سيرة عابر سبيل.. مصطفى ملح

المصطفى ملح

 

عبدُ الرَّحيمِ عَمُّهُ،

يذْكرهُ، يذْكرهُ، يذْكرهُ

قد كان يفرشُ المساءَ بالطَّرائفِ المُنقَّحةْ

هَزيمُ ضحكةٍ. لِحْيَتُهُ البيضاءُ.

عِشْقُهَ لولْوَلاتِ (باطْما) ومواويلِ (أسمَهانَ)..

يذْكرُ الجدَّةَ (مَحْجوبَةَ) في محرابِها البسيطِ

تدعو اللهَ،

أو في داخلِ الإصطبلِ تُطعمُ الجيادَ،

أو تقومُ الليلَ في رُكنٍ من الدّارِ

وحيدةً كميلادِ أشعَّةٍ يتيمةٍ.

 

ويذكرُ انشغالَ جدِّهِ (هاشمَ) بالقيامِ باكراً،

وبالصلاةِ،

والزراعةِ التي بِها يَصْلُحُ حالُهُ وينمو مالُهُ..

 

ويذكرُ ابنَ عمِّهِ (عبدَ الغنيِّ) زهرةَ العائلةِ المكسورَ ساقُها.

فتىً أشقرُ طيِّبُ الخصالِ،

اصطدمت سيارةٌ مجنونةٌ بروحِهِ فماتَ،

ماتَ تاركاً موّالَ حُزنٍ يجرحُ الأُمَّ الرَّؤومَ،

والرفاقَ، والحبيبةَ الحنونَ، والدُّموعَ في عيونِ العائلةْ..

 

يذكرُ لوحاً وُشِمَتْ عليهِ آيُ الذِّكْرِ،

كلَّ أربعاءٍ تُمْسَحُ الألواحُ،

في المساءِ يسمحُ الفقيهُ بالخروجِ،

حينها يُشيِّعونَ تلكمُ الأقفاصَ،

ثمّ يحملونَ الحَصَواتِ يضربونَ بعضهُم..

 

يذكرُ أولى لحظاتِ الحُبِّ،

بِنتٌ لَسَعَتْهُ فجأةً كنحلةٍ صغيرةٍ،

لم يدرِ ما يحدثُ؟

مرَّت أشهرٌ فانقرضت عروسُهُ كالطَّيفِ،

كالرَّغْوةِ، كالضَّبابِ، كالصَّيْحةِ،

فَتَّشَ الحُقولَ والدَّواويرَ وكوخَ المنفَلوطِيِّ وجبرانَ.

 

ويذكرُ البُروقَ في مَرايا الغيمِ،

والسيجارةَ الأولى التي جاءت بِه إلى ظلامِ السّينِما!

 

يذكرُ صوتَ الطائراتِ فوق أحراشِ المطارِ،

فوقها أزيزُها يخدشُ خدَّ الريحِ.

 

يذكرُ العُجولَ تقصِدُ المَوْرِدَ، وكلبَهُ صديقهُ القديمَ،

والفراشاتِ التي تقفزُ كالفكرةِ،

والسمّانَ في مواسمِ الصيفِ،

وجدَّهُ الذي يسألهُ كلَّ ظهيرَةٍ: (من الأطوَلُ

يا جدّي.. القطارُ يا تُرى أم هذه السّكةُ؟).

ماتَ الجدُّ قبل أن يُجيبَ،

ماتَ في ظهيرةٍ لافحةٍ قائظةٍ،

مرّت شهورٌ ثمّ أعوامٌ وما زال الفتى يسألُ:

من أطولُ،

جُثةُ القطارِ أم رصيفُ السكةِ؟!

 

يذكرُ عامَ الباكَلورْيا. (ثانويةُ ابنِ عَبّادَ).

فتاةٌ نَسِيَتْ دُموعَها في صفحاتِ الامتحانِ.

لا وجودَ للخُزامى والحَساسينِ،

ولا وجودَ للحنّاءِ والكُحْلِ اللَّميعِ في عُيونِ الفتياتِ.

 

يذكرُ الجامعةَ الكُبرى التي أمضى بِها خمساً.

وفي الغرفةِ (جيفارا)،

وفي الميناءِ طَعْمُ السّمكِ الطازجِ،

في المقصَفِ يشتدُّ الوَطيسُ بين (لينينَ)،

وأتباعِ (الغزاليِّ)..

وفي كلِّيةِ الآدابِ يذكرُ انْصِرامَ السنواتِ،

 

يذكرُ الكفاحَ،

والبحثَ عن الرّغيفِ والحَنانِ والشِّعرِ،

وعن محارَةٍ لم يُهْدِها يوماً

إلى التي مضتْ ولن تعودْ!

 

يذكرُ صُفرةَ الزمانِ في قصورِ البرتغالِ،

يذكرُ (الملاّحَ) والكنيسةَ البيضاءَ،

والشُّقوقَ في الحيطانِ والوجدانِ،

 

يذكرُ المُحاضراتِ والكورنيشَ والنَّورسَ وابتهالَ ناظمٍ الغزالِيِّ.

يقولُ: كيفَ شاخَ صانعُ الأحلامِ في شوارعِ العيدِ،

ولم يترُك لنا شمعاً لإكمالِ نشيدِنا الرّخيصِ؟

 

يذكرُ انتفاضةً قامَ بِها ضدّ مَجازاتِ (أدونيسَ)،

وضدّ المتصوّفينَ أُولي الشَّطحاتِ،

دائماً يحلمُ أن يبنيَ كوخَهُ الصغيرَ خارجَ الذّوقِ الجماعيِّ،

ويذكرُ احمرارَ البرتُقالِ في وجوه العاشقينَ،

واصْفِرارَهُ بأوجُهِ الرّجالِ الجائعينْ..

شاهد أيضاً

أمجد ريان

ليس الثبات سوى نوع من الحركة .. أمجد ريان

  سهرت المرأة الفقيرة على ملابس ابنها تُرفيها، ثم تقوم بكيّها وفي الليلة التالية تضرب …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية