سعادة الكرسي .. سيومي خليل

سيومي خليل

 

ـ يكفي أني أرى العالم من مكاني هذا. هنا حيث أجلس كجرف أنتظر أن تأتيني الأمواج لتصطدم بي.

ـ لكن الأجدر بإنسان أن لا يكون جرفًا وأن يذهب إلى الأمواج يا سيدي.

قام بسحب رشفة من سيجارة الحشيش التي كان يمسكها، كما يمسك الكاتب القلم. خرخشة «جوان» كانت تُسمع بشكل واضح، وكانت الشرارة الحمراء التي تظهر على رأسه كأنها نجم مضيء مربوط إلى عمود أبيض من ورق. الرائحة التي كانت تنتشر في المكان كانت مزيجا بين عطر «فا» الفرنسي وجزيئات احتراق الحشيش النفاذة وعرق بدا أنه كان متلبدًا على أجسام المارين جنبهما.

ـ لا.. إنه عرق النادلة .

ـ كيف عرفت ذلك؟

ـ لم أعرف ذلك، بل شعرت به.

دخّن «جوان» من جديد وابتسم:

ـ هل تعرف أني إنسان استثنائي؟

ـ لا أعرف ذلك.

ـ ماذا تعرف إذن؟ كيف تجلس معي وأنت لا تعرف أني رجل استثنائي. الأشياء أكثر ذكاء منك، تلك الطاولة هناك تعرف أني رجل اسثتنائي.

صمت وبدأ يراقب سيجارة الحشيش التي بين أصابعه. كان المشهد غريبًا بعض الشيء، ولأشرح هذه الغرابة عليّ أن أصف المشهد من جديد: شخص جالس لوحده ينظر إلى سيجارة الحشيش التي يمسكها بين يديه، وبين لحظة وأخرى يرفع رأسه ويلتفت يمينًا جهة الكرسي الفارغ الذي بجانبه، ثم يبدأ بتحريك شفتيه كأنه يخاطب أحدًا ما، ويعود من جديد إلى قطعة الحشيش لينظر إليها.

ـ أنا حقًا رجل استثنائي لأني قادر على الاستماع لنفسي جيدًا.

ـ أظن الناس قادرين على ذلك جميعهم.

نظر نظرة جامدة إلى الكرسي الفارغ جنبه وأظهر أسنانه الصفراء:

ـ أنت لا تظن شيئًا، أكثر ما يمكنك أن تفعله هو تكرار ما يعرفه الآخرون.

ـ هذا…

ـ اسكت.

 

قال اسكت بصوت مسموع لكن لا أحد ممن كانوا يجلسون في المكان الواقع وراء السحاب التفت إليه. كان الجميع منشغلاً بأحاديث ثنائية أحيانًا تكون مع شخص مرئي وواضح، وأحيانًا تكون مع شخص متخيل غير مرئي. الناس هنا فيما وراء هذا السحاب الكثيف فردانيون إلى أبعد الحدود لا يهتمون إلا بما يقع في عالمهم الخاص، لذا كان من العادي جدًا أن لا تشكل كلمة «اسكت» التي نطقها بصوت عالٍ لتثير أحدًا. هي مجرد كلمة عابرة لهذا السحاب، ليس لها أي وزن يذكر. كلمة ما إن قيلت حتى نُسيت تمامًا كأنها لم تُقل.

لم يكتف بكلمة «اسكت» بل حرك يديه احتجاجًا وتأففًا ثم التفت من جديد إلى الكرسي الفارغ:

ـ ما الذي كنت ستقوله لي؟ أنت لا تعرف شيئًا لتقوله. مشكلة العالم هي أن الجميع صار يتحدث في كل شيء. الكل باتوا راغبين في إعطاء آرائهم في كل شيء. هذه هي المشكلة تحديدًا. عليك اللعنة.. ماذا ستقول وأنت لا تعرف شيئًا.

ـ أنت تصادر حقي في الكلام.

ـ ومشكلة العالم الثانية عليك لعنة الله أن أمثالك صاروا يتحدثون عن الحق. هل تعرف أنت الحق لتتحدث عنه؟ هل ناضلت عليه؟ أم أنك تشبه جنود المعركة الذين لم يشاركوا في الحرب وحين انتهت وُضعت لهم النياشين نفسها التي وُضعت لمن حارب؟

سحب نفسًا من سيجارة الحشيش مرة أخرى وراح يقوم بتسويته بسبابته. حمل كأس القهوة السوداء وقرّبها منه دون أن يرشف منها رشفة. بدأ يحدق في الكأس لبضع دقائق. فجأة أدار رأسه بسرعة جهة الكرسي:

ـ هل تعرف لم أنا رجل استثنائي؟ أصمت عليك لعنة الله دعني أتم كلامي. أنا رجل استثنائي لأني قادر على السفر دون أن أقوم من على الكرسي. هل فهمت؟ أكيد لن تفهم، متى كان أمثالك يفهمون؟

ابتسم ابتسامة هادئة ونظر مرة أخرى جهة الكرسي. كانت نظرته حانية هذه المرة كأنه يغازل بها فتاة يتخيلها جالسة جنبه على الكرسي:

ـ إن ما يجعل الناس يتشبثون بالكراسي ليس هو المنصب. هذا خطأ فظيع. ليست السلطة ولا المال ما يجعل الناس مغرمين بالكراسي. إن مقاسات الكراسي وطريقة صناعتها وجلد الجوخ الذي يغلفها ونوع الزخارف التي تزين حواشيها تساعد الذي يجلس عليها في شيء واحد وهو التحليق. هل تعرف الطيران؟ لا.. لا.. لا أحدثك عن هذا الطيران أبدًا، إنما أحدثك عن طيران آخر. طيران يجعلك تجمع بين مكانين وأكثر في نفس اللحظة. إنه طيران يسمح لك بترك ظلالك في أماكن عديدة؛ فأنت الآن هنا، لكنك في نفس الوقت هناك، في حديقة ريانة، أو على شط جزيرة مختبئة بين أحراش كثيفة الأغصان، أو أنك تشاهد جسدك ماشيًا كأنه لغيرك في أحد دروب مدينة عريقة. هذا هو الطيران الذي أحدثك عنه. ليس حلمًا.. لم تتكلم دون أن أسمح لك. لا تقل إن هذا نوع من الأحلام والهلاوس.

ـ لكنه أحلام وهلاوس.

ـ هذه هي مشكلتنا الثالثة في هذا العالم اللعين؛ جرأتنا القبيحة على التطاول على المعرفة. هل سبق وعرفت الهلاوس؟ إذن لم تصف كلامي بالهلاوس. إنه الطيران، لا وجود لشيء اسمه الهلاوس. الأطباء أيضًا مشكلة هذا العالم فهم أحيانًا يقدمون مفاهيم خاطئة للمرضى. كان عليهم أن يقولوا طيران وليس هلاوس. هل سنعتبر الرؤساء الذين جمعوا أرصدة دسمة وحصلوا على ما لا يعد ولا يحصى يعانون الهلاوس حين يقتلون الكثير من الأبرياء من أجل إدامة بقائهم على الكرسي؟ أكيد لا.. هم رؤساء، والرؤساء لا يهلوسون إنما يطيرون.

ـ هل تريد أن تقول لي إنك رئيس؟

اضطرب ورمى عقب سيجارة الحشيش بعنف أمامه ثم قام من مكانه واتجه جهة الكرسي الفارغ. وقف أمامه لدقائق ثم انحنى قليلاً كأنه يقدم سلامًا وبيعة. استقام من جديد وركل الكرسي بقدمه وخرج كالسهم النافر من المكان وسط سحاب كثيف من العمى.

شاهد أيضاً

محمد عبد الرحيم

أنا وحبيبتي نسكن في المزرعة السعيدة .. محمد عبد الرحيم

  أنا وحبيبتي نسكن بالمزرعة السعيدة، نزرع طعامنا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كالإجاص والمشمش والعنب، …

اترك رد

error: المحتوى محمي بموجب قوانين حماية الملكية الفكرية