ظل البائسات .. نسرين النقوزي

نسرين النقوزي

 

صبغَت شعرها الأبيض بلونٍ أسود حالك.. تناولت قلم الكحل الأسود ورسَمت حواجبها الرمادية.. أعادت رسمهما مرارًا ومرارًا حتّى تأكَدَت أن اللون الرماري اختفى إلى غير رجعة.. ارتدَت فستانًا قصيرًا فضفاضًا يخفي عيوب جسمها المترهل.. أخذت سيلفي وأرسلَتها إلى كل أصدقائها الافتراضيين على الفيس بوك.. انهالَت عليها التهاني من كل صوب، وكلمات الغزل والإعجاب.. أكّد لها الجميع أنها تبدو في أول العشرينات.. ابتسَمَت.. ضحكَت.. قهقَهَت من الفرحة والفخر.. تناولت معطفها وخرجت مسرعة.

بدأَ المطر بالتساقط خفيفًا على شعرها.. نسيَت من فرحتها إحضار مظلتها.. ازدادت قطرات المطر بالانهمار بقوة أكثر.. أرادت الاحتماء منها تحت الشجرة الوحيدة الباقية في هذه المدينة البائسة.. فوجدت الكثير من البائسات سبَقْنَها إليها.. أشرنَ إليها بأصابعهن وهنّ يضحكن كالساحرات الشريرات.. لم تفهم سبب هذه الضحكة المدويّة كالرعد الذي بدأ هو الآخر بالدوي.

اقتربت من زجاج سيارة مهلهلة راكنة في الزاوية.. نظرت إلى المرآة الأمامية.. رأت الصبغة السوداء تسيل على وجهها.. حواجبها رجعت إلى لونها الرمادي كلون الغيوم التي تلبَّدت فوق رأسها فقط.. فستانها القطني الأبيض الفضفاض التصق بسبب المطر الغزير على جسمها ليُظهر من تحته كل معالم جسمها التي أخفَته كل هذه السنين.. حلمتاها البنيتان أصبحَتا أكثر نفورًا.. وضعت يديها بسرعة لإخفائهما كي لا يراها أحد.. ولكن ضحكات الفتيات المتزايدة، وأصابعهنَّ الممتدّة نحوها، أكّدت لها بأنَّهنَّ رأينَ ما حلَّ بها.. ركضت إلى بيتها مسرعة.. تعثّرت مرارًا.. المطر تحوّل إلى سيول كدموعها التي انهارَت على خدودها.. دموع الخوف والذل والانكسار.. وصَلَت إلى البيت.. فتَحَت الفيس بوك.. وضعت صورتها الحالية البائسة.. انهالَت عليها الشتائم من كل صوب.. ولكن مهلاً! هي ذاتها من تصورت هذا الصباح وامتُدحت! هي ذات الروح.. ولكن دون رتوش.

بئسًا للفيس بوك.. بئسًا لرفاقها الافتراضيين.. الحقيقة في الخارج حيث المطر والخوف.. حيث الشجرة الوحيدة.. أين يجتمع البائسون والبائسات.

شاهد أيضاً

إلى متى سأظل أنتظر؟ .. حسن حجازي

  (1) بكل همة رحت أكنس ما علق بذاكرة هاتفي المتذاكي، بكل تهاون أرتق الآن …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية