صناعة الأصنام .. رحاب السماحي

رحاب السماحي

 

لم تنتابني أية دهشة حيال السعار والزوبعة التي نجمت عن انتقاد الشيخ الشعراوي، كنت أعلم جيدًا مدى القداسه التي أسبغها المصريون على الشيخ، وتكليله بهالة نورانية تقترب من الأنبياء المعصومين من الخطأ والزلل.

فقد دشنت حملة دعاية مدروسة لخلع ملامح العالم الزاهد الوسطي الرزين عليه.. وفي ذلك يقول غوستاف لوبون، في كتابه «سيكولوجية الجماهير»: «إن الدعاية ليس لها أساس عقلاني، حيث تستخدم التحريض عن طريق التأكيد والتكرار والعدوى».

ويؤكد لوبون «أن الجماهير محافظة بطبيعتها، فهي تعيد ما كانت قد قبلته أو دمرته لأن الماضي لديها أقوى بكثير من الحاضر، وهي بحاجة لأن تخضع لقيادة محرك وهو لا يقنعها بالمحاجات العقلانية والمنطقية وإنما يفرض نفسه عليها بالقوة، كما يجذبها بسحر هيبته الشخصية، تلك الجاذبية التي يمارسها فرد على روحنا فيشل كل ملكاتنا النقدية، وتملأنا بالدهشة والاحترام».

ويشير لوبون إلى «أن الهيبة المكتسبة أو الاصطناعية أكثر انتشارًا بكثير، فيكفي أن يحل فرد ما منصبًا معينًا، أو يمتلك ثروة، أو يتزين ببعض الألقاب، حتى يصبح مكللاً بهالة الهيبة أيًا تكن قيمته الشخصية منعدمة أو منحطة».

المصريون إذن شاركوا مع الوهابيين في صناعة صنم الشعراوي، ومن ثم عبدوه.

يؤكد لوبون على عدد من الحقائق وهي «أن الفرد يتحرك بشكل واعٍ مقصود، أما الجمهور فيتحرك بشكل لا واع.. ذلك أن الوعي فردي واللاوعي جماعي. فالجماهير لا تقنع إلا بالصور الموحية والمجازية، أو بلغة الشعارات البسيطة والحماسية، والأوامر الفوقية التي تفرض فرضًا دون مناقشة، وقد تكون المحرضات كريمة أو مجرمة، بطولية أو جبانة ولكنها ستكون دائمًا قوية ومهيمنة على نفوس الجماهير، إلى الحد الذي يجعلها مستعدة للموت من أجلها».

وبالفعل استطاع أولئك الصناع المهرة أن يرسموا صورة لشيخ جليل هادئ، لغته سلسة قريبة من البسطاء، وفي نفس الوقت له طبيعة فوقية مستبدة في بعض الأحيان، خاصة وهو يستلهم نفوذه من عقائد إيمانية.

ويعلق لوبون عن ذلك قائلا «إن الجماهير تذهب مباشرة نحو التطرف، فما أن يبدر خاطر ما حتى يتحول إلى يقين لا يقبل الشك، والشعور البسيط بالنفور من شيء وعدم استحسانه يظل في حجمه الطبيعي لدى الشخص العادي، ولكنه يتحول مباشرة إلى حقد هائج لدى الفرد المنخرط في جمهور، وتزداد ثقته في نفسه كلما زاد عدد الجمهور الذين يشاركونه ذلك التوجه، حيث يشعره ذلك بزيادة سطوته».

ويؤكد لوبون على حقيقة أن الجماهير لا تعرف سوى العواطف البسيطة أو المتطرفة، فإما تعتبرها حقائق مطلقه أو أخطاء مطلقة.

ويدلل لوبون على العقائد المتشكلة عبر التحريض «بالعقائد الدينية والتي تحمل الهيمة والاستبداد على نفوس معتنقيها».

ويلخص لوبون العاطفة الدينية في خصائص بسيطة وهي «عبادة إنسان يعتبر خارقًا للعادة، والخوف من القوة التي تعزى إليه، والخضوع الأعمى لأوامره، واستحالة أي مناقشة لعقائده، سواء أسقطت هذه العاطفة على الإله أو على صنم معبود، أو على بطل، فإنها تبقى دائمًا ذات جوهر ديني.. فقناعات الجماهير تتسم بالخضوع الأعمى والتعصب العنيد».

ويقول لوبون وكأنه يشخص حال المصريين «إن القادة الحقيقيين للشعوب هم تقاليدهم الموروثة، فإنهم لا يغيرون منها بسهولة إلا الأشكال الخارجية، فالزمن هو الذي يطبخ آراء وعقائد الجماهير على نار هادئة، فالأفكار لا تنبت بالصدفة، وإنما نجد جذورها تضرب عميقًا في ماضٍ طويل».

فالمصريون يرزحون تحت إرث ثقيل من العبودية للبشر، وتأليه الأفراد، وصناعه الأصنام وتقديسها، وما يثار عن عصمة الشعراوي، أو عبد الناصر، أو نجيب محفوظ، ليس سوى صيرورة تاريخية، ولن تنفع معها دعوات حرية الرأي والتعبير.. فالمصريون أصلاً ليسوا أحرارًا.. فنحن نلهث وراء القطيع كأي مجتمع جماعي لا يحفل بالفرد وفرادته وحقه في تكوين أطروحات مغايرة لما هو سائد.

شاهد أيضاً

وائل خورشيد

جدران وأرواح .. وائل خورشيد

  نحاول أن نبقي الحكايات خلف الجدران، نمسك التي تقفز، ونسحب التي تغرس، حتى إذا …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية