ظهيرة على سطيحة فندق La Place .. نور الدين الزويتني

نور الدين الزويتني

 

في تلك الظهيرة الغريبة

عندما طَرَحَ كعادته

مكعب السكَّر الصغير

في الكأس السميكة

التي بدت له فجأة

كبئر متناهية الصِغَر

ولا قرار لها،

شعر أنه لم يكن قد طرح

في تلك الكأس

 

وفي تلك الظهيرة

مجرد قطعة سكر،

بل قلبه الذي

بدا له أيضا

بحجم حبّة بازِلّاء

منفجرًا كَثمرةِ رمّان

في سبع جهات

وهو يهوي ذائبًا

إلى القعر الرهيب ذاك!

***

كان فعلاً قلبَه

لا مجردَ خيال اقتضاهُ

فائضُ فِكْرٍ ما أو ما شابه

حتى إنه تحسس

قفص صدره

فألْفاهُ، كطبلٍ،

فارغًا تمامًا!

وانتبه غير آبهٍ

أن العالم قد سكَن فجأة حوله

وغدا كما هو

في لوحة Natura Morta

لجيورجيو موراندي

سرابًا

وأن جسده صار أجوف

وخفيفًا

كريشة بيضاء فوق مياه هادئة  

ـ مياه المزمور 23،

لكن بدون «ظلال وادي الموت»

ولا «المائدة» و«بيت الرب» ـ

***

في تلك الظهيرة البعيدة

التي لن تشبهها ظهيرة بعد ذلك

وبصفاء الفارهة Molly Bloom

في الفصل الأخير من  Ulysses لجيمس جويس

وهي تُطالع من شرفتها العالم،

انكشف له خيط الرؤيا الرفيع

الواصل بينه

هو الجالس آنذاك في سطيحة La Place

وبين ما يكون عاشه

من حَيَوَاتٍ بدتْ في تلك اللحظة  

تتلاشى أمامه

هادرة أحيانًا كقذائف في ليل

وفاترة تارة

كقضيبٍ سقيم،

تذكر أسماءه كلها في تلك الحيوات:

أغاممنون،

الحارث،

غيْلان،

نسطور وكَهَنة نيقيا،

دونا الكبير،

آرثر وسيفه Excalibur،

شاترتون،

لوفكرافت،

وابن الخطيب،

وتذكر أيضًا

أساميه الأخرى الوضيعة

يهودا ووروبسبيير،

غاي فوكس،

مير جافار،

وأسماء قتلة وجلادين،

إمّعات ووشاة،

سفلة،

لوطيين،

وصِبْيان مَبَاغٍ.

***

كانت الشمس قد ازْوَرّت

عن سطح الفندق

ناثرة بَتلاتِ الذهب على وجه البحر

حين انتبه لقهوته الباردة

وللسطيحة التي امتلأت بالزبائن

في غفلة منه،

وداهمه فجأة طعم ذكرى سحيق

لوجوه وأمكنة

طفقت تتداخل في وجههِ

ومكانِهِ ذلك

مثل سحائبَ تجمعها وتبدّدها الريح:

أوروك،

         إرَم،

              إيثاكا،

                     طشقند،  

                               لندن،

                             سايْلم،

                                              فاس…

وأرسل بصره إلى برج الساعة أمامه

وإلى المرسى غربًا

والمسرح ذي الحدَبَة

الشبيه بـ«ثلة أَسَدِ وَاتِرْلو»

ثم الأسوار العالية للقلعة

وسطوح المباني الملتمعة

في الغسق النيلي…،

بِزَهْوٍ أرسلهُ،

لأنه فهمَ أخيرا رسالة أوتنابشتم،

فَهِمَ رمز العشبة والأفعى،

وأن الأفعى لم تلتهم العشبة

كما خيّل له

بل كانتِ اكتمالَها

في دورة الأورُوبُورُوس

الأبدية،

وأنّهُ هُوَ الجالس الآن

«الذي رأى كل شيء

حتى تخوم العالم»

هنا على سطيحة فندق La Place

بُرهانُ ذلك!

شاهد أيضاً

قيس عبد المغني

اندمي .. قيس عبدالمغني

أطلقي أثر الفراشة في مجاهل الحزن وفي تفاصيل البلاد التي تسكن في دمي.. اندمي ستوفرين …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية