سيرة نهر .. خلات أحمد

خلات أحمد

 

(أنا كوردستان أيها النهر؛ لمن تسيل)؟

لكَ، لي، لديريك: كل هذا الحب.

 

(1)

منساقًا بالغامض إلى صمت «ديريك»، متكئًا على سيرته العتيقة، يهدر نهري قادمًا من «سرخت»، فاقدًا اسمه في انتمائه الأصيل لأرض التشظي، حتى فقد الاسم أهميته في التلاحم الكثيف.

قُبلته الأولى ينابيع «كاني بحنه» تزيده لهفة على لهفة، تقرئنه السلام إلى شجرتي التوت في «كر زرك» الأختين الحنونتين تظللان أجساد الحصادين في استراحة الغداء، يقضمون الخيار والجبن، يتناوبون النكات اللاذعة، تفوح منهم حموضة التراب، تفيض عنهم لواعج يؤججها خفر الحسناوات السريانيات، يتدلين من معمار التل إلى قريب التوتين، يمتحنّ ماء البئر ولواحظ القامات الفتية المعروقة.

ظبيات يتهادين تحت نداوة جرار الماء، يسيل العرق بين نهودهن الرمان. ظبيات يتناقصن إلى أوربا حتى كهولة الأختين.

سأتوق إلى أننا في وارفها التقينا، ولحزنكَ أشعلتُ أصابعي، رحتُ أردّ كل هذا الأسى المتربص بسيرورتنا الهشة، أدركتكَ تحترق بصمتٍ وفتنةٍ، لم تكتمل بين يديّ، فكنا عشقًا كورديًا يتقصده النقصان ليكتمل الشجن.

 

(2)

غَدِقًا بلقائه الأول يضحك النهر أول ولوجه خاصرة «ديريك»” عند مسبح  «لطيفو». هنا يسبح الصبية في نهارات الصيف المشتعلة مقابل أجرٍ معلوم. ليلاً؛ تتوثب مياه المسبح بالأعراس. هنا تأبط أخي ذراع عروسه، كسر لخطوها جرة السكّر، تلقّف الأطفال بركاتها في فورة زغاريد الأم والخالات.

وفي الأعراس، يكون للعيون ألقٌ آخر، للمسة السرية نكهةٌ أخرى، تضئ لها وجوه الفاتنات، تضمرن ترف عرسٍ آخر قبل أن يستدرجهم الريش وينبلج الزهر الأحمر في جنباتهم شهيًا وقاتلاً. قريبًا من الماء، سأجافي الأرائك وأتربع الأرض.

فحاول أن تمرّ من هنا

وتهديني وشاحك القديم

لن تبذل الكثير من الجهد

ستعرفني من عينيّ المغمضتين

فكّر فقط

أنني أشتاق إليك

كثيرًا.

 

(3)

على يمين النهر ومقابل مسبح «لطيفو»، تضج كازية «سيد أحمد» فجرًا بسيارات التاكسي الصفراء القديمة، تتزود بالوقود وتنطلق إلى القامشلي عبر الطريق الضيق، تخض ركابها في سعيهم إلى تدابير أطباء بعينهم، ملاحقة معاملاتٍ حكومية، استبدال عملاتٍ أوربيةٍ كتومةٍ على أسرارها، فخورةٍ بمرسليها، لا يندّ عنهم سوى مهاتفاتٍ تدعي ما يرام.

سيارات «بك آب»، جرارات زراعية، قاطرات، في صناديقها الخلفية جموع الحصّادين، الحمّالين، عمال القطن، الأسمدة، البذار، الدواب، البطيخ الطازج، الخضار، القش، أكياس القمح والشعير، الجبن واللبن، حسب الموسم والاتجاه.

وهنا وقفتُ قريبةً منك

قبل أن تجزّ الوقيعة صوتي

وفي ابتعاد الجمع اشتعل الحنين من جديد

فالأشياء التي لم ألتقيها كثيرةٌ

وفضائي أضيق من الرمق الأخير.

 

(4)

يجتاز النهر كازية «سيد أحمد» مارًا بجسرٍ يحمل الطريق من القامشلي إلى عين ديوار. وعين ديوار، يطلّ على دجلة، يستأنس بالجسر الروماني وقنطرته الصامدة منذ كل شهيد. مرّ تحتها الدكتور «نافذ»، ساءل رسوماتها عن مدى النقصان، تعقب المحنة فيها، أنصت لنشيج الظلال، وأمعن في الخد الآخر لدجلة، قرين منفاه.

 

(5)

«مهرةٌ رائعةٌ عاليةٌ رشيقةٌ وسريعة الانفعال، يجب أن أراها في وضح النهار، وأمتطيها» وامتطاها

«نور الدين» تنزّ منه الحدود والمعتقلات، حتى سويسرا حيث أهرق وحدتي.

عيونك يا عين ديوار كثيرة، بساتينك كثيرة، شهداؤك أكثر

زهورهم متروكةٌ في فم النزيف

حبيباتٌ

لهاماتهم المكسورة

للسقوف واطئةً

مسّها الجنون

لن يعودوا للبيت باكرًا

محدقين للحقيقة تأتي

بعد فوات العمر.

بعد الجسر، وفي ارتفاع الوهدة إلى اليمين، تطلّ كنيسة «مار يعقوب» على البلدة. أنا صرير أبوابها في عودة الغائبين, رشرشة المياه على تراب دورها عصرًا، ضوع الأجنحة في أسرار المساء.

كانت الكروم تلفّ وقار الكنيسة قبل أن يأتي عليها الامتداد العشوائي للمساكن الفقيرة. في كرومها تتبعنا

الخريف إلى قطر الزبيب، تعلّمنا أولى مطاردات الدبابير، تطفّلنا على المطر يشيّع ورق الخريف، فمن لي بذاكرةٍ تنكأ هذا التيه لأستغرق في الأجراس، ورفُّ الحمام على الصليب يستهطل نزوفي. كلهم غرروا بنا، وها أنا ومريم في المصلى نبكي، تقاسموا وصايا عيسى وزكريا خلف الباب ذبيح.

في دمي ما يشدو إليك، فكيف نعود إلى الغسق الحليب؟

 

(6)

في تدفق النهر نحو الأرض السهل، زاحمته البيوت على حوضه. زرعوا له التين والرمان والياسمين، فرشوا لخريره عرائش البنفسج وزهور العسل.

أمعنت «بسنة حجي عمر» في احتفائها بيُمْنِه، فآوت قفيرين من النحل الأصيل النادر، أغدقت عليهما رعاية يديها الخبيرتين، عكفا يدران عليها رفاهية عسلهما الأصلي، تخبئ لي منه قطرميزًا صغيرًا، أغمس فيه عينايّ، أصبهما فصًا لخاتمكَ الفضة، أضمر لكَ البياض، أخاف تذوب بين ذراعيّ، فأقلبكَ على صدري، عسلكَ أحلى من أن أتمكن من رشفه كله، أكثر من أن تحتمله سيرة النهر، أغراه إغراق الجنائن في فاكهتها، فدخل لها بين الخالة، صعدتْ من فتوته المباغتة سطح الدار ونوافذها تلفظ مياهه.

فاض به الرحيل، ففاض بالجنائن، أترعَ الدار بلعابه، كسّر كل الخوابي. بقيت الخالة على السطح مسترسلة في حريرها تصيح:

ـ أكل هذا الحب لي؟

 

(7)

ضجّ النهر بمسيرته الشمالية، مال غربًا، تقرّب من مدرسة الشهيد «خضر الداوود بن صلبي»، يتسمع الأناشيد تعلو بها حناجر الصغار، تقّوم عصا الآنسة ألسنتهم.

هنا، تعلّمنا لغة الأزياء الموحدة والحنجرة النقية، ارتقينا الفصاحة، سمونا بها إلى دهشة تاريخٍ لا زلنا نتتبع غموضه، دَرجْنا منه إلى حروفنا المغايرة، نسألها عن شيءٍ آخر غير الحب، شيء ما يثير الدهشة أكثر، فتدلت أصابعنا يانعة.

 

(8)

منحازًا للغة الماء، ممعنًا في مسيرته غربًا، يتلكأ أمام الصبية، يصعدون شجرة التوت الأسود، يزاحمون عصافيرها، فتتركنها لهم. يقطفون حبات التوت الناضجة من أغصانها إلى أفواههم حلوة ونظيفة. تستيقظ «آمنة كلش» من قيلولتها وتصيح بهم:

ـ دعوا للعصافير ما تنقره يا أولاد الحرام.

يدوي في صوت العجوز البيضاء جمالٌ غابرٌ وفتوةٌ. يركض الأولاد إلى الساحة الترابية قرب النهر يلعبون بالدحاحل والبرّامات والدواليب والحنكليو، والفتيات يتخذن في ظلال البيوت دمىً تصنعنها من العيدان والأقمشة القديمة أبناءً، يتزاورن في بيوتهن المشيدة من أحجار صغيرةٍ بفسحةٍ تعتمد بابًا، يبكّرن في أمومتهن.

في الملل، يدخل الجميع مياه النهر، يتراشقون، يضحكون، ساهين عن المساء يفرد غمامه البليل على قلوبهم الغضة، يراقب الوقت يصعّدهم إلى أول الهتك.

 

(9)

أبعد قليلاً من طفولتهم, تسكن «وضحة»، غمر الماء أرضها، فقادوا جواميسها شمالاً. قشدتها مشهودةٌ في كامل البلدة، لم تشفع جودتها لسبع إزهارات كادت تجعلها أمًا. قريبَ أن يفتح حلمها عينيه، يشيح عن غربتها وحسرتها ويذوي إلى التراب.

مرّت «وضحة» تحت الجسر الفرنسي سبعًا، مرّت عجائز الحي سبعًا، مرّت العوانس سبعًا، مررتُ مع الأطفال سبعًا، تبركًا بأوراح الجسر الطيبة، الأرواح الأرقّ من آليات البلدية وهي تعدّ لجولة كراسٍ، هي رمية نردٍ خاسرةٍ على أي وجهٍ قلبناها.

تهاوى الجسر الفرنسي، وسال النهر دمعًا، هامت أرواحه الحائرة غريبةً وبلا مكان، تهجع على الضفتين طوال الحنين العاتي.

تؤجج الذاكرة حتى أقصاها

تفرد للسواد العقيم

فلا تبقي لي منك شيئًا

وأنا ليس لي بأول الكسر دراية

ولا مقدرة لي بكل هذا التشظي

فهل تسترسل معي في رغبةٍ متصاعدةٍ، تحدّ بنا إلى الإغراق في عشقٍ قاصرٍ على النمو الصحيح؟ نتشبث بما ليس فيه سوى العذاب؟

 

(10)

مقابل دار «وضحة» وزرائبها، وعلى الطرف المقابل، الأيسر للنهر، بعد شجرة التوت والساحة الترابية، يسكن «محمود الحموي»، لم يعد أحدٌ يذكر اسمه، هي ذاكرتي الطفولية توهّجت للحظةٍ أقصر من رمشة، فلمع اسمه، واختفى من جديد في سيرته الغامضة.

بيته ضيقٌ على عائلته الكبيرة، جلّها نساء، تعلمنّ لغتنا الكُردية، فصرنا أترابًا. بقي الحموي حبيس أسراره، ما عرف أحدٌ يومًا لماذا ترك حماه إلينا, قيل هربًا من ثأر، والحقيقة بقيت رهينة صدره.

أغدقت يداه على الأطفال سكرًا. يغلي السكر على نارٍ هادئة، يضيف إلى ذوبانه الصباغ الأحمر، يتلقفه، يجعله حبالاً رفيعةً، يلفها على عودٍ صغيرٍ، فتصبح «علوكه». يشتري التفاح الصغير الحامض، يغمسه بمحلول السكر الأحمر، فتصبح «تفاحات علوكه» ونحن الصغار نتشبث بفساتين أمهاتنا، نسأل تدبيرهن، عشرة قروش، عشرة قروشٍ فقط.

صار علوكه «اسم العائلة» يعرفه كل أطفال البلدة، لم نسمع صوته إلا وهو ينادي «علوكه.. علوكه».

«ثناء» كبرى بناته، صار اسمها بلهجة الحارة «سني» بقيت ناضجةً، جميلة وشغوفةً بالإعداد لزيارة النهر السنوية، يدخل بيتهم، يطفو حتى أزرار الكهرباء.

تهرب الأم بصغارها إلى الحارة، يصعد الحموي سطح داره مستغيثًا:

ـ يا جيران، يا أكراد، هذا النهر يريد داري.

لا يأبه النهر باستغاثته ويأخذ معه ما يشاء، قبل أن يصل إليه رجال الحارة مربوطين بالحبال. وحدها «سني» تضحك له، تلحق به، وتقول:

أسرفت في إيذائي حتى ما لا ينبغي

وأنا والله أحبك

اليوم كما قبل سنتين

لا أخاف منك

لا أخاف عليك

ألا ترى سيماءك على وجهي؟

وأنك والله لو سقيت رضابك غيري

لتهشّم دمي

سأنتظرك العام المقبل

وأحبك دائمًا أكثر.

 

(11)

أبعد من بيت الحموي، تمامًا عند الجسر الفرنسي، كان بستان «عزيز جاجان» يطل على النهر مغرورًا بفاكهته وزهوره المعطرة، كان صاحبه موظفًا حكوميًا في العهد الفرنسي ولا زال حتى سنواتٍ قريبةٍ يستلم راتبه من الدولة الفرنسية.

قلبت الآليات أشجاره، عرضت جذورها للهواء، جفت الأشجار حزنًا على رفقة الجسر المهدم. كانت النسوة يستظلن بأفياء البستان عصرًا، يتهامسن عن أطيافٍ غامضةٍ تتحدث لغةً تفوح منها رائحة البلوط، تجتاز الجسر ليلاً. ينسجن الدانتيللا، يطرزن الوسائد بالملائكة والزهور والأحصنة المجنحة.

 

(12)

خسرت النساء أفياء البستان الندية، وخسر المارّة حافة الجسر، يستندون إليها، يراقبون الجدة «لعله»

ـ رحمها الله ـ واقفةً بقامتها السامقة، تشير بصوتها المجلجل لأحفادها أن يزرعوا الأوتاد حيث تشير. ترمي إلينا بكرات الصوف الملون، نتلقفها ببهجة قطط صغيرة، نركض من طرف الجدة إلى طرف الحفيد، نسلمه طرف الخيط، نركض رجوعًا إلى الجدة وهي ترتب خيوطها بدقة وأناة، حتى يستقيم لها ما تبدأ برسم زخرفاتها البديعة عليه، وفضولنا الطفولي يراقب الخيوط تأخذ أشكالها الجميلة، نتشاقى، تصرخ بنا، فنسكت.

الجدة «لعله» جدة كل أطفال الحي، توزع علينا السكاكر والحكايات ومزاجها العصبي، أهمس لها:

ـ يا جدة، أحبه منذ شجرتين وقفيرين ومدرسة وجسر، فلمن زخارفي يهجرها؟

فتقرأ عليّ سورة «يوسف».

 

(13)

كانت الجدة تنصب نولها بعد الجسر الفرنسي، على يسار النهر. على الضفة الأخرى بناءٌ من الحجر الأسود، غرفٌ متراصةٌ تشكل في وسطها صحنًا مستطيلاً له بوابتان، شمالية وجنوبية، كان هذا البناء في العهد الفرنسي دائرة حكومية، تحول فيما بعد إلى دائرة التجنيد العسكري، يقصدها شبابٌ في ريعانهم، في أيامٍ معلومةٍ من السنة، ينتظرون أن يكتمل النصاب، ليستقلوا الباصات، تتجه بهم إلى خدمة العلم؟!

يأتي الأهل لوداعهم، يطلّ الشباب برؤوسهم من شبابيك الباصات المغادرة، تزغرد النسوة، تلعلع رشاشات المجندين، تدلق الأمهات الماء في أثرهم:

ـ ليبق أثرهم نديًا ويزهر.

يردفن والنشيج يخنق طراوة الكلمات. أمام البناء عوت في الليل البهيم طلقتان، كان هذا «نواف» أكل مسدسه. اليوم تحول البناء إلى مسكنٍ عائلي، بعد أن نهضت دائرة التجنيد إلى أعلى الوهدة، حوالي ثلاثمائة مترٍ أبعد شمالاً، تمامًا على يمين المشنقة!

 

(14)

المشنقة، هي البناء الوحيد الذي بقي سليمًا من القشلة الفرنسية. للقشلة قصص أخرى، أحد تفاصيلها أنها توزعت على كل بيوت البلدة: التوتياء، القرميد الأحمر، الحجارة السوداء المقطوعة بحرفية، أعمدة الخشب، جذوع أشجار التوت، الأسلاك الشائكة التي كانت تسور محيطها، حتى أفاعيها لم تسلم من عصابات الأطفال، يقلبون عنها كل حجر ويدخلون لها كل جحر.

وحدها المشنقة بقيت صامدة، نصعد إليها عبر السلم الحديدي المحكم على حجارتها. البلدة كلها تبدو من هناك، أشجار التوت، الناموسيات البيضاء، كنيسة «مار يعقوب»، طريق القامشلي، عين ديوار، حارة المسيحين، سينما إيليا، مدرسة الشهيد خضر الداوود، النهر، بستان عزيز جاجان ورفيقه الجسر المهدم، الكورنيش الجديد الذي هدم الجسر والبستان، حارة «خيركا»، ديريك القديمة، منارة جامع «السيد»، أجراس كنيسة «مار شموني»، قبة جامع السيد «نذير»، وكذلك سد «بورزه» حيث عثروا في انحسار الماء صيفًا على هيكلٍ عظميٍ لإنسان، كُسرت ذراعاه وساقاه، حتى أسنانه المتبقية لم تساعد في التعرف عليه. فالمفقودون من البلدة أكثر من أن نعرفهم من أسنانهم.

المشنقة، اسمٌ لم نكترث أبدًا للرعب الذي فيه، وبقينا نصعدها كلما ضاقت صدورنا بهواء القشلة، حتى خفق قلب أحدهم لسلمها الحديدي، انتزعه ومضى به. بقينا أنا وصديقتي على الأرض، قلقتين في علوم كتبنا المدرسية، نستقرئ المنشورات تحت ثيابنا، نخفيها بإحكامٍ، مالت صديقتي على شرودي واندهشت:

ـ أتحبينه؟

 

(15)

بعد كل هذه الكثافة، يرتاح النهر ويهدأ مجراه مرورًا بمؤسسة الكهرباء، يجتاز الجسر الجديد الثالث، يمرّ في بستان «خليل عبد الغني». تمامًا على الباب قتلوا ابنه، الغامضون الواضحون.

لم تبكِ «سينم»، لم تضغط على نزف زوجها، ولا غسلت دمه عن شتلات الورد، رفعت رأسه إلى عنقها وهمست:

«شفتاك جافتان

صدرك حزين

ماذا تفيدك كلماتي البنفسجية؟

سأضم رعشتك حتى الانطفاء».

 

(16)

كسيرًا للدم المسبي، مائلاً نحو الشمال من جديد، يمرر النهر مياهه على الحجارة في حوضه، كأنما بيد حنونةٍ على رأس طفلٍ يتيم. يكمل مسيرته بخريرٍ خفيض.

أَمِنَ إليه سكان ضفتيه، فرصفوا الحجارة على عرضه، يتقافزون عليها قبل أن يمده الشتاء بالسماء، فيأخذ رصيف الحجارة معه.

يوصل الرصيف الكورنيش على الضفة اليمنى مع نبع «العسكرية» على اليسرى، يدفق ماؤه منذ ما ينوف عن ستين عامًا من أنبوبٍ معدنيٍ لا يصدأ، مغروسٍ في مكعب من الإسمنت الأسود، يرتفع إلى ما يقارب المتر ونصف المتر. العسكر الفرنسي هم من رفعوا لفحولته الإسمنت، رصفوا لسلسبيله الحجارة، ومكثوا يشربون منه حتى الرحيل.

بقي النبع المصدر الرئيس للماء الحلو في البلدة، حتى تمديد أنابيب المياه إلى دورها. مهملٌ هو هذه الأيام، ترده الكلاب والقطط والعجول، ورواد المسلخ وسوق الماشية على بعد التفاتة.

في أيام الصيف وشحّ مياه الآبار الارتوازية، يكون للنبع الكهل فسحةٌ من غنج الصبايا، يَرِدنَه، يبللن جدائلهن على عجل، يغرفن منه على وجوههن، يملأن منه أوعيتهن، ينعشنه بقوالب الثلج، ليكون بردًا وسلامًا على الأحشاء المشتعلة بالفقدان والأحلام المتجاسرة على قسوة الهواء وفوضى التخمين, يستجرن بالتسامح معَ ولَهِ «ليلى ي» المجنونة، تدلي بقدميها في مياه النبع، تناجي خيالها بـ:

«وَعْلي أنت

عينك النور

تدفع عني حجر الغياب

أنا الظبية

أدوّن أسماءك على الجروف

وأبحث عن شجرةٍ معطرة

تظلل عناقنا التالي».

 

(17)

كان المسلخ فيما مضى يقع على يسار النهر، لكن شارع الكورنيش المستحدث، دفع بالنهر حتى أحاط به من كل الجهات، اختلطت دماء الذبائح بمياه النهر، فسال أحمرَ. أُتخم الذباب الخمري بالخثر والجلود وراح يؤدي دوره المرصود، يوزع الأمراض على بيوتات البلدة.

أَسِفتْ أشجار الزيزفون في بستان «موسى» المطلّ على النهر، لكل هذا الهتك لحميمية الترسيم الطبيعي الأول، ساقطت أوراقها، ذابت، انحسر البستان إلى عدة أشجارٍ فقط:

«غار خد النهر حزنًا

فمن أين أضم لكَ باقة؟

أنتَ الخيال

أتسعُ فيكَ

لأكفي الشجن».

 

(18)

بعد المسلخ بقليل، تمامًا على شارع الكورنيش، كنت أصل مع والدي فجرًا إلى سوق الماشية، أهشّ خلفه قطيعنا الصغير، أو أستجره للسير قدمًا بلغة أصوات عصيةٍ على التسمية.

ما من شاةٍ عليلة، خروفٍ أجرب، إلا ويأتي به التجار إلى السوق لبيعه للجزارين. ما من دابةٍ تفور بركة، إلا ويأتون بها إلى هنا، يتباهون بها ثم يبيعونها، هكذا هي التجارة.

يتبادل التجار التعليقات والنكات الفاجرة، يتداولون السياسة، يستغبون كل من في الأرض، وهنا يرسمون الكثير من القواعد والقوانين السارية على أهليهم. يتجاهلون إتيان «رشويه موسى» السوق. يدخل الرجل إلى السوق بعنزة معتوهة، يجعلها في عين الشاري ظبية. بقرةٌ بضرعٍ ينزّ قشدة، تدغدغ شهية الشراء عنده، يجعلها في عين البائع كلبًا كهلاً. مشدوهين بقدرته الفارهة، يدخلون كل مرة ذات الشرك.

فُتن أبي ببراعته وهو يتاجر، فشاركه، خرجنا من الشركة ننفض البلاط وننظف أنوفنا من النخالة.

«محو» كوجريٌ أصيل، جاء البلدة برفقة زوجتيه وطباع الكوجر، صار مديونًا لتجارها بما يكفي لشراء كل مواشي البلدة. يسترسل التجار في أحاديثهم وعيونهم تنقّب عنه بين الجموع، يستحلفون له، يتطيّرون وهم يتجهون إليه، لكن «محو» تعلم من الشراكة مع تجار حلب والشام سريعًا، لا ينفضّ التجار عنه إلا وقد استدان منهم أموالاً أخرى، لا يعون الانزلاق إلى لسانه الطلي إلا ويكون قد اختفى من السوق كلها، فيضحكون.

ما يكاد النهر يتجاوز نقاشات التجار، حتى يمر بالجسر الرابع، ويحيد في مسيرته شرقًا. متعبًا من كل هذا الهدم المتعمد لذاكرة الماء. أسهو عن خراف أبي في بزوغ الشمس على موجه الخفيف. والنهر يحتاج لأكثر من اتجاه ليزدحم بالحكايا، وأنت، لستَ تحتاج لأكثر من قلبي، ليكتمل قلبك.

 

(19)

يستكمل النهر مسيرته شرقًا بموازاة المقبرة التي تقع خلف حارة «خيركا» المنتشرة على الوهدة إلى اليسار. هناك يرقد جدي، شهدتُ تمّزق كبده في بيتنا القديم، أدهشني كل هذا الأصفر الذي له في حضرة الموت. لم أعرف أن أحتجّ على نقصانه من زيارتنا في العيد بغير رعافٍ باذخ. قريبًا منه، بعد سبع سنوات، تمكنت جدتي إلى التراب.

وجدتي من سلالة النبي، لم أشهد انفطار قلبها وهي تتوضأ للصلاة، هرعتُ إلى المقبرة، ظننتُ أنها تنتظرني هناك، بقامتها القصيرة وذراعيها الطيبتين، لم أجد غير كومة تراب، قالوا إنها جدتي، كل ما قرأته من آيات على قبرها لم تؤكد لي أنها ماتت. أسمع حفيف قلبها دائمًا قريبًا من وجعي، لم أتركها تجتاز الضوء إلى الجانب الآخر، وهي لم تدخل لي حلمًا أبدًا.

كانت جدتي تزور الشيوخ، تكمل على زجاجة حبري ماءً من ثقوبٍ في أضرحتهم تعيد إليّ الزجاجة وتقول:

ـ ليكون لكِ علمهم وصلاحهم

ها أنت تنهض فيّ نورًا، ها أنت تعصرني إلى صدرك لأسيل حبرًا، تدخل نداوة الفجر لتسبغ الدمع على أصابعي وأنا أدونّ المرايا لأخرج من عتمة عينيك وأكون نقيةً كقلب أمي.

ـ هل أنت دعاء جدتي؟

 

(20)

مثل مدن الحكايات، انبثقت حارة «خيركا» على المرج الممتد على يسار النهر حتى المقبرة. امتدت بيوتها شرقًا حتى منطقة الزرائب والإسطبلات، بلهجتنا المحلية «خان». والخانات منطقة محرمة على النساء والصبايا، حالكةٌ ليلاً، مؤاتية لأن تقيد رفيقًا سابقًا وتلقي به في مياه السد القريبة، تكسّر أطرافه، تشد عنقه بحبلٍ إلى دراجتك النارية.

في آذار ينظفون أحد الخانات، يفرشونه بالحصير واللباد، يضعون في الصدر طاولةً وبضع كراسٍ، يرشقون جدران الخان بالكولونيا، يتقاسمون فيه ألوان نوروز منذ الغروب السحيق، وغواية الشمس ممتدةٌ في أحلامنا، نحن ـ المتقصفين ـ للنشيد. يصلون الخان عبر أزقة حارة «خيركا»، تدبقت قدماي بطينها، خبرتُ بيوتها، تعلمتُ في إحدها الحروف الكوردية، جالستُ مسنيها في أيام الشتاء المشمسة، يستندون إلى جدران الحوش، يلفون تبغ «سرختِ» بورق «الشام»، يقدمون لي واحدة، ندخن بتلذذ، يضيّقون عيونهم، يسترسلون في الجبال وغمامها الأخضر، يُغَنونَ الهجرات والمشانق.

أمعنتُ في الشرود مع العجائز، يشربنّ الشاي حول المدفأة، ينسجن الجوارب الصوفية للرفاق في الجبال، والرفاق في الجبال استشهدوا، تركوا زهورهم على أيدينا وانطفأوا. دفعت العجوز شرودها إليّ وقالت:

ـ من له بزهور ابني يا بنية؟

ـ ابنك، حبيبي يا خالة

حبيبي، أُطفأتْ عيناه

لمن أستحم بالقرفة بعد الآن؟

لمن أدهن قديّ بالنعناع؟

حبيبي، صار حجلاً

وفي أحشائي ينمو يا خالة حجل

اسْدُلوا الأسود على المرايا

أسندوني إلى النهر

قولوا:

هذي كوردستان يا نهر

لمن تسيل؟

* شاعرة سورية كردية ـ سويسرا.

شاهد أيضاً

ديمة محمود

هذا الطائر .. ديمة محمود

  رَفّ رفتين أو ثلاثًا قَطفةٌ لِعنقودين ثمّ حطَّ رِمشٌ ينضجُ زهرةَ ماء تتدحرجُ ضحكةٌ …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية