طبق يقدم باردًا .. أيمن الحارس

أيمن الحارس

انسحب الغروب، لم يعد فرد الحمام، وبدأ البرد يلسعني، ففهمت أن “الضاني” قد أغواه بالنتاية الشقلباظ، وتركه حتى حط معها فوق بنيِّته العالية فأطبق عليه بالشبكة وسلبه مني.. لم يردعه وعيدي.. وبدأ الليل يدخل واللسعات تتزايد. نادتني أمي بعصبية من بئر السلم، واربت باب السطوح ونزلت.

بعد ساعة جلست مع “أحمد كنيش” و”حماده عسل” على المقهى، وأخبرتهما بما حدث، وبأنني سأضرب “الضاني” بالمطواه كما وعدت، ونظر “كنيش” في حزن لي وقال “عسل عايز يفاتحك في موضوع.. اسمعه”، وأخبرني “عسل” أنه رأى سارة مع مروان شقيق الضاني اليوم في السينما.. صعد إلى نافوخي الدم وظننت أنني سأنفجر.

***

تعلمت من مشاوير كثيرة، ذهبت إليها خطاي مع الأيام، أن الانتقام عبارة عن طبق لابد أن يقدم باردًا.. فأخبرت “كنيش” و”عسل” أنه لا خيار من تأديب مروان والضاني ولكن بالعقل.. تركنا المقهى وصعدنا إلى الخلوة التي بنيتها جوار عشش الحمام لتكون قعدتنا بعد أن مات أبي.

جاء موت أبي مثل بروفة تتمرن عليها كثيرًا حتى يحين وقت العرض، فلا تستطيع أن تفرق بين التمرين والحقيقة، باختصار مات مرات عديدة بالنسبة لي، المرة الأولى عندما أصر على أن أكون ثانوية عامة علمي، ليلتها حسمت قراري وأخبرته به في الصباح لأتلقى صفعة قوية من كفه الغليظة، كان أخوتي الكبار ينظرون ولا ينظرون، ولم يتدخل أحد منهم. بعدها جاءت الصفعات تباعًا كلما رسبت، وكأن القسوة هي الحل الوحيد حتى لا أفسد.

***

قال “عسل”” “الوله واخوه يتأدبوا بكره الصبح، وسارة تخلص انت معاها عشان دي تخصك”.. وقلت “سأبعث بسوتيانها التي أحتفظ بها إلى أمها وسأجعلكم تركبونها هنا في الخلوة”.

 ***

عندما تسوء الأمور يصعب تذكر السبب.. كيف أمكن لابن الناس أن يتحول لـ”صايع”.. إنه الوقت.. أعظم معلم في التاريخ، كنت أموت من الضحك في سري كلما شاهدني شاهد وأنا أتأبط كتابين، فيدعو لي بالنجاح، وهي في الأساس كتب عن المسرح والشعر وملاحم إغريقية كانت تنزف دماء وهي مشغوفة بتفسير العالم، تمامًا كما نزفت الدماء من فمي يوم أن انتصر أبي للكلاسيكيات الشعبية، وأصر أن يراني مهندسًا أو طبيبًا “شيل من نافوخك أدبي دي خالص.. انت مجموعك حلو”.. فقلت له “اللي هيحط رجله في حياتي هكسرها له” ونزل الكف الغليظ فوق وجهي، وكان أخوتي الكبار ينظرون ولا ينظرون، وشعرت أنني أشخص قصة يوسف بشكل معكوس، يظل الغول الذي بداخلك يصرخ للانتقام، وأنت توعده بالطبق البارد الذي سيبلل جوفه. حتى يتسنى لك أن تراه وهو يتجشأ شاكرًا بعد أن التهمه.

***

أخبرت سارة في التليفون أنني أحتفظ لها معي بمقطع فيديو ستسعد حينما تشاهده على اليوتيوب لو لم تصعد بمفردها غدًا وتنتظرني في الخلوة. وكنت قد شحنت مطوتي الخوجه ومررتها على فص ثوم حتى لا يلتئم أي شج ستحدثه غدًا.

***

حينما لا تسعفك الكتب بكلمة، مجرد كلمة واحدة، عليك إذن أن تحرقها، لأنها خذلتك. وتصبح حقيقة أن يتحول ابن الناس لـ”صايع” ليس قرارًا يأتي في يوم وليلة، وإنما قانون جديد تسوء الأمور ليصعب معها كما قلنا تذكر السبب.

كأن تمر في سلام مع نفسك في يوم ما ويأتي سائق توك توك ليسب أمك واللي جابك لمجرد أنك لم تنتبه لدخلة الشارع، وأمام عينه التي احمرت من الشر ستجد ظلك ينسحب معك دون أن ترد بكلمة، مجرد كلمة، وشيء بداخلك يهتف كأنه نعيب “ضئيل”، إذن فأحرقها دون ندم، لا تترك المجال للحظة، الخطورة كلها هي تلك اللحظة، كالتي داهمتك منذ أعوام عندما رأيت نظرة، نظرة واحدة من أم خاب أملها فيك، لكنها اليوم اعتادت، هنا مربط الفرس، يستطيع الاعتياد على الشيء أن يجعل صاحبه يقبله، الآن هي ترى قطع الحشيش التي تسقط سهوًا في الصالة في الغرف وفوق بلاط السطوح دون أن تقول كلمة، مجرد كلمة، وتنظف سريري مع الحرص ألا تتحرك الخوجه من مكانها الأبدي تحت وسادتي.

***

نعم أمرر مطواتي الخوجه على فص الثوم، ولن يلتئم جرح معها، وهل التأمت جراحك حين ثُرت في بلاهة وقررت أن تحبس نفسك في غرفتك لا تصعد منها سوى لكي تضع الذرة والفول للحمام فوق السطوح، فتراه يضرب الأجنحة بقوة يكاد يلامس بها سقف السحاب، فيزداد شعورك بالضآلة.. وترى حالك وحال أخوتك مثل يوسف، ولكن أين الجب الذي سيلقونك فيه.. ينخر الغول الذي بداخلك عظام الضعف ويجأر وأنت تعده بالطبق البارد.

***

كان موته بالنسبة لي هو الموت المنتظر لما وددت أن يموت بداخلي، “واستقويت بكنيش وعسل” على أخوتي الكبار، بعد أن مددت خيوط التواصل معهم، خضنا مشاوير كنت أظن أننا لن نعود منها، وبات كنيش وعسل هما صديقاي الحقيقيان اللذان أستطيع معهما أن أقدم كل يوم طبقًا باردًا للذي يجأر، بداخلي، ورضخ أخوة يوسف لمشيئتي، في البدء تحسب أن كل تلك الحجارة هي مجرد لعبة قد تملقتك، ترشقها على الجميع ومع الوقت تبتعد تدريجيًا عن فكرتك عن نفسك، وعن الحياة، حينما ترص الحجارة وتراها مبنى يشبه الحصن الذي يصعب معه التخلي عن كل تلك القوة التي تصب في ميزان سعيك، لتصبح عزيز مصر، ولكن دون زوجة حتى لا تخونك.

***

في الصباح لففت ثلاث جرائد حول صدري، تحسبًا لأية طعنات محتملة، وأرسلت السوتيان لأم سارة، وصعدت إلى السطوح ولم يكن فرد الحمام قد عاد. ونزلت إلى الشارع وانتظرت مروان مع كنيش في دكان عسل، وجاء الشاي. وبعثنا برسول يبلغ الضاني أننا سنستهدف أخاه، وعلم الشارع أن مشاجرة دموية ستقع، وبدأت النسوة في فرد بعض الملاءات فوق حبال الغسيل، وأغلق جمال العلاف دكانه وتبعه آخرون، وخرج “صويت” من شقة سارة، لحظات ولمحنا طيف مروان مقبلاً، ونظرت للقادم في وجل ودسست فص أفيون تحت لساني، ونظرت لسرب الحمام الذي طيّره الضاني، كلهم نتايات شقلباظ، ففهمت أنه استدعاء عاجل لأصحابه. لمح كنيش سرب الشقلباظ، وقال “كسمه ده مرعوب بقى”، فضحك عسل وقال “طبعًا وهو احنا شويّة”، واختفى مروان وفهمنا أنه يريد أن نتبعه ونقع في الكماشة، لأننا سنصبح خارج المنطقة، جريت إلى البيت وصعدت السطوح وأطلقت كل الحمائم السوداء، كإشارة على أن من سيدخل سيموت، وعدت لجلستي في الدكان بين عسل وكنيش، وأشعل الحماس قلوب المشاغبين، فراحوا يسبون الدين للضاني وعائلته لاستفزازه كيما يخرج.

***

ليلة موته، قال إنه يشعر بقالب من الطوب فوق قلبه.. استدعاني وقال “مسامحني”.. فجلست على طرف السرير وأخبرته أنني أسامحه.. لكنني لم أسامح نفسي.. بكى.. خرجت من الغرفة وقضيت الليل عند عسل وشربت زجاجتين من البراندي، وانخرطت في وصلة عجيبة من البكاء، وأخبرت عسل أن أبي يموت، وأنني سأخلد للنوم الآن ولا توقظني حتى ينتهي الدفن والعزاء.. وقد كان.

***

لاح طيف الضاني من بعيد، وكان الوقت ظهيرة، وأدار عم جمال العلاف ـ من شباكه الأرضي ـ سورة الصافات بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل، ليهدئ من شر نفوسنا، وندهت على عم جمال وأخبرته أن يضع سورة يوسف، فاستنكف الطلب.. دخل وأغلق صوت الشيخ. واقترب الضاني من جلستنا، كان يصطحب معه في يده قفص به جوز زاجل.. ألقى السلام وقال إنه يهديني زوجًا من الحمام الزاجل عوضًا عن الفرد الذي ضاع، وأقسم بأيمانات المسلمين أنه لا يعرف عن فردي شيئًا، وأنه بهكذا يقصر الشر.. وأما حكاية أخيه والبنت، فإنه سيؤدب أخاه: “مرضي يا عم؟” وضرب على كفيه كأنه يفض الحكاية.. فوقفت.. وشعرت أن العالم ينظر لي في ترقب. أخرجت مطواتي فرجع الضاني خطوتين للوراء ووضع يده على الجيب الخلفي لبنطاله، وشعرت أن العالم يتأوه من الإثارة.. فتحت الخوجه.. مددت يدي لجلب الحمامة الولى من القفص، ذبحتها، ضربت بأجنحتها وتخبطت بين أرجل كراسينا، وفجر مشهد الدم أشياء كثيرة في العالم، وقبل أن تخمد إثارته أخرجت الحمامة الثانية وذبحتها، وقال الضاني “كده يبقى اسمه افترا” وأخرج مطواته وفتحها وخلع الجاكت من فوقة ولفه فوق ذراعه.. وبدأ الضرب.

***

الانتقام ليس فقط عبارة عن طبق لابد أن يقدم باردًا. هو أيضًا ذلك الغول البائس الذي لو لم ترضِه يفترسك ببطء.. البطء المخيف الذي تتضاءل معه تدريجيًا، فلا ترى نفسك بحجمك الطبيعي، يظل التقزم يسري ويسري، تظل ملقى في الجب دون أن يهدي الله إلى سبيلك عابر سبيل لينتشلك حتى يبيعك، وقبل أن يحدث كل هذا عليك أن تقرر، والقرار لا يأتي هكذا، إنها أشياء سيئة كثيرة تحدث، أحجار تُرص جوار بعضها البعض، إما أن تكون سورًا فتعزلك، أو حصنًا وللحصن غول يحميه، ولكي يحميه لابد أن تطعمه، كيما لا يجأر.

***

كنت أسدد له الطعنات بجوار جانبه الأيمن، مبتعدًا عن جانب القلب، وانتفض كنيش وعسل للتعامل مع أصحابه الثلاثة الذين دخلوا يتقدمهم مروان بالسيوف، ويبدو أنني قد أصبت الطحال وانفجر الدم.. كانت ضرباته خاطفة وأظن أن الجرائد قد صدت الكثير من الوخزات.. ضرب. ضرب.ضرب. وصراخ يدفع بالهياج لعنق الغول.. وحاصرني ابن الكلب في زاوية الدكان، ورمت إحدى النسوة ملاءة فوقه لتحجبه عني، كان يستهدف شمالي. القلب. وحاولت باقي النساء إلقاء الملاءات فوقه، ولم أجد مفرًا، نخرت بطنه، وسددت الطعنة الثانية في الكتف لأضعف الهجوم، غفّلني ابن الكلب وسدد طعنة في مصراني، لكنه سقط، كان نهير الدم الذي سال منا قد امتزج بدم الحمامتين، وبدأ يشق طريقًا إلى وسط الشارع. وانهمرت الملاءات من فوقنا وطعنتة ثانية، وثالثة ورابعة. وحاولت إزاحة الملاءات من فوقي، لكنني لم أستطع، كانت طعنته غائرة، ربما أراد أن يرضي غوله هو الآخر. ثم أنني كنت منهمكًا وشعرت أن قواي تخور، وناديت على كنيش فلم يرد، ثم رحت أنادي عسل، كنت أجاهد لأخرج نفسي من تحت الملاءات، كنت أريد أن أرى أي شيء غير وجه الضاني الذي كان يتنفس بصعوبة قبل أن يغيب عن الوعي. كانت الحركة تدب في جنون من حولي. وشعرت بشيء ينسل بخفة من روحي، شيء من المستحيل وصفه، وكنت أهبط في جب.

شاهد أيضاً

رشيد بلفقيه

رجل آمن بظله .. رشيد بلفقيه

  «من أين يبدأ الطريق نحو الضياع؟ من السير إلى نهاية هذا الدرب شبه المعتم، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية