صناديق الجنة .. يحيى فضل سليم

يحيى فضل سليم

 

أقنع زوجته بفض اعتصامها من أمام الدولاب، اعتصام يتكرر أسبوعيًا، تقوم به زوجته جراء موقفه المحايد لخلافاتها مع أمه، أعادت حقيبة ملابسها إلى مكانها فوق الدولاب، حطت يدها في يده، أخرجت لسانها لأمه، وخرجا.

في الطريق أشارت لهما صابرة: «اركبوا الدبابة، اللجنة التانية فاضية، علّموا على الدايرة الخضرة، الدايرة التانية مالكوش دعوة بها».

أشاح بوجهه عنها، أحس بأن حذاءه واسع، الطريق طويل، أنه يمشي في مكانه، وأن الدبابات ستحدد مصيره، وأن الخضرة جميلة في الأرض، العيون، الدوائر، وفوق عربة صابرة، وأن الأسود بغيض في عيني زوجته، في غياب القمر، في الصندوق، وفي لون التوك توك الذي رفضت زوجته ركوبه، بعدما أتاحت أذنها لهمسات «صابرة»، وأعطته أذنها الصماء مع ضحكة عريضة من فوق الدبابة، حفظها في موبايله الصيني، وهو يودعها مفضلاً الرجوع لتغيير حذائه.

صرخ عم أيوب: «اصبر، أنت قلبك تعبان، وستدخل الجنة» وانطلق يهتف «نعم، نعم، نعم».

كانت لحيته تدارى «نعم» المرسومة على صدر قميصه.

«لا، لا، لا».. هتف في سره، وابتعد.

لمت أمه رجليها وسألت: «مالك يا روح أمك؟!».

«الجزمة واسعة وبتمشي لورا، الدبابة بتوصل الناس ببلاش، والتوك توك بياخد جنيه عن النفر، وصابرة بياعة الخضار تركت جوزها المشلول وبناتها الصغار وخضارها، وركبت فوق الدبابة، وعلّمت على الدائرة الخضرة، ورفضت تنزل من على ودن مراتي».

مصمصت شفتيها وهمست سائلة:

ـ «الشمس طالعة والمطر نازل ، إحنا في الشتا ولاّ في الصيف؟».

ـ «إحنا في آخر الشتا وأول الصيف».

ـ «كل شيء وله آخر، لو مش عايز تطلقها اتجوز عليها، إنت صباعك سليم وتحطه في عين التخين، والشاطر يتجوز بنت الأمير».

تحسس سبابته، وأدرك عندما وجدها سليمة أنه ليس الأمير الذي سجن وزيره، وأغلق باب الحكايات دونه، وأن الحبر الفسفوري اخترعه الوزير ليثبت براءته، وأن الأمير اشترط للإفراج عنه أن يخترع قانونًا يتيح للشعب بكل حرية أن يختار بين أمرين:

إما أن تقطّع سباباتهم، وإما أن يشربوا قارورة الفسفور الأحمر.

خرج يتعثر في حذائه الضيق.

قالت أمه: «إنت حاتدخل النار عشان بتضحك عليّا، وبتخبي مجايبك في صندوق أسود».

عم أيوب قال لي «نعم» ستدخلك الجنة، الصناديق زجاج، والتوابيت والدوائر في الدنيا فقط.

نسي الدائرة الخضراء والدائرة الأخرى، ومن كان يضبط الصندوق، والأرض البعيدة في حكايات أمه؛ هل كانت خضراء وفيها ناس شر؟! هرب منهم في الأحلام، ممتطيًا أفكارًا غامضة، قاوم بها زوجته وهي راجعة من اللجنة بوجه خالٍ من الذنوب، أشارت بإصبعها الفسفوري، فرحة بتوبتها، ضحكت وعيناها مغمضتان، دعت له بالهداية، ورفضت أن ترشده على لون الدائرة التي علّمت عليها.

سألها غاضبًا: ماذا قالت صابرة؟

ـ كل واحد حر، لكن مش لحد الكفر.

أحس بأن الشمس قاربت على الغروب، وأن مخ زوجته طق، وأنه كبر ولم يفهم الدنيا، وعليه الآن أن يغادر حكايات أمه، التي لم تحمل قط ودًا لزوجته.

ـ «عليّا الطلاق ما انتي راجعة البيت إن ما قلتي صابرة قالت لك إيه».

ـ «الصندوق زجاج لو انكسر، صوتي سأوفره للنداء على الخضار وصوتك عقلّي به زوجك، أنا وأنتِ ليس لنا ذنب، يد زوجك هي التى ستجرح».

تركها وأعلن رفضه ركوب الدبابة أو التوك توك للذهاب إلى لجنته، واتخذ مكانه في الطابور الطويل، كانت الشمس تفتّح وتغمّض، ورذاذ خفيف من المطر يبلل أفكاره، ينعشها، يمنحه فرصة للتفكير في شأن زوجته، نصائح أمه، همسات صابرة، حديث الشيخ أيوب.

لكن توترًا عظيمًا يتوالد الآن داخله، يعربد، يتزايد كلما تناقص الطابور، وتقدم حثيثًا إلى الأمام في حذائه الضيق، مقتربًا من اللحظة الحاسمة؛ التي ستحدد مصيره.

شاهد أيضاً

شريف عابدين

بأقل قدر من وهج  .. شريف عابدين

  تألقي.. بأقل قدر من وهج يتأجج في هدوئه المعتق منذ استرسال كاليستو كقمر رابع …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية