عبث .. رشيد بلفقيه

رشيد بلفقيه

 

مع كل قصيدة يكتبها كان جزء من كيانه ينفصل عنه، ويتشكل خارج ذاته كائنًا آخر.. كائن تعرف نقطة بدايته وحدوده، ولكنه كائن بلا ملامح دقيقة.

استهوته اللعبة، فظل يتلذذ في حالة مازوشية غريبة وبدم بارد بتجزيء نفسه إلى شظايا، كانت  تطول أو تقصر بلا تخطيط أو أهداف كبيرة معلنة، أو مضمرة، بل كانت لمجرد العبث الأدبي المحض.

في السنوات الأولى كان كل شيء في كتاباته عاديًا باستثناء صوره الحبلى  بكائنات وعوالم متناقضة، وكان ينفق الليالي الطويلة في قرضها مانحًا لكل قصيدة شيئًا منه، نافخًا فيها من روحه لتستقيم كائنًا سويًا. وكانت كلها تقبع تحت تصرفه كقطع «سكرابل» يرصفها كما يشاء ثم يفككها ويعيد تشكيلها في كيانات جديدة قابلة طيعة، لا ترفض له تصورًا ولا ترجع له أمرًا.. كانت هذه الإبدالات اللامحدودة تعطيه كل مرة كائنات وعوالم مختلفة تفاجئه أحيانًا وتذهب به أبعد مما توقع.

لكن في مرحلة ما؛ بدأت هذه العوالم تستقل عن مخططاته وشرعت تشيد نفسها أحيانًا بلا تدخل منه، وبدأت عملية تفكيكها تتعقد وتنحو مناحي عسيرة وشاقة، مما جعله ينشيء أجهزة تساعده على ضبط هذه التفتتات اللاقيمة لها، إلى ما شاء لها أن تكون.

تعددت عوالمه، ونشأت بينها خلافات حادة جعلته يتلوى أحيانًا قبل أن يلد المخارج والحلول خارج رأسه المتورم من تناطحاتها. شيئًا فشيئًا بدأ يذبل وقل حماسه في تنظيمها، صار نهبًا لها تؤسس نفسها متى شاءت وتحل نفسها ساعة تريد. تجزأ كثيرًا ولم يعد شكله يشبه البشر بتاتًا، غارت العينان واسود محيطهما، وصار احمرارهما الدائم علامة مرعبة تخبر بقرب نهايتهما.. «من يهتم»، كان يبرر، «البصر شيء والبصيرة شيء وأنا أبصركم بأمور نفسي حتى ولو صرت الأعمى».

نحل جسده وبانت عظامه حتى صار بالإمكان عدها من فوق قميصه الشاحب، وتقوس كاهله تحت وطأة صوره واستعاراته وأبياته.. هل كان شاعرًا؟ ربما، هل كان كاتبًا؟ على ما يبدو، هل كان إنسانًا مثلنا؟ لست واثقًا حتى…

ـ مات!

ـ كيف حدث هذا، وبالأمس فقط رأيته يجلس هناك يعجن فراغه بدخان سيجارته السوداء كما اعتاد؟!

ـ سيارة، وهو يحاول عبور الطريق…

ـ يا ساتر، وماذا بقي منه ليدفن؟

ـ بضعة وعظام على جمجمة ملطخة بالأفكار، ويقال قصيدة كان على وشك إنهاءها لولا القدر المحتوم..

ـ أشك في موت كائن مثل هذا هكذا.

ـ لك أن تشك كما يحلو لك، غدًا جنازته ودفنه…

مضيت لأعزي أهله مقحمًا نفسي عنوة في القصة، متوقعًا أن النهاية لن تكون بتاتًا هكذا.. قادتني الوالدة المكلومة ـ بعد كلمات عزاء مقتضبة وإلحاح مني في السؤال عن المتى والكيف ـ إلى غرفة خالية وسلمتني ما يشبه الظرف الكبير. عندما خلوت إلى نفسي تفحصته فإذا هو مجموعة قصائد بعضها مرقوم وبعضها مكتوب بخط اليد. بعضها مكتمل وبعضها في طور النمو. ما علاقتي بكل هذا سألت نفسي لكنني لم أجد أي جواب. حاولت إخراج نفسي مرة أخرى من القصة لكن الخروج كان أصعب بكثير من الدخول، فقد باتت بعض الأبيات عالقة بذاكرتي تطاردني أينما حللت وتصول بفكري أحيانًا في أوقات لا أتوقعها.

ـ لست على استعداد لألقى نفس المصير، لست على استعداد لأن تكون خاتمتي مثله.

ـ أنت من سعى لكل هذا.. جد لنا مخرجًا، هكذا تمردت علي نفسي.

عندها لاحت لي الفكرة المخرج، سأشرك الجميع في هذه «الروينة»، أنا أنت أنتم نحن الجميع، ليس عليّ إلا أن أحمل الأوراق إلى أقرب ناشر وسينتهي هذا الكابوس بالنسبة لي على الأقل.

ـ سلامتك يا أستاذ.. الأوراق لا تحمل أي كتابة.

هكذا أخبرني المدقق اللغوي وهو يرمقني بارتياب.

ـ كيف.. لا.. لا يمكن لقد كان كل شيء هنا.

ـ تفضل

عندما دققت النظر في الأوراق كانت بيضاء كرأس الأقرع.

حملت الظرف ونزلت الدرج أتعثر خجلاً.. كان اهتمامي كله منصبًا على الأسطر التي اختفت.. هل غير أحدهم الظرف؟ محال فلا أحد اقترب منه منذ تسلمته.

ماذا وقع بالضبط، وما هذه العقدة الجديدة التي أضيفت إلى الحبل الملتف حول رقبتي؟ كنت منشغلاً مسحوبًا من واقعي إلى عالم آخر، عندما سمعت اقتراب سيارة كاد صوت منبهها يفجر أعصابي المتعبة، لكن أشياء أخرى انفجرت.. ثم انتهى كل شيء، كأنه لم يبدأ.

إضافة أخيرة: لا تبحث عزيزي القاريء عن أجوبة أبعد مما ظهر لك من المرة الأولى، وتخلص بسرعة من صدى ما قرأت من رأسك، يكفي هذه الأسطر ضحيتان.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية