عبود الجابري.. قصيدة عاطفية مغرقة بالأسى .. عبد الخالق كيطان

عبود الجابري

 

هذا هو ابن المحنة العراقية.. شاعر ينفصل بنصوصه عن غبار الحروب؛ ليأخذك بعيداً جهة الأمل الذي تمثله الكتابة العاشقة. وإذ أقول: ينفصل، فلا أقصد بالطبع أن نصوصه تتناسى، أو تتعالى، على الهم العراقي الذي يشغل مساحة أكثر من نصف قرن في وجدان النخبة العراقية، بل يحاول البحث عن مخرجات لقراءته، مخرجات غير تلك التي يمكن تسميتها بنصوص الندب والرثائيات.

وعبود الجابري هو واحد من شعراء الجيل الثمانيتسعيني، أي تلك الموجة من الشعراء التي ولدت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ولكن رؤيتها الشعرية تبلورت بشكل أوضح في العقد التسعيني.

كان شعراء الثمانينيات، عراقياً، قد وجدوا أنفسهم فجأة في أتون محرقة كبرى اسمها الحرب. كثيرون منهم ارتدوا البزات العسكرية وذهبوا إلى جبهات القتال على الحدود مع إيران. المتملقون، وأبناء السلطة، وهم موجودون كالعادة، وجدوا لأنفسهم الأعذار الكافية التي تبقيهم بعيداً عن تلك المحارق، فكانت قصيدة المديح حصنهم الحصين. آخرون لاذوا بالتجريب ليحموا أنفسهم من موجة المديح، والتأويل المضاد، على حد سواء.

المشهد الثمانيني خلّف نوعاً من الفوضى في إنتاج النصوص الشعرية. وهي فوضى وجدت لها مُنظِّرين وأتباعاً ومهرجانات ومجلات… وكان لزاماً على الجيل الذي ولد بعد هؤلاء أن يجترح البديل، أو أن يظل دائراً في فلك تلك الفوضى، وبعضها فوضى لغوية بامتياز.

الأصوات النافرة في الجيل الثمانيني لم تعلن عن ولادتها الحقيقية إلا بعد انتهاء ذلك العقد الرهيب. وهي أصوات نافرة لأن نصوصها لم تكن واقعة تحت مطرقة المديح وسندان التعميات اللغوية، بل اختارت لها طريقاً آخر يمكن تسميته بطريق العاطفة.. والعاطفة في الشعر ليست اجتهاداً مني.

يقول ج . أ . ودبري g.e. woodberry : «إن علامة الشاعر.. هي أنه يخوض غمار الحياة بالانفعال أكثر من بقية الناس.. فالانفعال هو شرط وجوده، وهو جوهر كيانه.. إن الشاعر تواق إلى الانفعال، يغذي النار التي تستهلكه، وبهذا الشرط وحده ينعم بالقدرة الخلاقة».

والانفعال، كما لا يخفى هو أحد ابرز وجوه العاطفة.

الأداء العاطفي لشعر عبود الجابري، ومجموعة من الشعراء الذين ظهروا أواخر العقد الثمانيني، ميزة. ولقد تمت مقاومة هذه الميزة بشدة، فكان ينظر لنصوصهم على أنها ابتعاد عن يافطات التجريب التي كان يحمل لواءها فرسان، أو لنقل نجوم، المشهد الشعري الثمانيني. على أن اللافت أن يقوم هؤلاء أنفسهم فيما بعد بالذهاب للعاطفة، التي كانت محل انتقادهم، فينتجوا نصوصاً، ابتداءً من منتصف عقد التسعينيات، مبنية بشكل كامل على العاطفة!

لقد قاوموا العاطفة بأعذار شتى. اعتبروها معيبة لشعرية كل همها التجريب في اللغة. وإذ كان الشعراء العراقيون يتبارون في كتابة نصوص طويلة مغرقة بالبلاغات والاستعارات والغموض بالنتيجة، كانت العاطفة تمثل سبة. بعضهم اعتبرها غنائية ليس الأوان أوانها، آخرون عدوها انهزاماً أمام مشروع الحداثة، وفريق ثالث كان يصمّ النصوص التي تحتفي بالعاطفة بأنها نصوص الفاشلين.

اليوم يعاد الاعتبار للعاطفة، وبلغة أدق فقد بدا ذلك منذ أواسط التسعينيات. في تلك المرحلة بدأ الشعر العراقي ينتبه بشكل لافت للمهمش، واليومي، والعابر. بدأ ينتبه للحياة بصورة أكثر صراحة.

وشعر عبود الجابري هو ابن تلك المرحلة القاسية والمؤثرة معاً. نجا بنصوصه مبكراً من الوقوع في فخاخ التجريب لأجل التجريب، لأنه كان منحازاً لطابع شخصي في الكتابة الشعرية. وهل الشعر إلا انطباع شخصي عن الحياة؟

أصدر عبود الجابري خلال مسيرة كتابية طاولت الربع قرن ثلاث مجاميع فقط. وهنا علينا التنبه لمسألتين. تتعلق الأولى بعدد مجاميعه الشعرية والثانية بمكان إصدارها.

من الملاحظ أن الشاعر، وأبناء جيله، لم يكونوا مفرطين في إصدار الشعر. وربما ينم ذلك عن خشية، أو قلق، من ظهور مجاميع لا تشكل إضافة للشعرية العراقية المعقدة والصعبة. وربما يكون السبب أيضاً في تكاليف طبعة المجاميع الشعرية عربياً.. وربما ثالثاً، بسبب ندرة ما يكتبه هؤلاء أمام ضخامة المشهد اليومي والحياتي لجهة قسوته وبراعته في خلق المأساة.

أما عن مكان إصدار مجاميعه، فكانت العاصمة الأردنية عمان هي الحاضنة لنصوص المجاميع الثلاثة مكانياً. وهنا نؤكد ملاحظة عامة أيضاً تخص أبناء جيل عبود الجابري الشعري. وهي أن أغلب هؤلاء نشر مجاميعه خارج العراق. ماذا يعني ذلك؟ إنه يؤشر من جديد ظاهرة الهجرة التي رافقت شعراء الأجيال الأربعة الأخيرة في العراق. هجرة جعلت من أغلبهم شعراء غير معروفين داخل بلادهم على العكس من حضورهم اللافت عربياً ودولياً.

وبالنسبة لعبود الجابري، الذي اختار الإقامة في العاصمة الأردنية منذ أواسط التسعينيات وإلى يومنا هذا، كان الأمر واضحاً. ولكن الجابري لم ينقطع عن بيئته الأولى، فهو حاضر في أغلب الصحف والمجلات العراقية، كما أنه حاضر في مهرجانات شعرية عراقية مختلفة. وربما تكون الجغرافيا، بين العراق والأردن، عاملاً حاسماً في هذا الأمر، وربما يعود السبب إلى حميمية علاقات الجابري مع مواطنيه من أهل الشعر.. ولكن الثابت هنا أن عبود الجابري استطاع بالفعل أن يؤسس لنصوصه قاعدة في المشهد الشعري العراقي.

أصدر عبود الجابري، كما أسلفنا، ثلاث مجاميع، هي: فهرس الأخطاء، ثم: يتوكأ على عماه، وأخيراً: متحف النوم.

وتبدو عناوين الجابري مناسبة تماماً لفهم عالمه الشعري، الذي يرتكز بالأساس على العاطفة.

يمكننا قراءة تلك العناوين قراءة سيميائية، فنقول إن الأخطاء، والعمى قد يؤديان بصاحبهما إلى متحف النوم. وربما يصح أن نقرأ العناوين قراءة مقترحة ثانية مفادها أن الأخطاء والعمى مقدمات للنوم العميق.

وفي كل الأحوال، فاختيار العناوين لم يكن ليشكل اعتباطاً في ذاكرة الشاعر. أنها عتبات أساسية في الدخول إلى النصوص. النصوص التي تضعنا من جديد بمواجهة حمى عاطفية أبطالها رجال ونساء.. وأماكن بالضرورة.

لا يلجأ عبود في نصوص مجاميعه الثلاث إلى ألعاب لغوية يراد منها استعراض العضلات، كما يقولون، اللعب بالمفردات ضروري في نصوص الجابري من أجل خلق الصورة الصادمة. ومع ذلك، فإن الرؤية هي ما تريده النصوص وليس اللعب اللغوي:

اجلِسْ قريباً منَ الأرضِ

حينَ تعتريكَ رغْبةٌ في البُكاء

اجلِسْ كيْ لا تَنكَسِرَ الدَّمعةُ،

حينَ تسقُط على الأَرضِ

لعلَّكَ تعودُ يوماً،

فتبصرُ شجَرةً

وتقولُ:

يا اللهْ، ليَ دينٌ قديمٌ

في رقبةِ هذهِ الشَّجرة…

(من نص عنوانه: هناك من يشعل ناراً).

فصورة «انكسار الدمعة» في النص السابق، ليست لعباً لغوياً، أنها محاولة في رسم مشهد أقرب للفوتوغراف، ينتج عنه رؤية. وهذه التقنية، في تقديري الشخصي، كانت من أبرز سمات وملامح نصوص أبناء جيل الجابري بشكل عام. على أن الجابري يمضي في هذه التقنية لتكون ميزته الشخصية:

ما زلنا صغاراً

أيها الوطن

وبعض من وفائك لأمنا

أن يكون لنا

زوجات أب

(من نص بعنوان: البلاد… تأنيث الوطن).

مرة أخرى، يبدو اللعب بالكلمات واضحاً في هذا النص القصير، ولكن انظر إلى أين يقود قارئه: (صغار – أب – أم) وما بينهم زوجة أب. ثم (صغار – وفاء – خيانة)، ومن حول ذلك وطن يضيع. القراءة المنتجة هي التي تنتج المعنى.

ترى نظرية التلقي أن أهم ما في عملية الأدب هو المشاركة الفعالة بين النص الذي ألفه المبدع والقارئ المتلقي. أي أن الفهم الحقيقي للأدب ينطلق من «موقعة» القارئ في مكانه الحقيقي وإعادة الاعتبار له باعتباره هو المرسل إليه والمستقبل للنص ومستهلكه، وهو كذلك القارئ الحقيقي له: تلذذًا ونقدًا وتفاعلاً وحوارًا. ويعني هذا أن العمل الأدبي لا تكتمل حياته وحركته الإبداعية إلا عن طريق القراءة وإعادة الإنتاج من جديد؛ لأن المؤلف ما هو إلا قارئ للأعمال السابقة، وهذا ما يجعل التناص يلغي أبوة النصوص ومالكيها الأصليين. ويرى إيزر أن العمل الأدبي له قطبان: قطب فني وقطب جمالي. فالقطب الفني يكمن في النص الذي يخلقه المؤلف من خلال البناء اللغوي وتسييجه بالدلالات والثيمات المضمونية، قصد تبليغ القارئ بحمولات النص المعرفية والأيديولوجية، أي أن القطب الفني يحمل معنى ودلالة وبناء شكليًا. أما القطب الجمالي، فيكمن في عملية القراءة التي تخرج النص من حالته المجردة إلى حالته الملموسة، أي يتحقق بصريًا وذهنيًا عبر استيعاب النص وفهمه وتأويله.

مرجعيات الشاعر أساسية في فهم المادة العاطفية التي تنهل منها نصوصه. فالجابري ابن مدينة النجف التي عرفت على الدوام ببلاغة شعرائها. البلاغة عنده تمثل، في وجه من وجوهها، ذلك الدفق الأخاذ في تنسيق المفردات وتتابع إيقاعها، وهي ميزة ميزت شاعراً عمودياً نجفياً بمستوى محمد مهدي الجواهري، كما ميزت شاعر قصيدة نثر هو عبود الجابري. ولكن لماذا النجف دون سواها؟

العراقيون يميزون من خلال اللغة مراجع شعرائهم. فشعراء الجنوب يمتازون بلغة دلالية هي غير تلك التي يستخدمها شعراء شمال بغداد، والأمر ينطبق على شعراء الفرات الأوسط، وكذلك البادية الغربية. هذا التنوع البيئي ليس خاصية عراقية ولا شك، بل أن المرجعيات البيئية طاغية على أغلب نماذج الشعرية العالمية.

والنجف، ودائرتها الأوسع عراقياً: الفرات الأوسط، بيئة مثالية للبلاغة. شعراء النجف يسبكون قصائدهم سبكاً، إنهم يعملون عليها بالأزميل، إذا ما استعرنا عدة النحاتين، وبالتالي ينتجون نصوصاً محكمة.

وفي شعر عبود الجابري شيء من ذاك الإحكام. نصوصه مكتملة بذاتها، ولا ترى فيها زوائد من أي نوع، يساعده في الخلوص إلى هذه النتيجة أن نصوصه، على الأعم الأغلب، هي نصوص قصيرة، تمتاز بالتكثيف والسمك الدلالي اللافت.

نقرأ معاً هذا المقطع:

لمْ تَعثُرْ على اسمكَ

في قائمةِ الشُّهداءِ

فوقفتَ طويلاً تنتظرُ،

عَسى أنْ يُخطيءَ المنادي

باسمِ أحَدِهمْ

أو يتأخَّرَ شهيدٌ عن الحضورِ،

إلى الطَّابورِ

فيختارَكَ بديلاً عنْهُ

ويُلبسَكً قميصاً عتيقاً

ضاقَ بهِ صاحبُهُ

ليخلعَهُ

وَيعودَ إلى حُضنِ الأرضِ

عارياً

يُغنِّي لرفاقِه:

أَكلُّ هذهِ الحروبِ

منْ أجلِ قميصٍ

يقودُكَ إلى التَّفكيرِ

بحياةٍ أقلَّ وضوحاً

منَ الموتْ…؟

(من نص عنوانه: هناك من يشعل ناراً).

ومن علامات هذا النص البارزة احتفاؤه بالسرد. ولكنه سرد لا يسترخي على حساب إحكام النص. وإذ ينتج النص حكايته التي ما على القارئ سوى متابعتها، فإنه في الحين ذاته، أي النص، يقدم بنية متماسكة مشفوعة بالعاطفة أيضاً.

بدأ السرد يدخل بقوة بوصفه عاملاً جديداً من عوامل صناعة الحداثة في قصيدة النثر. ومنذ أكثر من عشرين عاماً والشعراء يذهبون إلى تخوم السرد، فيغامر بعضهم في اقتحامه، ويظل آخرون واقفين على تلك التخوم فقط. إن خطورة السرد، كما يرى نقاد الشعر عامة، متأتية من قدرته على الإطاحة بمعمار القصيدة، وبالتالي إنتاج نص غير شعري. وهنا تتجلى مهارة الشاعر وقدرته في الإفادة من السرد لإنتاج الشعر.

لقد انتهى النقاش منذ زمن حول قصيدة النثر، هذا ما أعتقده شخصياً، ولم يعد مجدياً الحديث عن تجنيس هذه القصيدة، أو الحط من قيمتها بين الأشكال الشعرية الأخرى المعروفة، وبدأ عصر النقاش حول تكنيك القصيدة نفسها، وقدرتها على اجتراح مغايرتها، وبالتالي كينونتها.

ونصوص عبود الجابري تندرج ضمن مصطلح قصيدة النثر، وهذا مما لا شك فيه، ولكن السؤال هنا: أي قصيدة نثر يكتبها الجابري؟

المجاميع الثلاث التي بين أيدينا، ونصوصه المنشورة هنا وهناك، تفيد بأن الشاعر لم يعد يعبأ كثيراً بالمسألة النظرية. تلك التي تتعلق حصراً بالشكل الفني. انحيازه لقصيدة النثر عبر سنوات طويلة، وثلاث مجاميع شعرية، كاف ليكون علامة. علامة يقرأها المتلقي ليترك مسألة بيان خصائصها للناقد.

في نص آخر يفيد الجابري من تقنية القناع المعروفة في قصيدة النثر، مثلما يفيد في نصوص أخرى من تقنية التعاريف الشعرية. ما أريد قوله هنا هو قدرة العلامات على صياغة المشهد التعبيري بوضوح وبدون عناء. نحن، في النص الآتي، أمام أحد أبرز نصب العاصمة بغداد، والذي تشكل في الوعي الجمعي عبر عقود، إنه نصب كهرمانة، نقرأ النص، ونعاين بعدها كيف تحول هذا النصب إلى علامة عن واقع البلاد:

كهرمانة

لم تكن

تصب الزيت الساخن

على رؤوسهم

كان ماءً بارداً

غسل اللصوص به وجوههم

وانتشروا في شوارع بغداد

تلك هي جريمة (محمد غني حكمت)

حين قام بتزوير فصل كامل

من (ألف ليلة وليلة)

وعلق علماً أسود

في يدها اليمنى

بينما يدها اليسرى

تطلق الرصاص على العابرين

هكذا ألفينا البلاد

جرةً من خزف تالف

تحملها غانية

تترنح في خرائب بغداد…

(من نص عنوانه: ذيل الحكاية).

يريد الشاعر في أول السطور أن يبرهن على خطل الرأي الثابت عن كهرمانة/ المرجع. يريد أن ينتج كهرمانته، أو بالأحرى كهرمانة معاصرة شيدت صورتها الملايين من اللقطات التلفزيونية والصحافية التي دونت كل شيء في بغداد ابتداءً من عام 2003.

كهرمانة التي يتحدث عنها عبود الجابري هي علامة معاصرة عن عراق تناهبته صروف شتى، أصبحت فيه، الأسطورة ذاتها مقلوبة على عقبيها، فبدلاً من أن تصب البطلة نارها على رؤوس القتلة والسرّاق، صارت تبرد تلك الرؤوس بالماء البارد، وتسهم أيضاً في ترويج صنائعهم الخسيسة. ليست صورة عدمية تلك التي يقدمها الجابري، إنها صورة، مغمسة بالسرد والعاطفة، للبلاد وقد تشقلبت حالها بعد أن كان الأمل يراود أبناءها.

قصيدة الجابري، في الخلاصة، مزيج بين العاطفة والصورة الشعرية التي تتكئ على سرد واضح وصادم. هذه هي العظة التي يخرج بها القارئ. وهي العنوان الأبرز الذي وجدت نفسي مقذوفاً فيه بقوة.

شاهد أيضاً

خلود البدري

الواقعية السحرية في مجموعة «عصا الجنون» .. خلود البدري

  عن دار «ميزوبوتاميا» للطباعة والنشر والتوزيع، صدرت المجموعة القصصية «عصا الجنون» للروائي والقاص أحمد …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية