صيّادُ النّهار .. محمد علام

محمد علام

 

يُدخِلُ الشتاءُ النملَ الشقوقَ؛ فيكفَّ عن العمل، ويُسقِطُ الأوراقَ فتعرى الأشجار. ولكن لكل شتاء نهار، يحنو على القلوب المكوية بالجليد، فينضو عنها كسلها الصلبَ، فتدفأ وقد تصحو.

أناسٌ يذهبونَ إلى أعمالهم، وأطفالٌ يسيرونَ كالنيامِ، تتثاءبُ العيونُ في الوجوهِ، تُجاهِدُ النومَ والبردَ. ويظلُّ النائمُ نائمًا، يشتعلُ النهارُ على سطح غرفته، لكن نهارات ديسمبر حانية لا تُزعجُ الخراسانات الصلبة. كل ركلات الشمس كللت بالفشل في النفاذ إلى غرفته؛ حيث الشبابيك موصدة بإحكامٍ، والظلامُ مجروح بخيط شمسٍ وحيد. بالكاد يتقلّبُ الجسد الغائصُ في فراشه الذي تقعّر حوله وتبلل قليلًا بالعرق؛ مع رنين هاتفه؛ يُسكته بصفعة من يده، يفتح عينًا يلسعها شعاع الشمس الذي يمر فوقها مباشرة، فيغلقها مرة أخرى.

يُقلّب وجهه في مرآة الحمَّام، بعض الأشواك الصغيرة قد بدأت في التوزع على ذقنه، وفكر أنه ربما حق له خلال الساعات الباقية إراحة ذقنه من خرفشة موسى الحلاقة اليومية. شباك الحمام مفتوح على بلكونة مقابلة يبرز منها رأس صبي كثمرة قرع العسل، يُطرقعُ أزرار الكومبيوتر في غير رحمة، وعلى الشاشة آلات حربية تطاحن ومن السماعات صوت طلقات ودوي ونفير عسكري. كل ذلك لا يأخذ منه عناء النظرة الواحدة، ثم يدير ظهره لكل هذا ويخرج، فهو غير قانع بأكاذيب لعب الحرب الإلكترونية. وكثيرًا ما تحدث زملاؤه عن أفكاره عندما كان طالبًا في الكلية الحربية، لتصميم لعبة يُقاتل فيها المرءُ بكامل جسده، شرط أن تعمل بالطاقة الشمسية المباشرة، فهو يرى أن أقصى إهانة للعسكرية هي القتال تحت سقف الغرف المطلية بالنيون.

دون أن يُشعلَ ضوءًا واحدًا، يجذبُ مقبضي الدولاب في عنف، وبرغم الإضاءة الشبحية في الغرفة، لم يكن من الصعب عليه تمييز لمعان النجوم الشامخة فوق كتفي جاكته العسكري الفخم، تمر عينه على بريق النياشين فتتجاوزها، وتمتد يده تجذب من الرف ما تطاله، وفي أقل من دقيقة يكون مارقًا على السلم في بنطلونه الجينز وكنزته السوداء، وصوت صفعة الباب يُدوي وهو على مدخل العمارة يواجه الشمس بقلنسوته ونظارته البنية الداكنة.

رؤية المدنيين في ملابسهم المزركشة تُثير في نفسه شعورًا مشوشًا بين الامتعاض والتعاطف القلبي، رغم أن الألوان لا تتنوع كثيرًا تحت عدساته الشمسية، فهو يقضي قرابة الأربعين يومًا في وحدته العسكرية، لا يُبارح البني المتفشي في الملابس والرمال؛ وسَط الجنود الذين يصوبون بنادقهم في صدر السماء، منذ بزوغ الشمس وحتى مصرعها على آخر طلقة تُدوي؛ فيحلَّ الليل.

يُلقي نظرة على سيارته التي غشاها تراب كل تلك الأيام الماضية من عدم الاستخدام، وهو محشور في الحافلة بين أجساد المتعرقين الذين ينفثون في وجهه روائح أفواههم المختلطة.

ينعكس وجهه على زجاج الأتوبيس وهو في ملابسه المدنية، يشعر باختلاف محبب لديه، تقف الحافلة أمام المستشفى، فينزع نظارته ويخطو إلى الداخل في هدوء.

الوقوف أمام الحائط الزجاجي لغرفة الحضانات، وعشرات المواليد الممددين في عينيه، مُحاطين بالأسلاك والخراطيم؛ جعله يتساءل عن أيّ منهم يكون ابنه؟ إنهم كثيرون جدًا، ويشبهون بعضهم جدًا، مما يُصعب المسألة للغاية.

من بعيد يلمحُ جلبةً وينظر عن يمينه فيراه في معطفه الأبيض يتحدث إلى رجلين يبدو عليهما القلق، ربما تاه منهما ابن في هذه الغرفة الكبيرة.. ربما يستفسران عن حالة الوليد، نعم فالطبيب شخص جيد في مسألة إعطاء التفسيرات. يُنهي الطبيبُ حديثَه وعندما يمرُّ بجانبه يستوقفه ويسأله عن حالة ابنه، ويذهبُ الطبيبُ بعينيه في كومة الأوراق، يقلب ورقةً ورقة، ثم يتوقف عن التقليب ويثْبُت نظره للحظة، يبتسم ويسأله وهو يخط بقلمه:

ـ أنت والده إذن؟

القلبُ يخفق في الدماغ، والطبيب لا يفصح بالكثير، يُكمل:

ـ حسنًا.. في هذه الحالة القرار في يدك وحدك.. نحن لم نُعلم الأم.. هل رأيت الأم قبل أن تأتي إلى هُنا؟ حسنًا نحن لم نعلم الأم كي لا نقلقها.

لم تعد زيارة القلق مستغربة في هذه الحالة، المستشفى والطبيب والحضانات كل مثيرات القلق في مكان واحد بامتياز. 

ـ بصراحة، ابنك جاء مولودًا بنقص في تكوين المخ، وهذا إذا عاش فسيعيش عمره عاجزًا تمامًا.

العينان زائغتان، كلامُ الطبيب صحيح حتمًا، صحيح لدرجة مجنونة. إذا كان العقلاء والأصحاء يذهبون من هذه الدنيا مُحمّلين بما يكفي من الأسى، فلماذا يأتي المُعاقون إليها؟

ـ هل أحد في الأسرة لديه حالة مشابهة؟ هل أنت وزوجك أقارب؟ إنه من أجل هذا الأمر نشدد بضرورة الفحص قبل الزواج.. لكن لا أحد يهتم، ولا أعلم متى ستأخذون نصائحنا على محمل الجد. هه وها هي النتيجة. (يشير بيده إلى داخل الحضّانة).

يتبعه بعينيه، يتطاول برقبته، على أطراف أصابعه، ومع ذلك لا يستطيع أن يتبين أين ابنه بالضبط، يد الطبيب لا تستقر على صندوق بعينه، المواليد كلهم يشبهون بعضهم، إنه يشعر بالدوار، وصوت الطبيب يتردد في أذنه «هاهي النتيجة، ها هي النتيجة». يقترب الطبيب من أذنه:

ـ اسمع.. من الممكن أن أساعدك.. (يقترب بشفتيه أكثر حتى تلامسان شعيرات أذنه) كم تدفع.. وأخلصك منه؟

الوجه مظلمٌ تمامًا.. بماذا يُمكن أن يرد في هذه الحالة؟ شخص ما ينادي الطبيب من بعيد فلما لا يجد منه ردًّا يضع يديه في معطفه ويستعيد وقاره: «عن إذنك».

غرفة الحضانات تقسم الممر إلى ممرين، يقف الأب في ناحية، والأخرى تفضي إلى صالة انتظار متوسطة الاتساع، لا أحد فيها تقريبًا سوى شابين في نهايات العشرينيات، يتحدثان هامسين:

ـ لا تسليم بدون مبالغ عينية.

ـ لا مبالغ بدون تسليم فوري.

ينتبهان لعينيه وقد بدأتا تجرحان مساحتهما الخاصة، فيتوقفان عن الكلام لدقيقة، ثم ينهضان، ويمران بجواره، يُلقي أحدهما التحية عليه في فتور، وهو لا يجيب. من ورائه يتناهى إلى مسامعه صوتُ ضحكات أنثوية متقطعة، يقتربُ من الباب الموارب لإحدى غرف التمريض، ثم يمرر عينه خلال الفتحة الضيقة فيجد ممرضة نصف عارية ورأس أصلع محشور بين ثدييها.. يحاول إغلاق الباب والتراجع، لكنه صفع الباب فجأة مما جعلها تعتدل في جلستها بينما ينهض التومرجي ويحدجه بنظرة متحدية، ثم يبتسم ابتسامة ساخرة ويخرج، وتحاول تثبيت بنسة في شعرها وهي تسأله دون اكتراث:

ـ هل رأيتَ ابنك؟

لا يجيب.

ـ هل تحدثتَ إلى الطبيب؟

لا يجيب. تغمز بعينها ثم تقترب منه:

ـ يبدو أنه أخبرك بالحقيقة، لا عليك، أحيانًا علينا أن نتحمل الأخبار السيئة.. (تلتفت له مندهشة).. أنت حزين لهذا الحد؟ (تلتقط أصابعه فتجسّها باردةً).. هون عليك.. عندي لك حل.. تعال معي!

عند الممر، الذي تُطل عليه غرفة الحضانات، يقفان، تنظر في ساعتها، وتمط رأسها يمينًا ويسارًا: قف هنا ولا تتحرك.

تدلف إلى باب الغرفة على أطراف أصابعها، يُواجِهُ غرفة الحضانات مرة أخرى، صوت الطبيب يتردد في أذنه «ها هي النتيجة، ها هي النتيجة» يحاول أن يتبين أين كانت تستقر يد الطبيب. هناك؟ كلا. هناك؟ بل هناك؟ ويتساءل: يا إلهي أما من سبيل لإيجاد اختلاف واحد؟ اختلاف واحد فقط!

إنه واقف كالصنم، ووراء ظهره يتم كل شيء، صندوق يفتح وآخر يُغلق، وتخرجُ الممرضة بعد دقائق قصيرة وهي تستعيد أنفاسها، ثم تقف أمامه بابتسامة واسعة: هه لقد انتهينا، هي بنا.

ينظر لها مندهشًا، أسنانها البيضاء شديدة النصاعة، وتسريحة شعرها لم تهتز حتى. صوتها يأخذه وراءها بلا أية مُقاومة، إنه يتهاوى في داخله، العرق يتسرب من مسامات أصابعه، تستثيره رعشة على فركهم بقوة، لكنه يسير متخشبًا، تستنفره تنميلة في كتفيه أن يمزّق جلده عن عظمه، لكنه يسير إلى الغرفة 117، تفتح الممرضة الغرفة في ثقة، وتضع المولود بجانب الأم وشعرها المتحلق حولها وهي نائمة كـ«ملاكة»، يرقبها ولا يشعر برغبة في الدخول، الممرضة تضع المولود في رفق وتخرج وهي تغمز له.

في الغرفة 117 تدور التهاني والتبريكات من الأقارب الذين أخذوا يحملون الوليد ويتقافز من يد إلى يد، وهم يمطرونه بالبسمات البلاستيكية كجدران الغرفة المصفرة اللون، لكن أسنان الجدة أكثر صفارًا، وهذا أول ما يلفت انتباهه وهو داخل إلى الغرفة فيتوقف قليلاً وتصطك في رأسه الأسنان المعوجة الصفراء التي يتخللها نتوءات سوداء مع أسنان الممرضة البيضاء الناصعة التي أخذت كل ما في جيوبه، يستقبلونه ويحتضنونه، تقترب الجدة وتقبله فيكاد يغمى عليه، يبتسمون ويقولون إنها البداية أيها الأب الجديد.

الشمسُ تُلملمُ في أذيالها الصخبَ والضجيج، الليلُ له حضور مهيبٌ دائمًا، إنه إشارة على أن هناك شيئًا يتغير، البنايات الشامخة تطّاول في عينيه، الأنوار تُطفأ تدريجيًا والنوافذ تُغلق، وغسيل يُعلَّق وغسيل يُلملَم، مما يُشعره بحركة الكون وتأهبه للسكون. الحياة هي الحياة، الفرق أنهم جميعًا سيخلدون للنوم إلا هو، يتمدد في مقعده متراخيًا تمامًا، يرقبُ زوجته التي تُحاوط الوليد بذراعها وشعرِها وابتسامتها الحنونة، يُشعلُ سيجارة ويُفكر.. ما معنى الحياة الآن؟ هل نحن بإمكاننا اختيار كل شيء؟ ما معنى أن تُنجبَ المرأةُ طفلاً؟ إنه يعني آلامًا لا وصف لها، مجرّد مُحاولة تخيلها تصيب بالغثيان، شرايينٌ مفتوحة يسيل منها الدمُّ أربعين يومًا بعد الولادة. أيُّ عذاب؟! إنه تعبٌ طويلٌ ومستمر، ويتساءل ما كل هذا الألم الذي يتساوى فيه إنجاب العظماء والتافهين؟

يرتخي جفناه رُغمًا عنه. شاحبٌ، صامتٌ، عابسٌ، ماذا يسعه أن يقولَ وهو يرى جريمتَه مُمّددةً أمامه؟ ماذا يسعه سوى أن يهربَ في نوم سيتمنى لو دام إلى الأبد، لكن الأرق ينبش جفنيه، الأسنان البيضاء تقضِمُ أعصابه، لسعة السيجارة في يده تنفضه من مقعده على إثر صرخة مُلتاعة تندلع في المكان، تجحظ عيناه، هي مُستلقيةٌ في نفس اتساع ابتسامتها، يدير رأسه إلى الخلف وتمتدُّ أصابعه تُنحي جانبًا من الستارة الخزفيّة للشرفة المطلة على الممر الخارجي. في الغرفة المُقابلة نحيب، وامرأة تدفنُ رأسها في صدر رجلها الذي أخذ يُربِّت على ظهرها في حنو وعيناه تتلألأ فيهما دمعتان صغيرتان لا تسيلان.

أمام الجدار الزجاجي لغرفة الحضانات، يرقب الممرضات وهن ينزعن الأسلاكَ وخراطيمَ التنفس، ويحملان وليدًا في لفافة بيضاء، استوقف الممرضة التي تحمله وسألها:

ـ إلى أين تأخذينه؟

ـ إلى المشرحة. هل أنتَ الأب؟

تلعثم قليلًا:

ـ ماذا؟ لا.. لا أعرف.

ـ ماذا؟

ـ أقصد لماذا تأخذينه إلى المشرحة؟

ـ إجراء روتيني حتى يقرر أهله إذا كانوا سيغسلونه هنا أم سيأخذونه معهم.

    

يتحرك إلى الخارج، حيث الأشجار والخضرة القليلة التي تُنافس سواد الليل وأحاديته، خيوط الشمس تبدأ في التسلل عبر الأوراق، يقبض على إحداها، فتلتصق بإصبعيه قطرات الندى الممتزجة بالطين، يقربهما من فمه، يشم رائحة لا يدركها، ففي الطين تذوب كل الجثث، ومنه تنمو كل النباتات وتتساقط الثمار على رؤوس العباقرة والمغفلين، وفي الطين أسباب للحياة والموت.

من وراء ورقتي شجر يلمحُ شخصًا يرتدي معطفًا أزرق يبكي، إنه نفسه الذي كان يربت على ظهر المرأة بالأعلى، يتردد قليلًا ثم يتجه نحوه. على الأرض يدفن الشخص رأسه بين ركبتيه، يشعر بخطوات تقترب نحوه ثم تتوقف، فيرفع رأسه ويلمع خيطان من دموع جافة على جانبي وجهه.

لا يعرف ماذا يقولُ له، يضعُ يده في جيبه: سيجارة؟

ويجيب: كلا أنا لا أدخن.

يجلسُ جواره ويقول وهو يشعل سيجارته:

ـ رأيتك تبكي..

صاحب المعطف في ملامح عابسة لا توحي برغبة في حديث من أي نوع:

ـ لقد مات لي ابن منذ قليل..

كلام صاحب المعطف يمر في أذنه ودخان السيجارة يمر في حلقه، وكلاهما يتقد كالجمرة الملتهبة.. نفثَ دخانه ثم عاد للحديث:

ـ قال لي الطبيب إنه سيعيش طيلة حياته كخرقة من اللحم لا تُسمنُ ولا تُغني من جوع.

ثم نظر له مباشرة وقال:

ـ أتعرف؟ لقد قتلته! نعم.. لم أستطع أن أخبر زوجتي كانت ستموت في الحالتين.

ويندفع على إثر جملته في سعالٍ متصل، صاحب المعطف يندهش؛ يربت على ظهره بقوة، بقوة أكبر، فيرتطم بالأرض وتجحظ عيناه ويشعرُ بطعم الطين في فمه.. ولا يشعر برغبة في النهوض، بل تتصلب قدماه وتنشب أظافره في الطين، يتوحد صدره مع الأرض، ربما لو نجح صاحب المعطف في إنهاضه، سيلمحُ في عينيه دموعًا سالت للتو.

شاهد أيضاً

سيد أبو ليلة

العزا .. سيد أبو ليلة

  مشهد مسرحي رجلان يجلسان في سرادق للعزاء.. والصمت يعم – هي الساعة كام؟ = …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية