شهادة الحياء .. جمال أزروفي

جمال أزروفي

 

أسبوع فقط لإتمام جميع الإجراءات الإدارية للمشروع، أمرٌ لا يصدقه بالمَرَّة.  قد لا يكفي إنجاز هذا التحدي ولو في بلد أوروبي كبلجيكا مثلاً. أما في بلد مثل المغرب، أدمن موظفوه الالتحاق بمكاتبهم ساعةً بعد الدخول ومثلها أو مضاعفة قبل الخروج، أضف إلى ذلك سُنَّةُ القَيلولة المؤكدة التي قد تستغرق ما ينامه البلجيكي في يوم واحد، فهذا من باب المستحيلات. لكنه رغم ذلك  سارع إلى شراء تذاكر السفر وترتيب الإجراءات والوثائق الضرورية التي يتطلبها مشروعه السياحي الذي يعتزم رفعه في مسقط رأسه.. فالبلاد قد تغير كما يقولون.

كانت فرصة سانحة ليُشرِكَ بعض من تبقى من أصدقائه في مرافقته إلى عاصمة الجهة لتكون الحَجَّةْ فرصة نادرة لاستعادة بعض الأمجاد الغابرة في هذه البلاد وبإمكانيات مغايرة.

الرحلة بدأت بالسفر إلى المدينة الكبرى.. أين يتواجد المركز المخصص لتقديم طلب التصريح بالمشروع حسب ما أشارت عليه سفارة المغرب ببروكسيل.

بعد وجبة فُطورٍ وَقُودُهَا كُلُّ ما اتسعت له إحدى طاولات مقهى «الواحة» على الشارع الرئيسي، بل وقبل أن تنتهي، بدأت مغامرة السؤال عن مكان المركز مع أحد الجالسين على مقربة منهم فكانت الإجابة:

ـ المركز الجهوي للاستثمار السياحي لمغاربة العالم… آآآآه تقصد المركز الجهوي للتعليم؟

وتوالت أجوبة بعض الذين طرح عليهم السؤال:

ـ أعتقد أنه في الرباط. أخَّايْ

ـ اَوَّاهْ هَادْ الشِّي طْوِيلْ.. اِمْكَنْ فْلِيْبيَا كَاعْ.

غيروا خطة البحث فاتجهوا إلى محطة الطاكسيات وإلى حراس السيارات والشرطة أصحاب العربات وأطفال المدارس دون جدوى.

في المدينة تَغِيبُ أَيُّ علامة تَدُلُّكَ على هذه المصلحة أو ذلك المركز المهم. قد تُنبّهُكَ اللوحات إلى أتْفَهِ المصالح أو الأشياء.. فندق أو بار أو مركز تجميل أو حتى شوافة أو ساحر أو راق، ولو اختبأ في أعمق عانة للمدينة، إذ يكفيك أن تسأل أول معتوه تلتقيه ليجيبك بدقة متناهية.. وقد تتصدر وسط المدينة لوحات تنبيهية كبرى تدلك على مخرجها كي تسرع في مغادرتها قبل أن تتحول إلى عالة عليها.

حظك الوحيد في إيجاد مصلحة ما، تواجدها في أحد شوارع الملوك الثلاثة.. آنذاك يسهل أن تقلب صفحاتها بابًا بابًا. أما وإن كانت في شارع هامشي كشارع «جرادة» أو شارع «الحسيمة» فكن متيقنًا أن أحدًا لم يسمع بتاتًا بوجودها، وفي أغلب الأحوال تكون من الشوارع التي اختيرت مكانًا لتبول السكارى ليلاً، ليس بعيدًا عن مكان الحانات والعلب الليلية، حيث يسهل أن تجد المصلحة ليلاً وليس نهارًا.

قبل منتصف النهار بقليل؛ وجد المصلحة بشارع الكرامة ولم يتبق من واجهتها الزجاجية إلا «مركز…. مغاربة»، بينما تكسر بقية العنوان ولم نعد نتبين منه إلا بعض الأحرف.

سكرتيرة وحيدة تشغل المكان، تعبث بهاتفها على مكتب تتراكم عليه بعض الملفات الفارغة وهاتف متآكل وكثير من الغبار.

ـ هل المدير موجود؟

ـ ليس بعد.

حين نظر إلى ساعة هاتفه باستغراب أخذت  الهاتف واتصلت.

ـ ألو السي الهواري.. فينك.

جاء صوته مسموعًا من الجهة الأخرى:

ـ أنا على برا عندي شي صوالح نقضيهوم.. علاش.. كاين شي واحد ولا

ـ ايه

ـ قوليه احط الملف ديالو.

ـ اوكي

دون أن ترفع عينيها عن الهاتف:

ـ المدير غير موجود هذا اليوم. يمكنك ترك الملف وستأتيك الإجابة.

ـ وماذا يتطلب الملف.

ـ شهادة الازدياد، نسخة من الحالة المدنية. كشف الحساب البنكي للتأكد من توفرك على المبلغ الكافي لإنجاز المشروع…

وحين تأكد له فقط من خلال ما ذكرته أنها تحاول التخلص منه، وأن مستواها الدراسي ضعيف بالنظر إلى طريقة نطقها لبعض المفردات الفرنسية أو حتى العربية.. بادر إلى سؤالها:

ـ وشهادة الحياة أيضًا؟

ـ ايه ضروري شهادة الحياء.

ـ ونجيب ليكوم الإعفاء من الخدمة المدنية والعسكرية؟

ـ اواه ضروري داك الشي.

ـ وشهادة القدرة على الإنجاب؟

ـ لا بلاش.. هديك مانحتاجوهاش.

ـ واخا الالة بقات لي غير شهادة الحياء.. نمشي نوجدهاليكوم وغدا نخليلكوم الملف.

بضع دقائق كانت كافية أن تقبر شهورًا من التخطيط والتفكير والتشاور. الاستثمار بالصيغة المغربية.

مساء المدينة لا يغري بالخلود إلى النوم المبكر، فبردها القارس لا يمكن أن تتحمله إلا حانات المدينة وعلبها الليلية.. على الأقل ستكون فرصة لتجديد الحماقات مع أصدقاء فرق الزمن بينهم.

في الجزء الأخير منه بقليل، وقبل أن توزع الحانات، بفوضى، زبائنها على شوارع المدينة خرج يتبعه أصحابه وهو يهتف:

ـ هيا بنا لنضع الملف في مركز الاستثمار لمغاربة العالم.. كانت تنقصهم شهادة الحياء فقط..

اتجه نحو شارع الكرامة، تبعه أصحابه دون تساؤل وهم يضحكون.

حين وصل إلى مدخل المركز الجهوي للاستثمار السياحي توقف.. فك حزام سرواله وشرع يقضي حاجته وهو يردد:

ـ ها الاستثمار.. ها الاستثمار.

والأصدقاء ذاهلون يضحكون.. ثم بعد هنيهة فعل الجميع نفس الشيء.

ـ سنخرج فارغين من هذه المدينة كما دخلناها.. قال أحدهم.. وتتابعوا آنذالك وهم يضحكون، صارخين واحدًا تلو الآخر:

ـ ها الاستثمار!

ـ ها الملف!

ـ ها شهادة الحياء!

ـ ها البلاد تبدلات.

* المغرب ـ فرنسا.

شاهد أيضاً

إلى متى سأظل أنتظر؟ .. حسن حجازي

  (1) بكل همة رحت أكنس ما علق بذاكرة هاتفي المتذاكي، بكل تهاون أرتق الآن …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية