عتمة الأشياء .. عصام حسين عبد الرحمن

عصام حسين عبد الرحمن

 

يودع الخريف ببرود شديد، واصفًا إياه بالفصل السخيف، رغم أن ملامحه مازالت عالقة به، ممنيًا نفسه بشتاء دافئ لطيف. توقف أمام باب الشقة، لاحظ أن خشبه تآكل، لم يعره اهتمامًا، لكنه تفاجأ بحائط معتم خلفه مباشرة، لا يفصله عنه غير بضع سنتميترات. علي يساره لاحت ثلاث درجات لسلم لم يكن موجودًا من قبل، تحرك  وبدأ بوضع قدم واحدة علي أولها، وانحنى يدقق  النظر.

كيف كان يتسع هذا الممر الضيق لتلك الاحتفالية باستهلالتها الثلاث؟

الأحضان الدافئة، والقبلات الحانية، والضحكات الصافية. وكيف كان يتسع لفنجان القهوة يشربه بمذاق رائق وروح شفافة؟ هل هو نفسه الممر الذي كان يفضي برحابة إلى النسيم والشمس وشجرة الفيكس الضخمة، تتراقص تحتها لقيمات الخبز الجاف وعيدان السريس، وفحول البصل الأبيض، وقطع الجبن القريش، وحكمة الكبار، وأصدقاء الطفولة. كان بيتًا شرقيًا، تطل شرفته ومعظم نوافذه على مجرى النهر الصغير الهادئ .

ناما متعانقين فوق سرير، صنعت ملاءته من ورق الورد الأحمر القاني، ورغم ذلك كان يشعر بالبرد، ازدادت التصاقًا به، ودست رأسها في صدره، نومها العميق أتاح له التفكير بجدية في هذا الحائط المعتم والسلم ذي الثلاث درجات، كان يشغله الحائط أكثر، نهض يبحث عن علبة السجائر، لا يعرف أين وضعها؟ ربما في حقيبتها.. لأول مرة يحاول فتحها، تردد في البداية وقال لنفسه لا يليق بي فعل ذلك، عليّ أن أستأذنها أولاً، لكنه هذه المرة لم يستأذن، عاثت أصابعه في كل محتوياتها، يتفهم وجود مرآة صغيرة ومشط وصباع أحمر شفايف وكريم أساس وزجاجة عطر، لكنه تعجب من وجود مفكرة صغيرة، انشغل بها وأهمل البحث عن الولاعة والتفكير في الحائط المعتم، لكنه فجأة شعر بحنين للبيت الشرقي وازداد انشغاله. علبة سجائر مختفية تقوده إلى حائط معتم لم يكن موجودًا من قبل، وولاعة تائهة تقوده لمفكرة امرأة ينام معها علي سرير واحد في بيتها، تسجل فيها اسمين لرجلين لا يعرفهما، فمن يكونان (وحيد سيف وفتحي عبد اللطيف)؟

عاد إلي جوارها، أسند ظهره لظهر السرير، رفع ذراعه الأيسر وراح يقرأ المفكرة، اكتشف أن ثلاث ليالٍ كاملة قد مرت وهما في هذا المشهد، سجل تقويم الموبايل العاشر من نوفمبر، نهض يبحث عن فاتورة الشراء ليلة وصوله لشقتها، كانت تريد حذاءً بنيًا «بوت»، برقبة طويلة تنتهي قبل الركبة بقليل، سهلت عليه المهمة، فأبلغته بكل التفاصيل، كل ما عليه  هو أن يعطي البيانات للبائع ويذكره بالمدام التي جاءت قبل أيام لحجزه، إنه السابع من نوفمبر، لولا سخونة أنفاسها الضحلة التي تخرج من فمها لظّن أنها ماتت.

أعاد قراءة المفكرة مرات ومرات، وفي كل مرة يتأكد أنهما شخص واحد، لكنه لا يعرف لماذا تخلط بينهما، هل لأنهما صديقان، ورغم تأكده، لم ينف ذلك في قرارة نفسه، ولم يؤكده، لكنه حدث نفسه على أي حال «مفيش مشكلة»  المهم القبض علي المشهد والاستغراق فيه، لقد سجلت تواريخ انتهاء العلاقة معهما، وأقربها مرّت ست سنوات كاملة علي نهايتها .

في الصفحة التي تلت ذلك، كتبت أعلاها وفي المنتصف «ج.ج»، وكتبت أسفلها «جحيم الحب».

نهضت متثائبة، تضع يديها على رأسها، وترجرجها كأنها تعيدها للوعي، رأت المفكرة، لكنها لم تشأ أن تحدثه عنها، تركته وذهبت للحمام، غرق في عرقه، وعندما جف سافر في رحلة حياته القصيرة معها، حكمتها الصدفة، وشيدت أركانها الأقدار، كان يظن أن شوطًا طويلاً من الرحلة قد قطع، لكنه الآن يدرك أنهما توقفا فجأة عند «ج.ج».

خرجت من الحمام عارية تمامًا تصرخ: صرصار.. صرصار.

نادت بأعلي صوت وبعصبية شديدة، تدك الأرض بقدميها:

ـ جون.. اقتله.. أرجوك.. اقتله.

ـ لا ذنب ارتكبه يا هالة كي أقتله.

ـ إن قتل صرصور قذر ليس جريمة.

تظاهر بالاستجابة، واقتحم الحمام، أشارت له من بعيد علي مكانه، استشعر أن الصرصار يرجوه ويستعطفه، أغلقت الباب، وتابعته بصوتها: «هيه قتلته».

ـ اصبري خلاص.. هأقتله أهو.

أمسكه بين أصابعه بحنية وفتح «بشويش» نافذة الحمام، وقبل أن يطلقه ويغلقها همس «متجيش هنا تاني»!

خرج يتمطع متظاهرًا بالانتصار.

عاد إلي جوارها، أسند ظهره لظهر السرير، ثم تزحلق ليعانقها، يحيطها  بذراعيه، قبل تلامس الشفتين المرتعشتين قال:

الآن أستطيع تحمل نفسي .

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية