سيجارة المانجو .. شيماء رؤوف

شيماء رؤوف

 

كسيجارة مانجو أغرت شفتي مراهقة تلونتا بلون التوت، تغريك الغربة من بعيد،

ككل الأشياء الكاذبة التي يعود بها مرتادوها،

تهمس بأذنك أنها طوق النجاة.

يشبة الأمر من بعيد أن ترى دخان سيجارة المانجو تلك تدخنها حسناء بشفتين حمراوين وصفّي أسنان رُصّت كاللؤلؤ المكنون

والدخان المتصاعد يشبه البهرجة التي تحيط بالغربة، الإشاعات وكل الذين عادوا محمّلين بكل شيء كان ينقصهم في أوطانهم عدا أنفسهم..

تلك الحسناء والغربة

 

السيجارة الأولى:

تمسها شفتاها، يروقها ملمسها

ناعمة كنعومة شفتيها،

تشعر وكأن الحريّة قد خُلِقت من أجلها

الحرية في يد مراهقة كالسفر في يد الفقراء  

قد تخلصت من كل القيود والأصفاد التي كانت تُكبِّلك في وطنك، ها هي ذا الحياة أمامك كل الفرص والأحلام وخلفك ما لا تريد أن تتذكره حتى.

 

السيجارة الثانية:

تتذوق طعمها في فمها، تشعر بشيء من النصر والأمان، يلوح لك في الأفق عمل جيّد، صحيح أنها غرفة صغيرة مشتركة مليئة بالجرذان إلا أنها أفضل من رصيف كان يكوي أضلعي، تبدو النقود كافية لأدخر منها، أعتقد أني سأعمل هنا إلى أن أعود، الأمان،

سأدخن تلك السيجارة دائمًا طالما أنها لن تضرني، أنا في منطقة الأمان وهي لن تتعدى حدود فمي، الدخان المتصاعد لذيذ،

وسأعود..

فقط عليّ أن أعمل قليلاً كي أدخر بعض المال وأعود لأعيش ملِكًا.

 

السيجارة الثالثة:

تزُمّ شفتيها حولها، تأخذ نفسًا بالكاد يصل إلى رئتيها، حسنًا تسعُلْ قليلاً، إلا أنها ستعتادها

الناس هنا مختلفون، تشاجرت مع مديري في العمل إلا أن عليّ أن لا أنسى أنني غريب هنا، عليك أن تسير إلى جوار الحائط الذي سيسقط عليك، عليك أن تكون غريبًا أديبًا، تعمل، تُمنح غرفة وطعام، وتقدّم التنازلات عن إنسانيتك، كرامتك، أن يكون في صدرك متّسع لتتحمل الشّقاء ولا تقطع لقمة عيشك.

 

السيجارة الرابعة:

رئتاها يتشعب فيها النيكوتين، تبدأ لذّة الأشياء حيث تكف عن انتظارها، ستمنحك الغربة سعادة مزيّفة، أصدقاء من كل شكل ولون، شقة صحيح أنها صغيرة، إلا أنها دافئة تتسع لك أنت وأخرى تُحِبّها، ستمنحك طفلاً جميلاً يشبهك ويتسع لك باب الرزق، تعتقد أنك ستبقى دائمًا وأبدًا فلا شيء ينقصك الآن..

يتشعّب النيكوتين داخل رئتيك فيرسم شجرة تمتد جذورها تنفث دخانها في الهواء وتنتشي بها.

 

السيجارة الخامسة:

تسحب النيكوتين من سيجارتك ولا تنتشي بها، رئتاها لم يعد بهما متسّع، حتى السيجارة التي لطالما اشتهيتها وأسعدتني تؤلمني الآن، وأصرّ على تدخينها، ها هو ذا المنزل الدافئ لي وحدي، وطفلي الجميل برفقة والدته بعيد عنّي لأن ميزانيتهم هنا بالكاد تكفي لإطعام أصحاب الأرض لا الغرباء، كل ما هو زائد هنا سيستأصل،  فتشدّ النفس الأخير من السيجارة

تطفؤها حيث قلبك وتئن .

شاهد أيضاً

رضى كنزاوي

هبوط اضطراري .. رضى كنزاوي

  معنوياتي منهارة كالاتحاد السوفيتي قلبي بارد كأكياس الرمال عند الخنادق الحربية حزني طويل كعارضات …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية