صراصير لا تموت.. القرطبي منصف

القرطبي منصف

يستيقظ الصرصار صباحًا، يغسل رجليه ووجههُ ناظرًا إلى المرآة، هو لا يرى أنه صرصار، بل يرى أنّه شيء آخر، طاووس أو طائر أو…

يرسل معطفه على ظهره ممررًا الرائحة على وجهه الشبيه بملامح قنافذ الموزمبيق. لم أر في حياتي صرصارًا يفعل مثله! ولا إنسانًا! هل رأيته أنت…؟ متى؟

 

يرتدي حذاءه بعد أن بصق على جوانبه، حاكّا جوانبه مزيلاً الغبار والتراب العالق بالصفيحة. يرفع كتفيه ويسير إلى الكليّة كيفما اتفق.. صْرّرّْرّرّ…

 

يسمعه كل السائرين والسائرات.. الوقت نهار.. هذا الصرصار لا يفرق بين الليل والنهار؛ يمكن أن يفعل العجب نهارًا وليلاً دون مشاكل، بثقة عظيمة، هو وجد من مهّد له هذا الطريق، ويَفرشه بالورود (هل وجدته أنت؟ هل…؟) قائلا له: “سر يا أيّها الصرصار.. سر فأنت في الطريق الصحيح.. أنت صرصار رائع، ونحن نحبّ الصراصير.. نحبهم كثيرًا.. مارس تَصَرْصُرَكَ هنا.. وانقل لنا ما قال فلان وفْرْتْلَّانْ.. وكن وفيًا لنا.. وليس لهم.. كن هكذا.. إياك أن تكون إنسانًا.. إياك أن تقول كلامك الحرّ.. أنت تنبس بكلمات عميقات.. كن هكذا.. كن صرصارًا.. صرصارًا بهذه المواصفات.. بهذا الشكل.. نحبّك مذلولاً مهانًا.. ولك عندنا أجر عظيم.. يا أيّها الصرصار.. يا أيّها الصرصار الرائع!”.

 

كبرت ثقته الفارغة بنفسه مثلما تضخّمت مؤخرات هذا الزمن؛ لذلك هو لا ينتبه إلى كرامته التي تشظت، إلى حريّته.. إلى.. وإلى…

 

هو هكذا، وسيظل هكذا.. العالم في جيبه ورأسه. الآخرون يوفرون له الخبز واللحم والفواكه والملابس والأحذية والجنس و…

هو واثق جدًا..

 

ها هو الآن، يدخل إلى الكليّة.. الكل ينظر إليه.. الكل يحملق فيه.. يجلس في البوفيه مرخيًا رجليه، ناظرًا إلى الجالسين والجالسات.. (العالم رديء حقا.. وهذه الحفرة القذرة تحديدًا.. ليس هنا إلا الظلام والأشباح والمغفلون والتافهون والرجعيون.. لا خير في هؤلاء الذين يفكرون بإيورهم، واللواتي تفكرن بفروجهن.. ستعانق الأمم الشمس.. بينما نمدح نحن الصراصير مثلما تعودنا).

 

الكل يرى هذا الصرصار.. كل يوم.. كل…

رفع كوب الشاي إلى الأعلى.. وحذف بعينيه رواسب الفضاء.. في تلك اللحظة.. سارَ صرصار على الرخام.. مر عليه أحد الأطفال.. وضغط عليه بحذائه جيئة وذهابًا.

 

مات الصرصار الحقير؛ لكنه لم يمت!

* الجديدة ـ المغرب.

شاهد أيضاً

إبراهيم جابر إبراهيم

أنا الذي أقلّ من شخص وأكثر من ..  إبراهيم جابر إبراهيم

  يقول جوّاد: لديَّ كلبٌ أليفٌ يقضي النهار في التمرّغ على الكنبة الزرقاء واصطياد الذباب. …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية