طاهر رياض في طنجة .. عبد الرزاق الشارف

عبد الرزاق الشارف

 

تقطير سراب الماورد

 

يشعر المرء بفرطٍ في الإحساس بالمعقول، والمشاهَد بالعيان، فيحاول نقل الأمر بالكلام فيتعطل، ثم يلجأ يائسًا إلى انحرافات المعنى وإلى المجاز الذي يتسع كلما ضاقت. لم يصدّق العربُ ما يسمعون فجعلوا لهذا المجنون الشاعر قرينًا تابعًا يملي عليه، فالشعر فوق ما يستطيع البشرُ، أو لـربما كانت حيلة يتخلص بها الشاعر القديم من خطر ما يقول أحيانًا فيرمي باللائمة على قرين لا تُدركه الأبصار والفهوم، رُفع فجأة إلى سدة النبوة فاستوى، حتى صار له راوية يروي عنه بالإجازة وله سندٌ للبركةِ، وكاد يتألّه لولا تدخل النص المقدس بكبت جموح تلميذ الغيوب.

أنتَ منذ الآن مجرد هائم في كل وادٍ تقول ما لا تفعل، كعادة المجاذيب وأهل الله. لكن طاهر رياض يقاوم في أحد دواوينه ويرفع التحدي: طاهر رياض «ينطق عن الهوى». ليسَ الشاعر على كل حال إلا غويَّا ناطقًا عن الهوى فهو ليس بنبي، ولكن: ألا يكون الشاعر مسؤولاً بل وشجاعًا حينَ ينسب قوله إلى هواه، لا إلى قرين سماوي يُبرّئ به نفسه فلا يُحاسَب ولا تطاله مساءلة؟ لذلكَ هو حلاج الوقت، المُفرد الذي ولدَته كل نساء الأرض وامرأتُه عاقر، لا وريث له لأنه الختْم الموعود وفدامُ السماء، كل ذنبه أنهُ لم يكن مجنونًا تمامًا، يسير في الليل معصوب العينين واثقًا في عصاه العرجاء، كأنه لم يكسر رجليه لاستقامة عماهُ بل فضّل كسرَ فتوّة العصا كيلا ينشق له البحر. إن معجزته مرابِطة تتربص بين فكّيه، وإن الحاديَ أعمى والرؤيا دليل، ومعجم طاهر صوفيّ إلى حد بعيــد، غير أنه يمارس تفكيكه للمقولات القديمة باستنطاق ما تُـخفي وفضح ما تزمّ. ولا يأنس لاستحضارها كأثاث مبتذل لقصيدته.

ساحر كذاب، بل هو شاعر، لم تأتِ الشتائم هكذا جزافًا، جمعتهما حكمة مخادِعةٌ فقالت: أعذب الشعر أكذبه، كهّان الزمن الغابر كانوا سجّاعين أيضًا، يهذون بكلام مقفّى وأرجاز تخلب السامع في نشيد جنائزي وبخور، كذّابون ولكن فنانون، ونفي التهمة عن قصار السور كان يلزمه التضحية برفاق أمسِ، أو قتل الآباء كما نسمع اليوم، والبراءة من كل نفّاثة في العقَــد لا تكون إلا بحلّ العقدة والكشف عن الطّلّسم، أسترسل قليلا وأقول: كان البدائيون يؤمنون بأن لكل داء دواء، غيرَ أن الدواء لا يمكن تحضيره إلا من قبَل كاهــن عارف بأصل الداء وبأصل تحضير الدواء، أي بأسطورة الأصول الأولى للأشياء، إذ لا يكفي تحصيل المواد لصنع الترياق، فتُستعاد حينها لحظة الخلق في طقس احتفالي من «طقوس الطين».

***

وقعتُ على أداء للفنان بشار زرقان لقصيدة «حلاج الوقت»، فانخطــفتُ، ثم سمعتُ «اقرأ» لنفس الفنان وبكلمات نفس الشاعر، فعلمتُ أنه الحق.. وبعدها سعيتُ في الحصول على ديوان سراب الماورد آخر إصدارات طاهر رياض حينها حتى تلّقيته هدية من أحد الأصدقاء الأردنيين، فكانت هذه المراجعة، التي لا تنهج سبيلَ النقد فلستُ من أهله. هناك صنف من القراء لا يحب تشريح جثة النص في زمن موت المؤلّف، حتى وإن أرغمنا طاهر أحيانًا على ذلك بـإشراكه للقارئ في إنتاج المعنى. هو لا يستهدف الجميع وشعره نخبوي، كما يؤكد.

إن كل تحليل نصوصي يقوم به القارئ مستخدما المباضع والسكاكين، يؤدي إلى استنزاف طاقة الشعر، الذي لا قوة له اليوم إلا في غموضه، والغامض ما استغلق عليك ولم يُتركك في لجّ العمى: التعمية حرفة البلهاء والسذّج وبائعي الوهم.. أما الشاعر فيضمّ ودَع الغموض بخيط التجربة ويمهر في ترك ظلال شفافة ليقوم القارئ بإنتاج المعنى الذي يوافق مستواه الأدبي. في رياض طاهر رياض، عليك التحلي بقرون استشعار نحلة.

***

رجْع:

لا يقع على عاتق طنجة عبء تعريفها بنفسها، هي على بوابة معبد ديلف عرَفت نفسها فاكتفتْ، ورحم الله من عرف قدره فوقف عنده..هنا الزمن كوكبيّ وتنتعش في الأركان نسائم الصفة الدولية التي جعلت المدينة مسحورة بمفاتنها.. فتنَرسستْ حدّ الغرق.

ما يهمني هنا هو الفتح الذي كشف لي عن جزء ريفي فيها، في لجّة «الخبز الحافي» الذي يحمل اسم العمل البارز لمحمد شكري، تسللتْ أغنية أعرف نشيجها الباكي وحزنها الموغل في جبال الريف، المنطقة التي استعصت على التاريخ فلم يدوّنها بمنطق المنتصر، بل بمنطق المسحور العاجز، الواقف عند شاطئ دهشته من لهجة السكان الأمازيغ، بعنادهم الذي يذكّر بآباء كازانتزاكيس، الذين يجمعهم به نسب حوض الأبيض المتوسط.. كان الصوت هادئا في هذا المشرب المتـماهي مع الذوق، المستسلم لظلمة اقتراف المشروب بهدوء الهاربين.. حملتُ نفسي إلى حاسوب الأغاني لأعرف اسم المغني..إنه خالد إزري.

لو كنتُ أملكُ أن أقول.. هكذا يطالعنا طاهر في ديوانه سراب الماورد، إنه لا يملك القول، وجهده التمنّي (أو الرجاء)، لأنــه مسجّى بأخطائه، يشعر بالذنب الذي ينعقد به اللسان، ولكن حرف الامتناع الواجب «لو» يفتح باب الشيطان فنتذكّر القرين التابع:

لقلتُ لي صوتُ القرنفلِ

***

آمنتُ أن للشعوب موسيقى وليدةً للتاريخ، شعوب الخصب والفرح موسيقاها بهيجة، نافرة، ثملة، مثيرة وفاتنة..وشعوب القهر والمقاومة موسيقاها أنين، وحنين، وإن تلفّعت بالغزل فهو محجوب بتقوى، وبتعبير من تعابير أرسطو عن هدف التراجيديا: فإن هدف هذا النوع الموسيقى لن يكون إلا الكاثارسيس، التطهير.

إن ذنب الخضوع لسلطة القاهر يؤنّب، ويحرق الجوف، ويخيفنا وجه الأسلاف الذين أصّلوا للمنطقة شرعية بقائها وإن استحوذ عليها «الاستعمار الثقافي» أيّا كان لونه أو شكله ودينه.. هموم استنطاق الأرض والدم والبحر، لا يمنعها عائق اللهجة واللغة من الوصول إلى قلوب العارفين.. «أرضي هذه عشبها مشع كالثلج فوق الجبال»، يغنّي إزري.

يرى طاهر رياض «ما يُفكّر ورد الخريف بنسيانه»، إنه يراه ولا يسمعه فقط، ويتواطؤ ضد الفصول ليحافظ على ما يُراد محوُه بالنسيان، ولكن المشكلة أن المطر يهمي على أرض «ليّنة، ليّن عشبها، ليّن وطؤها، بطنها مثل بطن الحبيبة: أملسُ». فوق طاقتهِ ما حمّل نفسه وعاهد عليه زمانه، هناك قنوط وثورة نائمة، فاتنة، جفّ كل شيء، ولكن المطر يهمي.

إن الــرائد لا يكذب أهلَه، وقــد زار طاهرُ السماء وعاد إلينا بالنبإ اليقين، عرَج حلاج الوقت وعاد يحمل فما يغلي.. «فمُ النار أعطشُ من أن يجفّ»، هو المعروف بعناده ومشاكسته للمقدّس، حين أدهشته في قديمه «أصوات من ياقوت تهوي في العتمة، أشجار تنضو عفّتها»، نتذكر نصًا قديمًا عن تلك الشجرة التي تقدّس اسمها حتى محا حقيقتها فصرنا نقول «سدرة المنتهى» ونـأسَنُ في نسيانها، إنها شجرة سدر يذكرها التراث على لسان النبيّ: «انْتَهَيْتُ إلَى السِّدْرَة فإذَا نَبْقَها مثْلُ الجرار، وإذَا وَرَقُها مِثْلُ آذَانِ الفِيلَةِ، فَلَمَّا غَشيهَا مِنْ أمر اللهِ ما غَشيهَا، تَحَوَّلَتْ ياقُوتا وَزُمُرَّدًا».

لا يأنسُ الشاعر لرواية المنتصر في السردية، وتلكَ شيمة القاضي العدل، بل يصيخ السمع لرواية الأفعى عن الفردوس وهي ترويها خارج الأوقات، أي خارج آفات التبدّل، وحيـــن تتسيّد علينا المتعاليات يهزأ بها ويُذكّرها بأصولها: 

آلهة الغياب كأنها تنسى: بأن حضورها ذكرى..

يقودنا طاهر بين مفاوز علم الاستمتاع باللغة، والشعر الشعرُ ما خلبك قبل تدبر معانيه، يعرف الشاعر أن مهنته تقترب من الموسيقى أكثر من أن تكون فنا أدبيا، وهو في سعيه الحثيث لإشباع رغباته الصوتية يرتق الفتوق، ويغوص عن الدرّ المكنون في القواميس، ويجدد الأوابد ويُـؤسطر الألفاظ المولّدة.. حجر الفلاسفة لسانهُ، وهو يُقسم أن ما من نحلة إلا وذاق عُسيلتها.

أما خالد إزري فينحدر من الريف، تنقل بين مدن الناظور ومليلية، أخذ من هذه قساوة الأصل وبحّة الصوت، ومن الأخرى صراع المتضادات: تلك البقعة الإسبانية التي لا تنتمي إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، مع سمتِه الأمازيغي الموري، وشعره القطط  الذي لا مجال فيه للمحاباة: الحرية، الأرض، الأخوة.. شعارات الأمازيغي الحر الذي يتعرض للمضايقات، منذ موريتانيا الطنجية ونوميديا، منذ أكسيل وتيهيا وإمارة النكور..وهل ننسى إهمال المُهمَل: حرب الريف؟

«من منكِ قال بأنني لكِ يا حياة؟» يتساءل طاهر.

***

سيظل هذا النص الملتبس، التقرير المقال، شخصيًا مبتعدًا عن اللجاج الأكاديمي والبحث الذي يُدمغ بالرصانة العلمية، فمن الحماقة البحث عن منبر في بار.. وحينها لن يضرني الإفصاح عن دهشتي حين انسلّ إليّ ساعي بريد الوقت، الذي لا يهتم بالعناوين القارّة لأضرحة الأولياء، ليسلّمني ظرفا من الأردن يحمل كتيّبًا صغيرًا ظريفًا: سراب+ الماورد.

لا يمكن ادعاء مسامتة بين المغني الريفي والشاعر الأدرني، غيرَ أن للفكر دعاباته وفخاخَه، فنلتذّ بأشياء تبدو متنافرة، ونأكل أطباقا تجمع المالح والحلو، يسترسل الحديث عن الأصول والشمال وجبال الريف والأدب والخيال، ونتذكر المآسي التي عقدت عزمها على المبيت في بيوت الناس هنا، من أقصى الحلق إلى حلق السماء، يتصامتُ الجميع كأنهم غير معنيين بما يحدث، وتتصدر العناوين الفجة عيونَ القراء في مواقع التواصل.. هل نهرب إلى البارات والمقاهي أم إلى المساجد والزوايا؟ الكل لاجئ في ذاته قبل أن يوقع قرار استقالته من الحياة.. هكذا، وفي حمى البحث عن متعة رخيصة، أو مجانية إن أمكن، عرفتُ هذا الصوتَ النقي، الريفي، الذي تسحرني لهجته رغم جهلي بها، أعزّي نفسي بأن من أسلافي من كان ريفيا، وأقدّس الهُجنة، ضامنَةَ التنوع ومكسّرة الصفاء السلالي والنقاء العرقي البغيض.

«لكأنّ الفراشة زهرةُ لوز

تطير إلى غُصنها» طاهر رياض

«زهرة ذابلة

تعود إلى غصنها..؟

إنها فراشة» هايكو لموريتاك

***

لا أتحاملَ على نصّي لأحمّله فوق ما يقتضي، بلغني أيها الملك السعيد أن الحكاية أنجبت راويها، وأن سندباد مرابط ٌعلى صخرة تحمل بصمة قدم هرقلَ الناظر إلى أصنامه في الضفة الأخرى، تكتمل الليلة بذبح ديك السكوت، جدَع الجميع أنوفهم، بقروا بطونَ الفكرة الاولى وناموا، ثملَ الهواءُ، وتقلصتْ أطرافهُ..  ورجال الله كالسراب، يقول ابن عربي..

يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.

* المغرب.

شاهد أيضاً

فاطمة عبد الله

ألاعيب دينا عبد السلام في «إعادة تدوير» .. فاطمة عبد الله

  عبر منطقة تماس بين دائرتين، تأتي مجموعة «إعادة تدوير» للكاتبة الدكتورة دينا عبد السلام.. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية