طوال اليوم، وعربة أخرى أسميها الفخ، وهى مخصصة فقط حتى التاسعة مساءً لا أدرى لماذا! وكأنها وجدت خصيصًا لكى يجد الرجل المتجاوز فيها عذرًا، وكأنه البائس الذى ضل طريقه، وكأن من وضعها استكثر على النساء عربتين من أصل تسع عربات مشتركة يسيطر الرجال على معظمها.. فحتى العربة اليتيمة المخصصة للسيدات لا تسلم هى الأخرى من نفوذ الرجل، فيجلس بمنتهى الأريحية فيها، ولتضرب النساء رؤوسهن فى الحائط، ولا يأخذه وازع من شهامة ليقف لعجوز أو امرأة حامل.. وعندما تصرخ فى وجهه إحدى الراكبات «دى عربية ستات» يرد ببرود «كنت فاكرها لحد تسعة» ويعد بالنزول فى المحطة القادمة، ولكنه فى الغالب لا يفعل، ولا يبالى بنظرات الغيظ التى نمطره بها.

وفى أحيان أخرى تبادر إحداهن بتنبيه الرجال، وحث النساء لمؤازرتها للضغط عليهم للنزول، إلا أنها تجابه للأسف برد فعل غاضب من النساء أنفسهن، فتؤثر الصمت ويقتات الغضب من دمها.

وفى بعض الأوقات تتصدر المشهد فتاة شجاعة تحاول فتح الباب عنوة حتى تعرقل حركة المترو على السائق الغبى حتى يفهم هو أو رجل الأمن المهادن الذى يقف بهدوء ودعة على الرصيف، يفكر فى إعمال قانون هزيل أصلاً، وينزل المتجاوز.. ولكن ما يثير السخط حقًا هو ردود أفعال النسوة اللاتى تزمجرن فى وجه الفتاة لأنها تعطلهن عن أعمالهن الجسام.

فالمرأة للأسف عدوة نفسها.. مرة عندما ترفض الدفاع عن حقوقها، ومرات لأنها هى من قامت بتربية رجل مهزوز لا يثق فى ذاته، لا ينتصر لإنسانية قبل أن يزهو بفحولته.. فلا يجب أن نعلق كل الموبقات برقبة الرجل الذى هو صنيعة امرأة تشعر بالعجز والدونية، وتنقلها كالجينات لأبنائها رجالاً ونساءً، ناهيك عن ثقافة ذكورية تحرض الرجل على التحرش بغير المحجبات.

وتحمل عربة النساء تناقضات المجتمع المتدين بطبعه، حيث تنظر المنقبة بقرف لمن ترتدى إسدالاً أو خمارًا، واللاتى ينظرن بدورهن للمحجبة بتعالٍ، والمحجبة ترى فى نفسها من العفة ما يجعلها تتأفف إذا رأت غير محجبة، وكأن الزى أصبح يشكل فئات تراتبية للأخلاق، وكل منهن ترى أنها تمتلك الحقيقة الكاملة وتحاول ادعاء الفضيلة، وحجز مقعدٍ لها فى الجنة الذكورية بطبعها.

فلينعم هذا المجتمع بالغفلة فى هدوء دونما جلبة التفكير والنقد الذاتى.

شاهد أيضاً

سيومي خليل

عن كرة القدم بين الشمس والظل .. سيومي خليل

  كتب الكاتب الأورغواني غاليانو كتابا جميلا عن كرة القدم اسمه «كرة القدم بين الشمس …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية