شنفرة .. أقشار يونس

أقشار يونس

 

كنت أناديه «شنفرة» لم يعرفه أحد بهذا الاسم ولا حتى هو، لقد كان لقبًا أطلقته عليه في مخيلتي منذ أن طفق يحدثني بانبهار عن مسلسل كانت تبثه القناة الجزائرية عن الشعراء الصعاليك، أغرم بشخصية الشنفرى من دون الصعاليك الآخرين، وكان ينطقها «شنفرة» بخفة من يطلق شتيمة «مكتومة».

أغرم بالشنفرى لأنه كان في نظره داهية عندما كان يخزن الماء في الرمل بعد وضعه في بيوض النعام، ولأنه كان يحسن الركض فلا يستطيع مطاردوه اللحاق به، ولأن العدو الريفي كان رياضته المفضلة.

كما أحبه لأنه كان شاعرًا عظيمًا كما كان يقول.

لقد كان «شنفرة» إنطوائيًا خجولاً إلى أبعد حد، تكتسي وجهه صفرة وكأنه من سكان الأقبية التي لا تصلها أشعة الشمس، ولقد كانت رائحة الرطوبة التي تنبعث منه تعزز تصوري ذاك، كان يملك عينين صغيرتين توحيان بالمكر والخداع، ولحية خفيفة وشاربًا دقيقًا يميلان إلى اللون النحاسي، وكتفين مقوستين إلى الأمام تعلوان جسدًا نحيلاً مائلاً إلى القِصَر، ويعلوه رأس صغير بشعر مجعد بلون بُنّي فاتح، وكنت غالبًا ما أراه بجاكتته الزرقاء المهلهلة التي بهت لونها من كثرة ما كان يرتديها.

لقد كان «شنفرة» ينتمي إلى فصيلة من الأشخاص الغريبي الأطوار، سميتها «نادي متأبطي الكتب»، وهم أفراد طيبون للغاية غالبًا ما تراهم يتأبطون كتبًا لم يكونوا يقرؤونها على الأرجح.. كتب فلسفية وفكرية وروايات وقصص.. وكنت أغبطهم عليها وأتساءل كيف يحصلون عليها في هذه البلدة البئيسة التي لا تحوي أية مكتبة عامة، خصوصًا وأننا كنا نعاني الأمرين للحصول عليها، وكانت المقايضة السبيل الوحيد لنقرأ أكبر عدد منها.

جاءني «شنفرة۹ في أحد الأيام وهو يتأبط كتابًا لمهدي عامل، فبادرته متعجبًا :

ـ أتقرأ لمهدي عامل؟ أسلوبه جد معقد يا صديقي، لقد استغرقت أربعة أشهر لقراءة كتابه «في الدولة الطائفية» ولا أظن أني قد فهمت كل ما كان يريده !

تجاهل سؤالي وأخذ يلوح بالكتاب قائلاً :

ـ لقد قتلوه أولاد الحرام قتلوه!

ـ مَنْ قتل مَنْ؟

سألته.

ـ مهدي عامل! ألا تعرف؟ لقد قتله اليهود.

ـ لا يا صديقي، مهدي عامل لم يقتله اليهود وإنما…

قاطعني ملوحًا بيده يمنة ويسرة كأنه يريد أن يمسح من الأثير كل ما سمعه مني ثم قال :

ـ دعنا من كل هذا صديقي، لقد جئتك لأجل شيء آخر، لقد سمعت بأنك تكتب الشعر فجئتك ببعض قصائدي لتقول رأيك فيها .

ـ عظيم! أنت تكتب الشعر أيضًا، هذا شيء رائع، هيا أسمعني إحداها.

أخرج من جيب جاكتته المهترئة حزمة من الأوراق المزيتة، وسرعان ما انتقى منها واحدة فشرع يقرأ بأداء ملحمي :

كنت أجري وحدي

وحدي كنت أجري..

بين السهول والهضاب

كنت أجري

حبيبتي كانت تعرف أني أجري ..

وأنا أعرف أن حبيبتي..

كانت تعرف أني أجري..

وحدي كنت أجري ..

آه لو تعرف حبيبتي ..

لم كنت دومًا أجري ..

لزاد حبها لي..

وحدي كنت أجري..

وما زلت أجري..

طوى الورقة وأرجعها مع الحزمة إلى جيبه وبادرني قائلاً :

ـ ما رأيك، هل أعجبتك؟

ـ اسمع يا صديقي، أنا لا أعرف الكثير عن الشعر ولكني قرأت في إحدى المجلات شيئًا عن ما أسموه «الشعر النثري»، يقولون فيه أن الوزن والقافية ليسا ضروريين، وإنما المهم هو الصورة الشعرية وصدق وعمق الأحاسيس، ولكي أحور انتباهه وأتملص من إعطاء رأيي الصريح فيما كتبه سألته :

ـ أصدقني القول صديقي، هل حبيبتك التي ذكرتها في هذه القصيدة والتي تعرف بأنك تجري.. تعرف أيضًا أنك تكتب الشعر؟

احمر وجهه خجلاً وأجابني بحدة قائلاً :

ـ أوووف، لم تلتقط سوى هذا من القصيدة، يظهر أنك لم تفهم شيئًا منها، الحبيبة هي مجرد إعارة فقط (يقصد استعارة) ولم أقصد بها الحب الذي نعرفه بين الرجال والنساء .

في الحقيقة أني كنت وما أزال أحب أمثال شنفرة ومتأبطي الكتب أولئك لنقاء سريرتهم وروحهم الشفافة، لقد كانوا مثل مجاذيب رمى بهم القدر إلى بلدتنا ليخففوا عنها بعض التعاسة، وليخضبوا قتامة ورتابة أيامنا ببعض الألوان، لقد أدركت متأخرًا أنهم لم يكونوا يحبون الكتب لمحتواها وإنما لما يعتقدون أنها تضفيه على ذواتهم من أهمية ومكانة، إذ أنهم يظنون أنها تجعلهم يبدون مثقفين وذوي رأي خصوصًا وأنهم آنذاك كانوا يعانون الأمرين من جحافل المعطلين والمتخرجين حديثًا من الجامعات، والذين كانوا يسومونهم سوء العذاب إذ يجعلون منهم مادة دسمة للسخرية تزجية لأوقاتهم وتصريفًا لغضبهم المتراكم من عطالتهم، إذ كانوا يحسون بفراغ قاتل في تلك البلدة المنسية التي لم تكن تتوفر على أي مرافق ترفيهية.

لم ألتق بشنفرة منذ أن غادرت البلدة، ولم أسمع عنه شيئًا منذ سنوات طويلة، إلى أن فاجأني منذ أيام برسالة على الماسنجر يسألني فيها عن أحوالي وأخبرني بأنه قد أصدر ديوانًا شعريًا، وأنه يعكف الآن على كتابة نص روائي يحكي فيه قصة حياته.

شيطاني القديم كان على وشك أن يسأله إن كانت حبيبته تعرف أنه قد أصدر ديوانًا شعريًا، وأنه على وشك كتابة رواية، لأستدرك في آخر المطاف قائلاً :

ـ مبارك يا صديقي شنفرة، أنشر.. أنشر فالمشهد الثقافي والأدبي مليئ بالرداءة والتفاهة.

ـ شنفرة؟ من شنفرة هذا؟

ـ عذرًا صديقي، ليس شيئًا.. إنه مجرد خطأ اندس بشكل غير مقصود وأنا أنقر على لوحة المفاتيح.

* المغرب ـ بروكسل.

شاهد أيضاً

كـشْ نَرْدي .. فاتن عبد السلام بلان

  النَّهْرُ يُشَاكسُ بالعَنْدِ يَحْتَالُ عَلى قَلْبٍ عِنْدِي   يا مَوْجَ الحُبِّ اليُغْرقُني مَا كُنْتَ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية