طبيبة نفسية بقفص القرود .. شيري زين

شيري زين

 

المرضى النفسيون يقتربون من حافة الجنون في هذا المبنى، وحين يجتمعون في مكان واحد لا يستغربون من تصرفاتهم الغرائبية، يقومون أحيانًا بتصرفات شبه حيوانية، حتى أنهم أصبحوا يشبهون القرود بقفص الحديقة المهمل.

شغلني هذا الأمر، إلى جانب أن البحث فيه كان من طبيعة عملي، وجعلت أبحث في كيفية تحول الإنسان العاقل الحر، إلى مجرد حيوان محبوس بقفص كما قفص القرود، تارة يبكي على صفاته الإنسانية التي فقدها بإرادته أو رغمًا عنه، وتارة يتمنى أن يخلع القضبان بأسنانه ويهرب من القفص، وتارة يشعر بأمان أكبر بين أصدقائه القردة، ولا يريد الخروج، فَهُم لن ينظروا إليه نظرة لوم على أي تصرف غريب، لأنهم مثله .

تراوده خيالات من ذكريات أيام العقل والحكمة فيرى فيها ما يخبره بصعوبة إمكانية خروجه من القفص. وبقيت أشفق على هؤلاء، حتى أنني بدأت بتكثيف وردياتي بالليل، ففي هدأة الليل يمكن أن أتوصل إلى حل لتلك الأمور التي يصعب التفكير فيها صباحًا.. وأنا بين زحام النقالات واستقبال سيارات الإسعافات ونحيب الأمهات، وأصوات إغلاق الأبواب الحديدية التي تعلوها كل يوم صرخات المعتقلين الجدد.. في كل ليلة كنت أتردد على قفص، أفتح القفل الحديدي وأنزع السلاسل الملتفة حول الباب، وكأنها تلتف على أيدي قتلة أو سارقين، بل وكأنها تلتف حول أعناقهم التي يكاد يظهر منها كل الأحبال الصوتية، إثر النداءات على الأطباء الجبناء، والاستغاثات من الأطباء الأغبياء الذين لا يكفون عن تعذيبهم بجلسات الكهرباء، أو بالتجاهل.. ذلك لأنهم لا يعرفون الدواء، وبدأت في عملي بشكل حقيقي لا روتيني، أصبحت أمارس دوري كطبيب بشكل إنساني، أتفحص جميع الحالات وأستمع إلى كل المشكلات، ولكن بلا جدوى، كل من أشرفوا على هذا المبنى ليُعَالَجوا صاروا على حافة الجنون.. مهمِلون أنجبوا مُهمَلين فأصبحوا مرضى نفسيين.. ربما لأنهم تعاملوا في هذه الحياة بوجه واحد، تلك الحياة التي لا تستقبل إلا من يمتلك ألف وجه.. فلماذا أتت بهم من البداية بوجه واحد، وبعدما رفضوا ارتداء الأقنعة المزوِّرة للملامح، رفضتهم واعتقلتهم ولعنتهم بالجنون!

لم يتأثر أحد بأي حالة، ورحت أتجول وحدي بين تلك الحالات، ولكن جرى الأمر على عكس ما توقعت.. لم أستطع أن أساهم في شفاء حالة واحدة.. أنا طبيبة فاشلة.. فهناك حالات لا يشفيها إلا الموت.. وكيف سأكون قاتلة.. حاولت الهرب من تلك الورطة فوجدتني في ورطة أكبر، أصبحت أمام اتهامات هؤلاء المرضى بعدما فشلت في علاجهم، وإلى جانب فشلي هذا لم أسمح بخروجهم.

أصبحت في حالة حرجة أمام نظراتهم، فهم تأكدوا تمامًا أنني طبيبة فاشلة.. إلى جانب أنني أمتلك يدًا غير رحيمة تريد أن تغلق القفص عليهم وترحل، ولكن أحدهم لم يعطني تلك الفرصة، اقتربَ نحوي وشدني بقوة إليه، ثم أدخلني مرة أخرى إلى القفص لأعيش بينهم، وأغلق الباب علينا بنفس القفل الذي فتحت به الباب، وراح يلف نفس السلسلة حول يديّ، وحملني ووضعني على سرير حديديّ، ثم لف سلسلة أخرى بين أعمدة السرير وقدميّ، وأحكمها بقفل، وبقيت من ضمن المعتقلين خلف الباب، هذا الباب الذي لا يدخله أحد  إلا الذين أهملوا أنفسهم فصاروا مُهمَلين.. أو الذين اعتقدوا أنهم يستطيعون إصلاح الكون بعدما انقلب.. فلقد دخلت إلى القفص بكامل إرادتي وحريتي، والآن أنظر من وراء القضبان، أصبحت أراهم  يزقّون لنا الطعام ويرحلون، أستحق هذا العقاب، فأنا لم أحضر معي السموم التي تخلص هؤلاء البشر من حياتهم المهينة، فلا أحد غيري يعرف الدواء، ولا أحد من هؤلاء الأطباء الجبناء فكر بعقله المتبلد، أن الإنسان بلا عقل ما هو إلا قرد محبوس، لكن هذا القرد المحبوس لم يمنحني فرصة الخروج لأحضر له الدواء، فلقد أغلق الباب علينا جميعًا.. وفوق كل ذلك قيدني، وبينما أنا أقاوم المرض العقلي  حاولت أن  أنادي على الحارس، ربما يستمع إلى صوتي البشري، لكنه أتى ليعطي إليّ ثمرة موز، فقد رأي فيّ شيئًا مختلفًا عن هؤلاء المرضى، ثم ذهب وتركني لأتعارك مع القردة على ثمرة الموز، أنا لا أريد الموز.. لا أريد القفص.. لا أريد القيود.. لا أريد أن أفكر بأحد، فقط أريد عقلي.. ولا أرغب أن أعود طبيبة نفسية .

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

29 سنة .. هكذا عشت .. وائل خورشيد

  أتكاسل حتى يكاد كل شيء ينهار، ثم أثب وثبات طويلة تسبق الجميع، ثم أقف …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية