عبقري الحرب الذي فضل الموت على الاستسلام .. د. يسري عبد الغني

يسري عبد الغني

 

كان هانيبال واحدًا من أعاظم القواد العسكريين على مدار الزمان كافة، وكان أخطر عدو عرفته روما بجلالة قدرها.

 

وُلد هانيبال في قرطاجنة عام (247) قبل الميلاد، حينما كان والده ـ هاميلكار باركاـ يقاتل الرومان في جزيرة صقلية الإيطالية، فيما عرف باسم الحرب البونية أو الفينيقية الأولى، وقد خسرت قرطاجنة في هذه الحرب مستعمراتها المزدهرة في جزيرة صقلية، إذ أنها فقدت السيطرة على البحر على أيدي الرومان في المعركة التي دارت على مبعدة من جزر إيجاتيس.

 

القسم على الكراهية:

لقد أدت هذه الحرب إلى أن يتمرد على القرطاجينيين كثيرون من جنودهم الإفريقيين، واغتنم الرومان هذه الفرصة للمطالبة بجزيرتي كورسيكا وسردينيا كذلك، ومنذ ذلك الحين فصاعدًا شعر زعماء القرطاجينيين بأنهم لا يستطيعون قط الوثوق بالرومان أو الاطمئنان إليهم، والواقع أن هاميلكار باركا ـ الذي عُيِّن قائدًا لقرطاجنة في أسبانيا ـ صحب ابنه هانيبال البالغ من العمر(9) سنوات إلى المذبح، وجعله يمد يديه فوق قربان بشري حديث العهد، ويقسم يمينًا بأن يظل طوال حياته يكره الرومان كراهية دائبة لا تفتر! وقد برّ هانيبال بهذا القسم الغريب طوال عمره.

 

في أسبانيا:

عندما بلغ هانيبال الثامنة عشرة من عمره توفى والده، وما إن أشرف على السادسة والعشرين حتى خلف هو نفسه صهره قائدًا أعلى لقوات قرطاجنة في أسبانيا، وقد استغل هو وأسرته زمنهم أحسن استغلال؛ إذ استطاعوا ـ عن طريق الإتجار والغزو ـ أن يقيموا في أسبانيا إمبراطورية تعوضهم عما فقدوه من ثروة في جزيرة صقلية، كما ضموا إلى صفوفهم كثيرين من صفوة المقاتلين من العشائر الأسبانية المولعة بالحرب، وزادوهم تدريبًا على أساليب القتال، وعقد هانيبال ذاته أواصر الصداقة مع مختلف قبائل الغال، وعلى الأخص تلك التي كانت تسيطر على الممرات عبر جبال الألب، والواقع أن الغاليين كانوا قد مُنيوا بالهزيمة منذ عهد قريب على أيدي الرومان، وقد أدرك هانيبال أنه يستطيع الاعتماد على مؤازرتهم إذا هو سارع بالعمل.

 

تمكن هانيبال في عام (219) قبل الميلاد ـ وبعد حصار دام ثمانية أشهر ـ من الاستيلاء على مدينة ساجونتوم، وهي وإن كانت تبعد مائة ميل جنوبي نهر إبرو (حدود إمبراطورية قرطاجنة) في أسبانيا، فقد شاءت المصادفات أن تكون من حلفاء روما، وأدرك هانيبال أن معنى ذلك هو تجدد الحرب مع روما، وقد عرفت في التاريخ بالحرب البونية الثانية.

 

ولكن كيف يمكن مهاجمة روما الحصينة؟ إن هذا لا يتأتى بالهجوم عن طريق قرطاجنة مباشرة، إذ كان الأسطول الروماني القوي يسيطر على البحر، وهكذا اجترأ هانيبال على شيء لم يفكر أحد في إمكان حدوثه، فقد قرر أن يزحف بجيشه الجرار عبر جبال البرانس، وإقليم بروفانس، وجبال الألب، ثم ينقض انقضاض الصاعقة على شمالي إيطاليا، وكان يأمل ويتوقع في نفس الوقت أن حلفاء روما في إيطاليا سينتهزون فرصتهم، وهم تحت حماية جيش قرطاجنة، ويتخلون عنها، وهكذا تضطر روما إلى الاستسلام.

 

هيا بنا نعبر جبال الألب:

وهكذا ترك هانيبال جزءًا من جيشه تحت قيادة أخيه هازدروبال؛ للدفاع عن أسبانيا، وبدأ زحفه الكبير من قرطاجنة أو قرطاجنة الجديدة، على رأس قوات يُرجَّح أنها كانت تتألف مما يقرب من (50 ألف) رجل، و(37) من أفيال الحرب، وبعد عبور جبال البرانس ونهر الرون، وهو ما كلفته بعض المشاق بسبب وجود الأفيال، استطاع أن يصل أخيرًا إلى جبال الألب، والتاريخ لا يعرف حتى الآن أي ممر اجتازه بين الجبال: أهو ممر مون سني؟ أم ممر جينفر؟ ولكن المعوقات المختلفة التي استهدف لها في اضطراره لعبور جبال الألب والشتاء وشيك الحلول، وبسبب ما وجده من عداوة وخيانة بعض القبائل الغالية، فقد أدى ذلك كله إلى أن يفقد نصف جيشه على وجه التقريب.

 

ولم يكن باقيًاً من قواته عند وصوله إلى سهول شمال إيطاليا سوى (20 ألف) جندي، و(6 آلاف جواد)، و(10 أفيال)، ما لبثت فيما بعد أن نفقت جميعًا إلا فيلاً واحدًا، ولولا أنه استطاع أن يبث في رجاله روح الإيمان وإرادة الانتصار لما استطاع أن يتحمل كل هذه الصعاب ويعبر جبال الألب على الإطلاق، والواقع أن القائد هانيبال ذاته فقد إبصار إحدى عينيه بسبب حمى شديدة أصابته نتيجة الإجهاد الشديد.

 

عندما تكون المعارك الحربية في إيطاليا:

لم يلبث هانيبال أن أبدى مواهب فذة مذهلة كقائد عسكري، فقد سجل أول انتصاراته العظيمة عند نهر تربيا، حيث عمد القرطاجينيون إلى تدليك أجسادهم بالزيت بعد الاستدفاء بالنار، لدفع البرودة الشديدة عنهم قبل اشتباكهم في القتال مع الرومان، بعد أن استدرجوهم بالخوض حتى خصورهم في مياه النهر القارصة البرد قبل تناول طعام الإفطار.

 

وكانت خطوة هانيبال الثانية هي استدراج جيش روماني آخر إلى ممر ضيق قائم بين بحيرة تراسيمين والجبال، حيث كان جنوده من الفرسان محتجبين عن العيان خلف ستار كثيف من الضباب، حتى صدر إليهم الأمر بالانقضاض على مؤخرة الرومان وإغلاق هذه المصيدة عليهم.

 

أما الرومان فإنهم ما لبثوا ـ بعد أن لحقت بهم هاتان الهزيمتان ـ أن حاولوا اتباع تكتيكات أخرى مختلفة، فإن فابيوس القائد الروماني الجديد تحاشى الالتحام المباشر، ولكنه ظل يتعقب جيش هانيبال وهو يزحف جنوبًا في إقليم كامبانيا، وعندما كان هانيبال يوشك أن يعود مخترقًا جبال الأبنين، عمد فابيوس إلى سد جميع الممرات إلا واحدًا، ووقف عنده في انتظار هانيبال، ولكن هانيبال أمسك بقطيع من الماشية وربط بقرونها مشاعل موقدة ليلاً في اتجاه آخر مختلف، وفي الظلمة السائدة التبس الأمر على الحراس الرومان، حتى ظنوا أن قطيع الماشية هم القرطاجينيون، وساروا في إثرهم، على حين استطاع جيش هانيبال أن يجتاز الممر دون أن يفطن إليه أحد.

 

ولكن تكتيكات فابيوس في التعويق لم تجد أدنى استجابة لدى الرومان، ففي العام التالي صمم قناصل روما على الالتحام مع هانيبال في معركة اشتباك أخرى وجهًا لوجه، أما هانيبال فإنه اختار أرض المعركة بعناية في منطقة كاناي، وقد عمد القرطاجنيون ـ وهم ملتزمون بأدق تنظيم وانضباط ـ إلى جعل قلب جيشهم يتراجع وفقًا لتدبير سابق أمام هجوم الرومان، ولكن دون أن تتفرق صفوفهم، على حين أطبق جناحاهم على الرومان، الذين أصبحوا بذلك مطوقين بحركة التفاف، وأُبيدوا عن بكرة أبيهم.

 

 وفي الحق أن موقعة كاناي كانت أعظم الانتصارات التي سجلها هانيبال، ولم يحدث بعد ذلك قط أن عمل الرومان على الالتحام معه في معركة مواجهة على الأرض الإيطالية.

 

الفشل.. الاستدعاء.. الموت بكرامة:

ومع ذلك، وبرغم كل هذا النجاح، فإن هانيبال لم يحطم قط قوة روما، إذ كان يعلم مدى صعوبة الاستيلاء على روما بما لها من استحكامات منيعة، وكان يأمل أن حلفاء روما سيتخلون عنها بعد انتصاراته، ثم إن الرومان ظلوا سنين طويلة يعملون على إجهاده، واستنزافه باتباع تكتيكات فابيوس في حرب التعويق، كما تكفلت سيطرة روما البحرية بالحيلولة دون وصول أية تعزيزات إليه من قرطاجنة مباشرة، وقد نجح القواد الرومان في أسبانيا في منع وصول الإمدادات إليه عن طريق البر إلى عام (207) قبل الميلاد، حينما أفلح شقيقه هازدروبال في اجتياز جبال الألب على رأس جيش للنجدة، ولكن الرومان اعترضوا طريقه وهزموه في موقعة نهر ميتاوروس، قبل أن يتمكن من الانضمام إلى هانيبال.

 

في النهاية قام الرومان بمهاجمة القرطاجنيين في أفريقيا ذاتها تحت قيادة سكيبيو، ودُعي هانيبال للعودة لكي يتولى الدفاع عن وطنه الأم، وهناك، عند زاما إلى الجنوب الغربي من مدينة قرطاجنة، دارت في عام (202) قبل الميلاد المعركة الفاصلة، وتمت هزيمة هانيبال أخيرًا.

 

وبعد انتهاء الحرب حاول هانيبال إنقاذ قرطاجنة من نتائج الهزيمة، ولكن عندما اكتشف أن أعداءه أخذوا يتآمرون لتسليمه إلى الرومان، اختار أن يذهب إلى المنفى، حيث قتل نفسه آخِر الأمر، مفضِّلاً ذلك عن الاستسلام لروما.

 

هذه حكاية هانيبال القرطاجني القائد العسكري الأسطوري فهل نتعلم منها؟ لعل وعسى!

* باحث وخبير في التراث الثقافي.

شاهد أيضاً

حسن العاصي

فينومينولوجيا شقاء الوعي (2 ـ2) .. حسن العاصي

  مثقف مستهلك لا منتج ظل بعض المثقفين العرب ردحًا من الوقت يكابدون مقاربة الكثير …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية